2 - غُصَّة ألم
كانت الشمس تميل للغروب ، ترسل خيوطاً نحاسية تداعب ستائر منزل مارثا الدافئ.
في الصالة الواسعة ، كان الضجيج المحبب يملأ الأركان..
ضحكات طفلين توأم ، وصوت ارتطام المكعبات الخشبية بالأرض.
وسط هذا الصخب ، كانت إيلودي تجلس بهدوء ملائكي ، تحتضن دميتها وتراقب “أوليفر” و”ليا” وهما يتسابقان.
بدت كأنها تسكن عالماً خاصاً بها، لوحة صامتة وسط حكاية صاخبة.
انفتح الباب بهدوء ، لتطل إيفانجلين بمعطفها الطبي الأبيض الذي يحمل عبق المستشفيات المختلط برائحة المطر الخفيفة.
لم تكد تضع حقيبتها جانباً حتى أشرقت ملامحها المتعبة فور وقوع عينيها على ابنتها.
“أهلاً بالطبيبة المكافحة !”
استقبلتها مارثا بابتسامة حنونة وهي تمسح يديها بمئزر المطبخ..
ثم تابعت بمرح:
“لقد جئتِ في الوقت المناسب تماماً، كاد التوأم أن يقنعا إيلودي بأن دميتها تحتاج لعملية جراحية عاجلة في بطنها !”
ارتسمت ضحكة رقيقة على شفتي إيفانجلين وهي تزيح خصلة شعر عن وجهها المنهك:
“لا أعرف كيف أشكركِ يا مارثا ، لولا وجودكِ لكانت مناوباتي في المستشفى الملكي كابوساً لا ينتهي.”
دنت مارثا منها ، ووضعت يدها على كتف صديقتها بلمسة مواساة:
“أنتِ تحملين فوق طاقتكِ يا إيفا. جسدكِ يصرخ طلباً للراحة.. ما رأيكِ لو تتناولان العشاء معنا الليلة ؟”
هزت إيفانجلين رأسها بلطف معتذرة:
“كم أتمنى ذلك ، لكنني قطعتُ وعداً لإيلودي بليلة خاصة لنا وحدنا ، أليس كذلك يا أميرة الجبن المذاب ؟”
قفزت إيلودي بخفة ، متشبثة بطرف فستان والدتها وهي تهتف بحماس:
“أجل! والكاكاو الساخن أيضاً يا أمي؟”
ودعت الصغيرة صديقيها بعناق سريع، بينما تبادلت الصديقتان نظرة أخيرة مليئة بالامتنان قبل أن يغلق الباب خلفهما.
في الخارج ، كان هواء المساء يحمل رائحة الياسمين ، وسارت الأم وابنتها في صمت لم يدم طويلاً ..
حيث توقفت إيلودي فجأة عن السير، ورفعت عينيها الواسعتين نحو والدتها لتسأل بنبرة يملؤها رجاء طفولي:
“أمي.. أخبرني أوليفر اليوم بأنه يمكننا رؤية من رحلوا بعيداً في أحلامنا.. يمكننا أن نلتقيهم هناك، أليس هذا صحيحاً ؟”
تسمرت قدما إيفانجلين في مكانهما، وشعرت ببرودة مفاجئة تسري في أطرافها..
لكن الصغيرة لم تمنحها فرصة للرد، بل تابعت بفيض من الشجن:
“هل يمكنني أن أرى أبي في المنام؟ لقد انتظرته طويلاً يا أمي ولم يعد.. أنتِ أخبرتِني ذات يوم بأنه سيعود، لكنه لم يفعل.. هل رحيله كان للأبد؟”
ساد صمت ثقيل ، غصّة مألوفة مرت بحلق إيفانجلين كأنها شفرة حادة.
انحنت لتصبح بمستوى ابنتها، وأمسكت كفيها الصغيرتين بقوة وهي تحاول الحفاظ على ثبات صوتها:
” المسافات أحياناً تكون أطول مما نتخيل يا إيلودي ، لكن القلوب لا ترحل للأبد طالما أننا ننتظرها.”
لم تبدُ إيلودي مقتنعة تماماً، لكنها أومأت برأسها الصغير ومسحت دمعة هربت من طرف عينها وهي تهمس:
“إذن سأنام مبكراً الليلة بعد العشاء.. ربما يجدني في حلمي ويخبرني لماذا تأخر كل هذا الوقت.”
أحكمت إيفانجلين ضمة ابنتها إلى صدرها..
و كأنها تحاول حمايتها من حقيقة أن ذاك الغائب صار مجرد طيف في الذاكرة..
Chapters
Comments
- 2 - غُصَّة ألم منذ 22 ساعة
- 1 - مقدمة منذ 22 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 2"