سار كاسيان في تلك الليلة ، بخطواتٍ تائهة..
وكأن قدميه تملكان ذاكرةً مستقلة عن عقله.
توقف فجأة ، شاعراً بثقلٍ غريب في صدره ، وقبل أن يقرر الالتفاف والعودة!
شقَّ سكون الليل صوت ركضٍ متعثر وشهقات بكاءٍ مرير.
من بين الظلال ، برزت طفلة صغيرة، تتعثر بمعطفها، وتفرك عينيها بيديها الصغيرتين وهي تنوح بجسدٍ يرتجف.
عندما لمحها كاسيان ، شعر بوخزةٍ حادة في قلبه ، فجثا على ركبتيه غريزياً في منتصف طريقها.
توقفت الطفلة فجأة ، واتسعت عيناها الغارقتان بالدموع.
نظرت إليه بذهول ، تفرسَت في ملامحه، الحواجب الحادة، العيون العميقة..
تلك الملامح التي لطالما تصفحتها في “ألبوم الصور” السري لوالدتها، الصور التي تجمع والديها في لحظات حبٍ قديمة.
“المـ.. المسافر؟”
خرجت الكلمة من بين شفتيها المرتجفتين بذهول، وهو الاسم الذي أطلقته عليه دائماً وهي تنتظر عودته.
ثم انطلقت صرختها الممزقة:
“أبي ! أنتَ.. أنتَ جئت!”
ارتمت في حضنه بقوة ، تشهق ببكاءٍ مرير وتتمتم بكلماتٍ متقطعة:
“لقد.. لقد قلتِ لأمي.. أنك ستعود.. لماذا.. لماذا تأخرت ؟”
تجمد كاسيان في مكانه، صدمة النداء هزت أركانه ، لكن في تلك اللحظة بالذات.
انفتح صدعٌ في جدار عقله المظلم.
سمع صوتاً من بعيد ، صدى ضحكة امرأة ، وصوت نفسه وهو يهمس:
“سيكون لنا طفل يحمل عينيكِ”
ضمها إلى صدره بقوة ، وبدأ يمسح على شعرها بيده المرتجفة، محاولاً استيعاب هذا الزلزال.
سألها بصوتٍ مخنوق:
“صغيرتي.. كيف.. كيف عرفتِ أنني والدكِ ؟”
رفعت رأسها وهي تشهق ، وقالت بقطعٍ من الكلمات:
“الصور.. رأيتك.. مع أمي.. في الكتاب القديم.. أنتَ.. أبي كاسيان..”
شعر بموجة عارمة من المشاعر تغمره، ارتباكٌ ممزوجٌ بخوفٍ مقدس.
إذا كانت “إيفانجلين” هي زوجته حقاً، فماذا فعل هو ؟
تذكر نظراتها في المستشفى ، ذلك العتاب الصامت واللوم الجريح، وكيف تجاهلته بألمٍ بعدما رأته مع بياتريس.
شعر بخنجر الندم يغرز في قلبه.
فجأة ، تذكر حالتها ، فسألها بذعر:
“لماذا كنتِ تركضين يا صغيرتي ؟ أين والدتكِ ؟”
انفجرت إيلودي بالبكاء مجدداً:
“أمي.. على الأرض.. لا تتكلم.. ساعدها يا أبي !”
لم ينتظر ثانية واحدة ؛ حملها بين ذراعيه وركض نحو المنزل، وكان قلبه يكاد يتمزق من الخوف.
اقتحم الباب ليجد إيفانجلين ممدودة على الأرض ، شاحبة كأنها غادرت الحياة.
” إيفا !”
صرخ باسمها ليرتطم بالانكسار في صوته.
ركض إليها ، جثا على ركبتيه وضمها إلى صدره بقوة.
يتحسس نبضها وأنفاسها بذعر الطبيب وشوق الزوج المحطم.
حملها بين ذراعيه ووضعها على أقرب أريكة ، وبدأ بيدين خبيرتين لكنهما ترتجفان بإجراء الإسعافات الأولية لها.
كانت إيلودي تقف بجانبه ، تمسك بطرف معطفه وتنظر بذهول..!
تارةً تبكي خوفاً على والدتها ، وتارةً تبتسم بفرحةٍ لا تُصدق لأن “المسافر” لم يعد خيالاً في الصور.
بل هو هنا ، ينقذ عالمهم المنهار.
همس كاسيان وهو يمسد جبين إيفانجلين البارد:
“استيقظي يا إيفا.. أنا هنا.. أرجوكِ لا تتركيني الآن بعد أن وجدتُ طريقي إليكِ.”
فتحت إيفانجلين جفنيها ببطء شديد، وكأنها ترفع أثقالاً من التعب والأسى.
كانت الرؤية ضبابية في البداية، لكنها شعرت بدفء غريب يحيط بخصرها، وبرائحة مألوفة كانت تظن أنها انمحت من الوجود.
وعندما اتضحت الرؤية، تلاقت عيناها بعينيه.
لم تكن نظرة “الجراح البارد” الذي رأته في المستشفى ، بل كانت عيون كاسيان ، زوجها، ببريقها الحزين والمليء بالاضطراب.
“كاسيان..؟”
همست باسمه بنبرة خافتة ، وكأنها تخشى أن صوتها قد يجعله يتبخر كسراب.
لم يستطع كاسيان الكلام ؛ كانت حنجرته متحجرة من أثر البكاء المكتوم.
مدّ يده المرتجفة ولمس وجنتها، وبمجرد أن تلامست بشرتهما، انهمرت دموع إيفانجلين بغزارة.
كانت دموعاً تحمل وجع أربع سنوات ، وشوق ألف دهر، ووجع الخذلان الذي شعرت به حين رأته مع امرأة أخرى.
“لماذا جئت ؟”
قالت بصوت متقطع وهي تحاول الابتعاد قليلاً، رغم أن جسدها كان يطالب بالبقاء في حضنه.
“لماذا عدت لتنبش جراحي بعد أن تركتني أحترق وحدي ؟”
شدد كاسيان قبضته على يدها، وقربها من قلبه الذي كان ينبض بعنف.
” إيفا.. أنا.. أنا لم أكن أعرف. أقسم لكِ ، كنتُ أعيش في ظلام دامس.”
صوته انكسر وهو ينظر إلى إيلودي التي كانت تجلس عند أقدامهما، تراقب المشهد بعيون واسعة.
“لم أكن أعرف أن لي وطناً.. وأن لي ابنة تحمل ملامحنا.”
التعليقات لهذا الفصل " 25"