«اذهبي يا مارثا. كاسيان وإيلودي على وصول. أرجوكِ، كوني طبيعية تماماً. لا أريد أن يشعر كاسيان بشيء.. ليس الآن.»
ودعتها مارثا بقلبٍ ثقيل.
وعند الباب الخارجي ، التقت بكاسيان وإيلودي.
حاولت مارثا رسم ابتسامة باهتة:
«أهلاً كاسيان.. إيفا متعبة قليلاً وتستريح في الأعلى. استأذنكم الآن.»
دخلت إيلودي كالعاصفة وهي تلوح بورقة رسمها:
«أمي ! انظري ! لقد رسمتُ حصان.. مثل ما وعدني به أبي !»
تبعتها خطوات كاسيان الواثقة، لكنه توقف فجأة في الردهة.
رائحة غريبة كانت تملأ المكان؛ مزيج من عطر رخيص لا تنتمي لرائحة منزله.
صعد الدرج وراء إيلودي التي فتحت باب الغرفة بحماس، لكنها توقفت عند العتبة.
«أمي؟ هل أنتِ نائمة؟»
كانت إيفانجلين ممددة ، وقد غطت نصف وجهها باللحاف.
اعتدلت بصعوبة حين رأت كاسيان يقف خلف ابنتهما، وحاولت رسم ابتسامة ذابلة:
«أهلاً بعودتكم.. يبدو أنني غفوتُ من أثر التعب.»
اقترب كاسيان ، ووضع يده على جبهتها، ثم أمسك معصمها ليرصد نبضها.
كان قلبه يخفق قلقاً ؛ فنبضها كان مضطرباً بشكل لا يبرره الوحم وحده.
« إيلودي ، حبيبتي.. انزلي لتري ما أحضرناه في الأكياس، سألحق بكِ»
قال كاسيان وعيناه لا تفارقان وجه إيفانجلين.
بمجرد أن أُغلق الباب ، جلس كاسيان على حافة السرير.
استنشق الهواء بعمق وقال بنبرة هادئة لكنها تخفي عاصفة:
« إيفي.. مارثا كانت مرتبكة ، وأنتِ ترتجفين كعصفور بلله المطر. وهناك رائحة عطر في المنزل. ما الذي حدث في غيابي؟»
تشبثت إيفانجلين باللحاف، وقررت أن تدفن سر زيارة عمها في قلبها مؤقتاً:
«لا شيء يا كاسي.. فقط الوحم كان قاسياً اليوم ، وشعرتُ بضيق تنفس ففتحتُ الشرفة، ربما دخلت روائح الشارع. لا تبالغ في قلقك، أنا بخير.»
نظر إليها كاسيان طويلاً.
كان يعلم أنها تخفي شيئاً ، لكنه احترم رغبتها في الصمت ، وإن كان قلبه قد امتلأ بشكوك لا ترحم.
في الصباح الباكر ، استيقظ كاسيان ليجد إيفانجلين واقفة أمام المرآة.
ترتدي ملابسها الرسمية للمستشفى وتصفف شعرها بعناية ، رغم شحوب وجهها الواضح.
« إيفي ؟ ماذا تفعلين ؟»
سأل كاسيان بدهشة وهو ينهض من فراشه
«أنتِ في إجازة، والوحم أنهككِ هذه الفترة. يجب أن ترتاحي.»
التفتت إليه وهي تحاول تثبيت يديها المرتجفتين:
«سأذهب معك إلى المستشفى اليوم يا كاسي . لا أريد البقاء في البيت.»
اقترب منها وأمسك بكتفيها:
«لكنكِ بالكاد تقفين على قدميكِ! كطبيب، أنا أمنعكِ. وكزوج، أنا أرجوكِ أن ترتاحي. ما الداعي لهذا الإصرار المفاجئ ؟»
نظرت في عينيه بنظرة لم يفهمها؛ كانت نظرة امرأة تريد الهروب من جدران شهدت تهديداً لبيتها:
«أحتاج لأن أشعر أنني “الدكتورة إيفانجلين” وليس فقط “الحامل المتعبة”. وجودي في المستشفى بجانبك يجعلني أشعر بالأمان. أرجوك.. لا ترفض.»
حاول كاسيان إقناعها بكل الوسائل، ذكرها بتعبها، بصحة الجنين، بضرورة الراحة..
لكنها كانت كالصخر.
كانت تصر على الذهاب معه وكأن المستشفى هو حصنها الوحيد المتبقي.
تنهد كاسيان بقلة حيلة ، وقال وهو يقبل جبينها:
«حسناً.. ستذهبين معي، لكن بشرط؛ ستظلين في مكتبي تحت نظري، ولن تتحركي خطوة واحدة دون علمي. يبدو أنكِ تخافين من شيء لا تريدين قوله يا إيفي .. وسأعرفه عاجلاً أم آجلاً.»
التعليقات لهذا الفصل " 33"