فتحت إيفانجلين عينيها على خيوط الشمس التي تنسج مربعات ذهبية فوق غطاء السرير.
شعرت بثقل دافئ على خصرها؛ كان ذراع كاسيان يحيط بها وكأنه يخشى أن تتبخر في هواء الصباح.
التفتت نحوه ، لتجده مستيقظاً منذ مدة ، يتأملها بهدوء .
«هل كنت تراقبني وأنا نائمة مجدداً ؟»
همست بصوت ناعس وهي تبتسم.
مرر كاسيان أصابعه بين خصلات شعرها المتمردة ، وقال بنبرة دافئة:
«أقوم بجرد ممتلكاتي يا إيفي.. أتأكد أن كل خصلة شعر وكل ملمح لا يزال في مكانه. هذا هو “التحفيز الكيميائي” الوحيد الذي أحتاجه الآن.. قربكِ.»
ضحكت بخفة ودفعته برفق:
«هيا أيها الجراح العبقري ، المطبخ ينتظرنا. إيلودي ستستيقظ جائعة، ولن يرضيها أقل من الفطائر التي وعدتها بها.»
كان المطبخ يضج بالحياة.
كاسيان ، بقميصه الأبيض المشمر الأكمام.
كان يقف أمام المنضدة الرخامية ممسكاً بسكين صغير لتقطيع الفاكهة.
«كاسي! انظر ماذا فعلت بالدقيق!»
صاحت إيفانجلين وهي تدخل المطبخ لتجده قد غطى المنضدة بطبقة بيضاء.
وهو يحاول عجنه بدقة مبالغ فيها.
نظر إليها بجدية مصطنعة:
«عزيزتي ، الخبز كالجراحة ، يحتاج لنسب دقيقة.. الضغط هنا يجب أن يكون 5 نيوتن لكل سنتيمتر مربع.»
اقتربت منه ، وأخذت العجين من بين يديه ، ولطخت طرف أنفه بلمسة دقيق:
«هنا مطبخ وليس غرفة عمليات يا بروفيسور. اترك العجين لي ، واذهب لتحضير القهوة.»
أمسك بخصرها فجأة وجذبها إليه، لتصطدم بصدره وهي تضحك:
«وإذا رفضتُ الأوامر؟ ما هي عقوبة الجراح المتمرد؟»
«العقوبة هي..»
في تلك اللحظة ، لم تكمل جملتها،.
حتى سُمع صوت ركض سريع على الخشب.
ودخلت إيلودي وهي تجر دميتها “لوسي” من يدها ، وشعرها منسدل على وجهها.
«أبي ! أمي ! لوسي مريضة جداً!»
قالت إيلودي وهي ترفع الدمية عالياً بملامح درامية.
انحنى كاسيان لمستواها ، وأخذ الدمية بوقار الطبيب ، وضع يده على جبهة “لوسي” القماشية:
« أوه.. التشخيص واضح يا آنسة إيلودي. إنها تعاني من نقص حاد في.. رائحة الفطائر.»
قفزت إيلودي فرحاً:
«كنت أعرف ! لوسي تحب القرفة أيضاً.»
وضع كاسيان إيلودي فوق الرخام بجانبهما:
«حسناً ، أنتِ المساعدة الأولى الآن. مهمتكِ هي نثر القرفة، وأمكِ ستتولى الإشراف، وأنا.. سأكتفي بمراقبة أجمل امرأتين في العاصمة.»
بعد الإفطار ، بدأت مرحلة ” تطهير البيت”.
كانا يتشاركان كل شيء ؛ كاسيان يحمل الستائر الثقيلة و إيفانجلين ترتب الكتب.
«تذكرين هذه اللوحة ؟»
سألها كاسيان وهو يمسح الغبار عن لوحة قديمة لهما.
توقفت إيفانجلين وأسندت رأسها على كتفه:
«كنت أظن أنني لن أراك تنظر إليها مجدداً. كنت أخبئها في القبو لأن رؤيتها كانت تحرق قلبي.»
