كانت الأصوات تتعالى بضحكاتٍ صفراوية ونبراتٍ تقطر حقداً.
لم تكن تعلم الممرضات أن إيفانجلين كانت تمر من هناك رفقة أريان.
“هل رأيتم كيف تنظر إليه ؟”
قالت إحداهن وهي ترسم غمازات زائفة.
“الطبيبة العظيمة إيفانجلين تلاحق الدكتور كاسيان بنظراتها في كل زاوية. ألا تدرك أنه رجل خاطب للآنسة بياتريس ؟”
ردت أخرى بلهجة ساخرة:
“بالطبع ستفعل ! هي لا تزال تعيش في أوهام قصتها القديمة. لطالما تساءلت ، هل حقاً وقع الحادث ؟ الجميع يقول إنه توفي ، لكننا نراه الآن حياً يرزق بجانب ابنة البروفيسور. ألا يبدو الأمر واضحاً ؟ ربما سئم الدكتور كاسيان من حياته الرتيبة معها فطلقها وغادر، وهي ألفت قصة ‘الموت’ والبطولة لتخفي خجلها !”
تعالت الضحكات داخل الغرفة ، وتابعت ممرضة ثالثة:
“الآنسة بياتريس بجمالها ومكانتها هي الوحيدة التي تليق بجراح عبقري مثله. أما إيفانجلين.. فهي مجرد بقايا من ماضٍ أراد هو نسيانه. إنها رخيصة حقاً بمحاولاتها الفاشلة للفت انتباهه.”
توقف أريان في مكانه كأن صاعقة ضربته.
احتقن وجهه بالغضب ، وبرقت عيناه بشرر لم تعهده إيفانجلين فيه من قبل.
قبض على مقبض الباب بعروقٍ بارزة، وهمَّ باقتحام الغرفة ليضع حداً لهذه السموم.
لكن يداً باردة وثابتة امسكت بمعصمه.
التفت أريان إليها بصدمة:
” إيفا ! هل سمعتِ ما قالوه ؟ هؤلاء الحثالة ينهشون شرفكِ وتاريخكِ! اتركيني ألقنهم درساً لن ينسوه !”
هزت إيفانجلين رأسها ببطء ، وكانت ملامحها هادئة بشكلٍ مرعب ، رغم أن الدموع كادت تفر من عينيها لكنها حبستها بكبرياء:
” لا يا أريان.. لا تنزل لمستواهم. الكلمات لا تغير الحقيقة ، والأسود لا تلتفت لنباح الكلاب خلفها.”
“لكنهم يتهمونكِ بالتأليف ! يتهمونكِ بأن كاسيان تخلى عنكِ !”
صرخ أريان بصوتٍ مكتوم.
ابتسمت إيفانجلين بمرارة:
“دعهم يظنون ما يشاؤون. أنا أعرف من هو كاسيان ، وأعرف ما كان بيننا. اليوم هو الجمعة يا أريان ، غداً هو موعد إيلودي مع ‘الخيول الخشبية’ والبالونات الزرقاء. لن أسمح لثرثرة ممرضات حاقدات أن تعكر صفو الفرحة التي وعدتُ بها ابنتي. إيلودي تستحق أماً سعيدة غداً ، وليس أماً منهكة بمشاجرات تافهة.”
سحب أريان من يده بلطف وابتعدا عن المكان.
مشت بخطوات واثقة ، لكن في أعماقها ، كان كل حرف قيل في تلك الغرفة ينغرس كمسمار في قلبها.
كانت القاعة الكبرى تضج بأصوات الأطباء وهم يقلبون صفحات التقارير الطبية الموزعة عليهم.
وقف البروفيسور هاملتون أمام سبورة خشبية كبيرة.
يشير بعصاه الأبنوسية إلى مخططات مرسومة بدقة للأعصاب الدماغية.
و يشرح بزهو تقنيات “إعادة التأهيل” التي اتبعها في الجنوب.
كاسيان ، الذي كان يجلس في المقدمة ، حاول متابعة شرح البروفيسور، لكن ذهنه كان يشرد مراراً.
شعر بضيق غير مبرر ، وكأن جدران القاعة العالية تضغط على أنفاسه.
أدار رأسه بشكل طفيف، وكأنما يبحث عن هواء نقي ، لتقع عيناه على إيفانجلين في الصفوف الخلفية.
كانت تجلس بجمود ، لم تكن تنظر إلى المخططات ولا إلى البروفيسور.
ملامحها كانت تحمل شحوباً غريباً، وعيناها مثبتتان على الأوراق أمامها دون أن تقرأ حرفاً.
رأى أريان يميل نحوها ، يهمس لها بكلمات خافتة ، بينما هي تكتفي بإيماءة فاترة.
و كأنها تبذل مجهوداً هائلاً لمجرد البقاء في مكانها.
شعر كاسيان بانقباض غامض في صدره.
’لماذا تبدو منطفئة هكذا؟‘
تساءل في سره.
لم يكن هذا شعوراً بالحب ، بل كان إحساساً فطرياً مزعجاً.
كمن يرى جرحاً مفتوحاً ولا يستطيع إغماض عينيه عنه.
كان هناك شيء في انكسار ملامحها يستفز فضوله ويشعره بعدم الراحة
وكأن حزنها يرسل ذبذبات تصل إليه رغماً عنه.
عندما أعلن البروفيسور انتهاء الجلسة الأولى ، نهضت إيفانجلين بسرعة ملحوظة.
وجمعت أوراقها بآلية.
رآها كاسيان تخرج من الباب الجانبي للقاعة برفقة أريان الذي كان يحيطها بحماية صامتة.
دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة.
أشاح كاسيان بنظره ، و شعر بمرارة جافة في حلقه.
“كاسيان ، ما رأيك في الملاحظات التي أضافها والدي ؟”
سألت بياتريس وهي تقترب منه.
نظر إليها كاسيان بعينين تائهتين قليلاً ، ثم أجاب بصوت خافت:
“كانت ملاحظات دقيقة.. لكن القاعة كانت مزدحمة جداً، أحتاج لبعض الهواء.”
التعليقات لهذا الفصل " 20"