كانت الشمس قد توسطت كبد السماء حين توقفت العربة المتهالكة.
لعمها “سيلفان” وزوجته “بريسكا” أمام الفيلا.
دخلا بوقاحة المعتادين على سلب ما ليس لهم.
ظانين أن غياب كاسيان في المستشفى سيجعل إيفانجلين فريسة سهلة لابتزازهم المعتاد.
استقبلتهما إيفانجلين في مكتب كاسيان .
لم تكن تلك المرأة المنكسرة ..
جلست خلف المكتب و إلى جانبها رجل في الخمسين من عمره.
يرتدي نظارات طبية ويقلب أوراقاً رسمية بوقار وهدوء.
سيلفان بنبرة ساخرة:
«أرى أنكِ استعنتِ برجل قانون يا ابنة أخي ؟ هل تظنين أن الأوراق ستحميكِ من “الفضيحة”؟ نحن من أنفقنا عليكِ اليتيمة، والآن نريد ثمن تلك السنوات، وإلا فالصحافة تنتظر قصصنا عن “الدكتورة الجاحدة”.»
«اجلس يا عمي . و أنتي يا بريسكا. أود أن أعرفكما على السيد “كلارينس”، المحامي الذي كلفته بمراجعة تركة والدي “توماس” وكل ما يتعلق بوصايتكم عليّ.»
تغيرت ملامح سيلفان فجأة ، وجلس ببطء وهو يبتلع ريقه:
«تركة والدك ؟ لقد مرت سنوات.. المزرعة والبيت استُهلكوا في الديون، أنتِ تعلمين ذلك جيداً.»
تحدث المحامي كلارينس بصوت حازم:
«هنا تكمن المشكلة يا سيد سيلفان. لقد قمتُ بمراجعة السجلات العقارية في قريتكم القديمة. والديون التي ادعيتَ وجودها لم تكن سوى قروض بضمان المزرعة ، قمتَ أنتَ بسحبها بـ “توكيل عام” وُقع قبل وفاة شقيقك بأسبوع واحد فقط.»
إندفعت بريسكا نحو المحامي :
«كان توكيلاً قانونياً ! توماس كان يثق بزوجي!»
اخرج المحامي ورقة رسمية :
«الثقة لا تمنح الميت حق التوقيع. التوكيل وُقع بتاريخ كان فيه السيد توماس في غيبوبة كاملة تحت إشراف طبي ، وهذا مثبت في سجلات المشفى القديم. وبناءً عليه ، فإن بيع المزرعة والاستيلاء على ثمنها يُعد “تزويراً وجريمة سرقة إرث”، وهي تهمة جنائية لا تسقط بالتقادم.»
ساد صمتٌ خانق ، لم يقطعه سوى صوت أنفاس سيلفان المتسارعة.
نظرت إيفانجلين إلى عمها ، لم يكن في عينيها حقد، بل كان هناك “عدلٌ بارد” يقطع أنفاس الجشع.
«لسنوات ، جعلتني أشعر أنني مدينة لك بكسرة الخبز التي كنتُ آكلها وأنا أخدم في بيتك. جعلتني أصدق أن والدي تركني مشردة. والآن، يتضح أنك كنت تعيش في رغد من أموالي، بينما كنتُ أنا أرتجف برداً في غرفة الخدم. لقد سرقتَ طفولتي، ولن أسمح لكَ بسرقة مستقبلي.»
سيلفان بصوت مكسور:
« إيفا.. نحن أهلك ، السجن في هذا العمر سيقضي عليّ.»
دفعت إيفانجلين الورقة نحوه و قالت :
«أمامك خيار واحد لتتجنب القيد. هذه الوثيقة إقرار وتعهد قانوني بقطع أي صلة بك وبزوجتك بأسرتي واسمي للأبد. ستوقع على أنك استلمت كامل حقوقك المزعومة وتتعهد بعدم ملاحقتنا أو التحدث للصحافة. مقابل هذا الصمت.. سأتركك ترحل دون بلاغ رسمي، وسأمنحك مبلغاً بسيطاً يكفيك للعيش بعيداً عن هذه العاصمة.»
بأيدٍ ترتجف ، وقع سيلفان الإقرار، وتبعه بريسكا وهي تبكي رعباً من ذكر السجن.