شدد كاسيان من قبضته على يدها:
«الآن سنعلقها في صالة الاستقبال.. ليعرف كل من يدخل بيتنا أن الحب الذي صمد أمام مقصلة هاملتون ، لا يمكن للغبار أن يغطيه.»
تحركت إيلودي بينهما بدميتها ، تدور حولهما وتغني أغنية غير مفهومة
بينما كان كاسيان وإيفانجلين يتبادلان نظرات طويلة..
نظرات تقول إن السعادة ليست في العظمة أو الاكتشافات الطبية، بل في هذا الضجيج العادي.
في ملمس الدقيق ، وفي رائحة القهوة ، وفي يقين اللقاء بعد طول غياب.
مالت الشمس نحو الغروب ، تاركةً خلفها خيوطاً أرجوانية تداعب ستائر الفيلا.
و استسلمت إيلودي للنوم وهي تحتضن دميتها “لوسي”.
بعد أن أصر كاسيان على قراءة قصة لها عن “البحار الذي لم ينسَ بوصلته أبداً”.
خرج كاسيان إلى الشرفة الواسعة المطلة على حديقة الفيلا الصغيرة في قلب العاصمة.
كان الهواء بارداً بما يكفي ليجعله يرتدي معطفه المنزلي الدافئ.
لحقت به إيفانجلين وهي تحمل كوبين من الشاي الساخن، يفوح منهما عبق الميرمية.
«نامت أخيراً ؟»
سألته وهي تسند رأسها على كتفه.
أحاطها بذراعه ، وسحبها لتستند إلى صدره:
«نامت وهي تسألني إن كان بإمكاني إجراء عملية جراحية لجناح فراشة وجدتها في الحديقة. يبدو أنها ورثت مني فضول الطب ، ومنكِ رقة القلب.»
ارتشفت إيفانجلين من كوبها ، ثم نظرت إلى أضواء العاصمة البعيدة وقالت بهدوء:
«أحياناً أخاف يا كاسي .. أخاف أن أستيقظ فأجد أن هذه الجدران ، وهذا الهدوء، وهذه الضحكات، ليست سوى حلم آخر من أحلامي الطويلة في سنوات غيابك.»
توقف كاسيان عن مراقبة النجوم، والتفت إليها تماماً.
أمسك يدها ووضعها فوق موضع قلبه:
«هل تشعرين بهذا ؟ هذا النبض ليس آلة طبية باردة كما أراد هاملتون. هذا النبض يقرع اسمكِ في كل ثانية. إيفي ، الماضي كان جرحاً وقد خِطناه معاً، والندبة الموجودة الآن ليست للألم ، بل هي علامة على القوة.»
صمتت قليلاً ثم قالت بابتسامة غامضة:
«بالمناسبة، وجدتُ ورقة في معطفك القديم اليوم وأنا أنظفه.. كانت ملاحظة طبية مكتوبة بخط يدك، لكنها غريبة.»
رفع حاجبه بتساؤل:
«ملاحظة طبية ؟ لا أتذكر أنني تركت شيئاً.»
ضحكت بخفة وهي تخرج ورقة صغيرة من جيبها وتقرأ:
«”المريض يعاني من حالة مستعصية من الشوق ، العلاج المقترح: العودة فوراً إلى المنزل وقضاء بقية العمر في الاعتذار لمن يحب”.»
ابتسم كاسيان ، واقترب من أذنها وهمس:
«يبدو أن ذلك الجراح كان ذكياً جداً رغم فقدانه للذاكرة. فهل تقبلين متابعة العلاج معي ؟»
وضعت رأسها على صدره وأغمضت عينيها، مستسلمة لدفء أنفاسه:
«أقبل.. شرط أن يكون الطبخ وتنظيف الحديقة جزءاً من الدواء اليومي.»
في تلك الليلة، لم تكن العاصمة مجرد مدينة صاخبة بالنسبة لهما.
بل كانت مجرد خلفية لقصتهما.
كانا يقفان معاً ، جراحاً استعاد روحه، وامرأة لم يفقدها اليأس ، في فيلا صغيرة أصبحت بفضل حبهما..
التعليقات لهذا الفصل " 29"