كانت عربة عائلته تقطع الأميال الأخيرة نحو حدود العاصمة الملكية.
كانت العاصمة تشتهر بجزء ساحلي خلاب.
حيث تصطف القصور التاريخية على منحدرات صخرية تطل على البحر الفيروزي.
هناك ، يقع قصر عائلة كاسيان ؛ بناء مهيب من الحجر الأبيض يمتد لسانه حتى يلامس رذاذ الموج.
ما إن عبرت العربة البوابة الحديدية الصدئة قليلاً بسبب هواء البحر المالح
حتى توقفت “هيلين” عن التنفس للحظة.
كان القصر صامتاً ، يلفه سكون يكسره فقط صوت تكسر الأمواج على الصخور بالأسفل.
ترجل “أرثر” أولاً ، و مد يده لزوجته.
نظرا إلى واجهة القصر التي غطتها بعض النباتات المتسلقة، وكأنه هرم فجأة في غيابهما.
دخلوا الردهة الرئيسية ، حيث كانت الستائر الثقيلة تحجب ضوء الشمس
والغبار يرقص في الخيوط القليلة المتسللة من الشقوق.
اتجهت هيلين بخطى مرتجفة نحو المدفأة الكبيرة.
حيث كانت تُعرض “لوحات العائلة”.
وقفت أمام لوحة زيتية ضخمة لكاسيان، رسمت له قبل سفره الأخير.
كان يبدو فيها بكامل عنفوانه، بابتسامته الواثقة التي كانت تضيء أركان هذا القصر.
لم تتمكن هيلين من الصمود أكثر؛ سقطت على ركبتيها أمام الصورة
وانفجرت في بكاء مرير هزّ أركان المكان الصامت.
“لقد عدنا يا كاسيان..”
همست بين شهقاتها..
“عدنا إلى بيتك الذي هجرناه ، لكننا عدنا دون أن نجدك في استقبالنا. كيف يمكن لهذا القصر أن يظل واقفاً وأنت الذي كنت عماده قد رحلت ؟”
أرثر ، الذي كان يحاول التماسك، وضع يده على إطار الصورة.
ولامس وجه ابنه المرسوم بأصابع ترتجف.
كان صوته مخنوقاً وهو يقول:
“رائحة البحر التي كان يحبها لا تزال هنا يا هيلين.. لكن صدى ضحكته اختفى. أربع سنوات ونحن نهرب من هذا المكان ، والآن أدرك أن الهروب لم يزدنا إلا وجعاً.”
فتحت هيلين صندوقاً صغيراً كان موضوعاً على الطاولة.
لتجد فيه قفازات كاسيان الجلدية التي نسيها قبل رحيله.
ضمتها إلى صدرها بقوة وهي تشتم رائحتها.
و كأنها تحاول استحضار جسده .
“غداً سنذهب لرؤيتها يا أرثر..”
قالت هيلين وهي تمسح دموعها بكبرياء جريح..
“سنذهب لرؤية إيفانجلين وتلك الصغيرة. أريد أن أرى ابني في عيني حفيدتي ، أريد أن أخبرها أن والدها كان أميراً لهذا القصر، وأنه لم يغادرنا إلا لأنه كان بطلاً.”
لم يدرك الوالدان وهما يغرقان في حزنهما داخل القصر الساحلي.
أن “القدر” يجهز لهما مفاجأة لا تخطر على بال..
فبينما يبكيان ابنهما “الميت”.
كان ابنهما “الحي” يقف على بعد أميال قليلة..
في اليوم التالي ، كانت الساحة الكبرى ، تضج بالحياة.
رائحة الفشار الدافئ والسكر المحروق تملأ الهواء.
و ضحكات الأطفال تتصاعد مع دوران “الخيول الخشبية” المزخرفة.
كانت إيلودي تبدو كفراشة صغيرة بفستانها الوردي.