خرجا من المكتب يجران أذيال الهزيمة ، ودون أن يلتفتوا وراءهم.
أغمضت إيفانجلين عينيها واستندت إلى الكرسي ، شعرت بخفة غريبة في جسدها.
كأن قيداً صدئاً قد تكسر أخيراً عن معصميها.
دلف كاسيان إلى ردهة نزل قديم بخطوات واثقة.
و ما إن وقعت عيناه على بياتريس حتى اقترب منها ووقف أمامها كالسد المنيع.
تراجعت هي خطوة للخلف وقالت بصوت مرتعش:
«كاسيان.. لم أكن أتوقع أن تأتي إلى هنا بنفسك.»
رد كاسيان بنبرة خافتة تقطر صرامة:
«بياتريس ، اسمعيني جيداً وللمرة الأخيرة. لقد حاولتُ سابقاً أن أتجاهل وجودكِ شفقةً بما آل إليه حالكِ، لكن أن تعترضي طريق إيفانجلين وتسببي لها ذعراً وهي في هذه الحالة.. فهذا تجاوزٌ لمبادئي ولن يمر دون ثمن.»
حاولت بياتريس مقاطعته والدموع تترقرق في عينيها:
«لكن والدي.. والدي هو من..»
قاطعها بحزم وهو يضع مغلفاً على الطاولة القريبة منها:
«والدكِ استغل حاجتي يوماً ليربطني بكِ غصباً، وقد دفع ثمن جشعه. في هذا المغلف تذكرة سفر لبلدة بعيدة ومبلغ يكفل لكِ حياة كريمة. خذيها وارحلي الليلة، فإذا رأيتُ ظلكِ في طريقي مجدداً، أقسم لكِ أنني سأستخدم كل نفوذي لأضعكِ في عزلة لن يرى فيها أحدٌ وجهكِ ثانية. اختاري الآن.. الرحيل بصمت، أو السقوط النهائي.»
نظرت بياتريس إلى المغلف ثم إلى عينيه الجليديتين، وقالت بخفوت:
«لقد تغيرتَ كثيراً يا كاسيان.. لم تعد الرجل الذي عرفته.»
أجابها وهو يستدير للمغادرة:
«الرجل الذي عرفتِه مات منذ زمن، وهذا الرجل الذي أمامكِ لا يعيش إلا لحماية عائلته. لا تجعليني أراكِ ثانية.»
وصل كاسيان إلى الفيلا عند الغروب، ووجد إيفانجلين في الحديقة تراقب إيلودي وهي تلعب.
جلس بجانبها وأمسك يدها القلقة وقال:
« إيفي ، أخبريني.. هل جاء عمك ؟ ماذا فعل ؟»
التفتت إليه بابتسامة هادئة لم يعهدها وقالت:
«لقد جاء يا كاسي ، ومعه كل جشعه المعتاد. لكنه رحل وهو يرتجف ، ولن يعود أبداً.»
سألها بذهول:
«كيف ؟ هل تجرأ على تهديدكِ ؟»
أجابت بثقة وهي تنظر في عينيه:
«لقد واجهتُه بالمحامي و بالأوراق التي تثبت تزويره لإرث والدي. حين رأى الدلائل أمامه ، تحول كبرياؤه إلى توسل. قلتُ له بوضوح: “إما التوقيع على التنازل عن أي صلة بنا والرحيل للأبد، أو السجن بتهمة السرقة والتزوير”. وقد اختار الرحيل.»
ضحك كاسيان بذهول وفخر وقال:
«كنتُ أخشى عليكِ من مواجهته ، فإذا بكِ تكسرين كبرياءه ببراعة . لقد أذهلتِني يا إيفي .»
أمسكت يده ووضعتها على بطنها وقالت برقة:
«فعلتُ ذلك من أجلك ، ومن أجل أطفالي . كنتُ بحاجة لأن أستعيد حقي بيدي لأشعر أنني أستحق هذا الأمان الذي منحتَني إياه. الآن يا كاسي .. نحن أحرار تماماً.»
انحنى وقبّل يدها وقال بعمق:
«الآن فقط ، أستطيع أن أقول إن الماضي قد دُفن. شكراً لأنكِ كنتِ أقوى مما تخيلتُ.»
التعليقات لهذا الفصل " 36"