تراجعت إيفانجلين خطوة إلى الوراء ، وكأن الهواء في الممر قد نضب فجأة.
كانت الرؤية تترنح أمام عينيها، وصورة ذلك المشهد انطبعت في ذهنها ككيٍّ بالنار..
يد تلك المرأة الأنيقة ، بياتريس ، وهي تلتف حول ذراع كاسيان بابتسامة تفيض بالثقة.
و الطريقة التي مال بها هو نحوها مستجيباً لندائها بكلمة “عزيزي”.
“من هذه ؟ وكيف تجرؤ ؟”
صرخ صوتٌ مكتوم داخل أعماقها، لكن لسانها ظل مشلولاً.
كانت بياتريس ترمقها بنظرة فاحصة، نظرة امرأة تعرف تماماً قيمة الرجل الذي تقف بجانبه.
ولم يكن في عينيها سوى تساؤل بارد عن “هذه الطبيبة” التي تقف مذهولة في طريقهم.
أما كاسيان ، فقد استدار ببرود تام ، متبعاً خطوات خطيبته ، دون أن يلتفت وراءه ولو لمرة واحدة.
بقيت إيفانجلين وحيدة ، تلملم ما تبقى من كرامتها المبعثرة مع الأوراق على الأرض.
كانت يداها ترتجفان بشدة لدرجة أنها لم تستطع إمساك القلم.
انسحبت بصعوبة نحو أقرب غرفة استراحة للأطباء.
وأغلقت الباب خلفها لتسند ظهرها إليه ، وتسمح لدموعها بالانهمار في صمت مرير.
“إنه حي..”
همست لنفسها وهي تضع يدها على قلبها الذي كاد يمزق صدرها..
“حي.. ولكنه لا يعرفني. ينظر إليّ كأنني غريبة.. ويسمح لأخرى بأن تلمسه بتلك الطريقة!”
اجتاحتها موجة من الغيرة القاتلة ممزوجة بذهول لا يوصف.
كيف يمكن لأربع سنوات أن تمحو ملامح وجهها من عقله ؟
وكيف استطاعت تلك المرأة أن تأخذ مكانها في حياته ؟
فجأة ، تذكرت ابنتها.
تذكرت إيلودي التي تنتظر “المسافر” ليجرب أرجوحة الفراشات.
شعرت برعب حقيقي يتسلل إلى أعماقها..
كيف ستخبرها ؟
وكيف ستحمي صغيرتها من حقيقة أن والدها عاد من الموت بقلبٍ يخص امرأة أخرى ؟
مسحت دموعها بعنف وهي تنظر إلى انعكاس وجهها الشاحب في المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط.
و قالت بنبرة حازمة رغم انكسارها:
“لن أسمح لهذا النسيان أن ينتصر. إذا كنت قد نسيت من أكون يا كاسيان.. فأنا هنا لأذكرك بكل تفصيل حفرناه معاً في جدران ذلك المنزل.”
كانت قاعة الاجتماعات الكبرى في المستشفى الملكي تتسم بالفخامة والرهبة.
جدرانها المكسوة بالخشب الداكن وسقفها العالي الذي تتوسطه ثريا ضخمة.
خلقت جواً من الجدية الصارمة.
دخلت إيفانجلين القاعة بعد أن غسلت وجهها بماءٍ بارد.
وحاولت جاهدة إخفاء عينيها المحمرتين خلف نظرة مهنية جامدة.
كانت المقاعد نصف دائرية ، وقد اتخذ أطباء العاصمة أماكنهم.
بينما جلس وفد “أقاليم الجنوب” في المنصة الرئيسية.
وعندما رفعت بصرها ، كان كاسيان يجلس هناك ، في المنتصف تماماً
و بجانبه بياتريس التي كانت تفتح له ملفاً وتهمس في أذنه بشيءٍ ما، فابتسم لها ابتسامة خفيفة.
باردة ولكنها كانت كافية لتحطيم ما تبقى من ثبات إيفانجلين.
وقف البروفيسور “هاملتون”، والد بياتريس ، وبدأ حديثه بصوتٍ جهوري يملؤه الفخر:
“أيها الزملاء في العاصمة ، يسعدني أن أقدم لكم نابغة الجراحة في إقليمنا الجنوبي ، والرجل الذي لولاه لما حقق مركزنا الطبي تلك القفزة النوعية.. الدكتور كاسيان.”
ضجت القاعة بالتصفيق ، بينما ظل كاسيان محافظاً على هدوئه الرزين.
تابع البروفيسور بلهجة أكثر حميمية:
“كاسيان ليس فقط يدي اليمنى في العمل ، بل هو قريباً سيصبح جزءاً من عائلتي ، كزوج لابنتي بياتريس.”
تعالت الهمسات المهنئة في القاعة، وشعرت إيفانجلين في تلك اللحظة أن الجدران تضيق عليها.
“كزوج لابنتي ؟ ”
ترددت الكلمة في عقلها كصدى مشؤوم.
الرجل الذي لا تزال أوراقه الثبوتية في درج مكتبها تحت مسمى “الزوج”
يُعلن الآن خطيباً لامرأة أخرى أمام الملأ.
بدأ كاسيان بالحديث ، وبدأت نبرة صوته الرخيمة تشرح آليات جراحية معقدة.
كانت لغته الطبية بارعة ، وحضوره طاغياً ، لكن إيفانجلين لم تكن تسمع الكلمات..
كانت تراقب حركات يده ، الطريقة التي يلمس بها ذقنه عند التفكير، ذات العادات التي لم يغيرها الحادث.
فجأة، وأثناء حديثه ، جالت عينا كاسيان في القاعة حتى استقرتا عليها.
توقف عن الكلام لثانية واحدة فقط، ثانية شعرت فيها إيفانجلين أن الزمن قد توقف.
نظر إليها ، ثم عقد حاجبيه قليلاً وكأنه يحاول تذكر أين رأى هذا الوجه من قبل..
لكنه سرعان ما استدار ليوجه حديثه لزميل آخر سأله سؤالاً تقنياً.
لم يتذكر.. لم يشعر بشيء .. بالنسبة له ، هي مجرد طبيبة في الصفوف الخلفية تبدو مهتمة بحديثه أكثر من اللازم.
أما بياتريس ، فقد لاحظت نظرات إيفانجلين المركزة.
مالت نحو كاسيان ووضعت يدها على كتفه بدلال أمام الجميع ، وهي ترمق إيفانجلين بنظرة حادة.
وكأن غريزة المرأة داخلها استشعرت خطراً يهدد مملكتها التي بنتها على أنقاض ذاكرة رجل محطم.
التعليقات لهذا الفصل " 7"