تركض بين الممرات وهي تمسك بيد أريان الذي تخلى عن رصانته الطبية تماماً.
واعتمر قبعة ورقية مضحكة ليجعلها تضحك.
أما إيفانجلين ، فقد بدت لأول مرة منذ زمن بعيد وكأنها تخلصت من ثقل العالم.
كانت تراقب ابنتها بابتسامة حقيقية
وهي تحمل سلة النزهة التي تفوح منها رائحة شطائر الجبن المذابة والكرز الطازج.
“أمي، انظري ! المسافر سيرى هذا بالتأكيد !”
صرخت إيلودي وهي تقفز بحماس.
اشترى لها أريان بالوناً أزرقاً ضخماً، ربطت فيه إيلودي بخيط حريري ورقة صغيرة رسمت عليها شمساً وبيتاً.
أطلقت البالون في السماء الصافية، ووقفت تراقبه وهو يرتفع عالياً فوق أسطح العاصمة.
بينما كان أريان يتبادل مع إيفانجلين نظرة دافئة، وكأنه يقول لها:
“لقد نجحنا في إسعادها”.
في الوقت الذي كانت فيه إيلودي تأكل غزل البنات الوردي.
توقفت السيارة الفخمة أمام منزل إيفانجلين.
نزل أرثر وهيلين ، وكانت قلوبهما تخفق بوجل.
كان الصمت يلف المكان، والزهور في الشرفة تتراقص مع النسيم.
طرق أرثر الباب عدة مرات ، لكن لم يأتِ رد.
“يبدو أنهما خرجا يا هيلين،”
قال أرثر بنبرة يشوبها الإحباط.
نظرت هيلين إلى الحديقة ، رأت أرجوحة إيلودي ، ورأت قميصاً صغيراً معلقاً على حبل الغسيل.
غلبتها الدموع مرة أخرى ؛ فهذه التفاصيل البسيطة كانت تخبرها أن هناك حياة استمرت هنا رغم المأساة.
“لا يمكننا الرحيل هكذا،”
قالت هيلين وهي تمسح عينيها.
“أريدها أن تأتي إلينا.. أريد أن نفتح لها أبواب القصر الساحلي الذي كان كاسيان يحبه.”
أخرج أرثر ورقة من جيبه بختمه الدبلوماسي ، وكتب بخط يده الرصين:
[ إبنتنا الغالية إيفانجلين ، عدنا من غربتنا ولم نجد إلا طيف ابننا في القصر الساحلي. نحن بانتظاركِ أنتِ وصغيرتنا غداً لتناول الغداء معنا. البيت موحش بدونه، ولا شيء سيحييه إلا رؤيتكما. سنكون بانتظاركم.]
وضع الرسالة تحت الباب بعناية، ونظر إلى المنزل نظرة أخيرة قبل أن يغادر.
عند الغروب ، عادت إيفانجلين مع إيلودي وأريان.
كانت الصغيرة متعبة وتغط في نوم عميق على كتف أريان ، ويدها لا تزال متمسكة بخيط بالون آخر.
انحنت إيفانجلين لتلتقط الرسالة من الأرض.
ما إن رأت الخط والختم ، حتى تجمدت الدماء في عروقها.
“أريان.. إنهما هنا،”
همست وهي تفتح الرسالة بيد ترتجف.
قرأت الكلمات ، وشعرت بمزيج من الخوف والراحة.
الخوف من مواجهة والديه اللذين يحبان كاسيان كما تحبه، والراحة لأنها أخيراً لن تكون وحيدة في حزنها.
نظرت إلى أريان وقالت:
“يدعوننا إلى القصر الساحلي.. المكان الذي قضى فيه كاسيان طفولته. كيف سأخبرهم يا أريان ؟ كيف سأخبرهم أن ابنهما حيّ، لكنه يخطط للزواج من امرأة أخرى ؟”
التعليقات لهذا الفصل " 21"