في جناح فندقٍ هادئ في جنوب “أستوريا”
ساد صمتٌ رتيب يقطعه فقط حفيف الأوراق الطبية.
كان كاسيان يجلس خلف مكتبه الصغير، يراجع ملفات الحالة التي سيناقشها في العاصمة الملكية غداً.
ملامحه كانت ساكنة تماماً ، كأنها نُحتت من رخام ، لا تشي بأي توتر أو لهفة لتلك الرحلة.
دخلت بياتريس الجناح بخطوات واثقة ، تفيض بالأناقة التي تليق بابنة البروفيسور “هاملتون”.
وضعت يدها على كتفه ، ونظرت إلى الأوراق التي بين يديه بتقدير مهني.
“أبي فخور جداً بما حققته في بحثك الأخير يا كاسيان”
قالتها بنبرة هادئة وهي تميل نحوه
“يقول إن انضمامك لفريقنا الطبي في هذه البعثة هو مكسب للمملكة قبل أن يكون مكسباً لنا.”
أغلق كاسيان الملف ببطء ، والتفت نحوها بوجهٍ خالٍ من التعبير:
“والدكِ هو من منحني هذه الفرصة بعد الحادث ، بياتريس. هذا أقل ما يمكنني فعله لرد الجميل له .”
ابتسمت بياتريس برضا ، فهي تحب فيه هذا الإخلاص البارد والتركيز المطلق على عمله.
“العاصمة الملكية هناك جميلة في هذا الوقت من العام. ورغم أننا سنقضي أغلب وقتنا في المستشفى الملكي، إلا أنني أخطط لبعض الوقت لنا بعد انتهاء المؤتمر.”
نهض كاسيان من مقعده ، وتوجه نحو نافذة الشقة التي تطل على الشوارع المزدحمة..
واضعاً يديه في جيبي بنطاله.
لم يشعر بأي “وخزة” أو “صداع”؛ بل كان يشعر بالفراغ التام.
بالنسبة له ، العاصمة ليست سوى “وجهة عمل” أخرى ، ومستشفى آخر، ومرضى آخرين.
“سيكون جدولنا مزدحماً”
أجابها بنبرة جافة وهو يراقب الأفق
“المستشفى الملكي هناك يعاني من نقص في الجراحين المتخصصين، وهذا هو سبب ذهابنا الأساسي. لا أعتقد أن الوقت سيسعفنا للتنزه.”
لم تنزعج بياتريس من بروده ، فقد اعتادت عليه منذ أن وجدوه محطماً على الطريق قبل أربع سنوات.
بالنسبة لها ، كاسيان هو الطبيب الناجح الذي صقله والدها بيديه ..
وهو الرجل الذي ستبني معه مستقبلها الطبي والاجتماعي.
بينما كان هو ، في تلك اللحظة ، لا يرى في الرحلة سوى واجب مهني..
غير مدرك أنه يتجه مباشرة نحو الأنقاض التي تركها خلفه..
نحو امرأة لا تزال تحتفظ بمعطفه القديم..
وطفلة لا تعرف ملامح أبيها إلا من خلال الصور .
التعليقات لهذا الفصل " 3"