عادت إيفانجلين مع إيلودي إلى المنزل بعد يوم طويل وشاق.
ما إن دخلتا حتى خلعت إيلودي حذاءها الصغير وركضت نحو الأريكة
بينما كانت إيفانجلين تغلق الباب خلفهما وهي تشعر بثقل العالم فوق كتفيها.
” إيلودي ، حبيبتي..”
نادتها إيفانجلين وهي تضع حقيبتها جانباً.
“لديّ خبر جميل لكِ. لقد تحدثتُ مع أريان اليوم ، وقد رتبنا لرحلة خاصة في عطلة نهاية الأسبوع.”
قفزت إيلودي بحماس:
“حقاً يا أمي ؟ إلى أين ؟”
ابتسمت إيفانجلين وهي تجلس بجانبها:
“سنذهب إلى مدينة الملاهي القديمة.. سنركب الخيول الخشبية التي تحبينها، ونشتري غزل البنات، وسنطلق بالونات زرقاء في السماء.”
لم تسع الفرحة قلب الصغيرة ، فبدأت تدور حول نفسها وهي تهتف:
“بالونات زرقاء ! سأكتب عليها رسالة للمسافر ليراها من بعيد!”
تلاشت ابتسامة إيفانجلين تدريجياً، وأحست بوخزة في صدرها.
ركضت إيلودي نحو الطابق العلوي، وتحديداً نحو غرفة نوم والدتها.
حيث توجد “طاولة الزينة” التي تعتبرها الطفلة محراباً مقدساً.
أمام الصورة القديمة..
لحقت بها إيفانجلين ، فوجدتها تقف أمام صورة موضوعة في إطار فضي عتيق.
كانت صورة تجمع بين إيفانجلين وكاسيان في يوم مشمس.
كان يلف ذراعه حول كتفها ويضحك من قلبه ، وهي تنظر إليه بعينين تلمعان بالحب.
مسحت إيلودي بأصابعها الصغيرة على وجه كاسيان في الصورة ، وقالت بنبرة مليئة بالفضول:
“أمي.. أخبريني مرة أخرى ، كيف كان صوته عندما يضحك ؟ هل كان يضحك بصوت عالٍ مثل الخال أريان، أم بهدوء ؟”
ابتلعت إيفانجلين غصة مريرة، واقتربت لتجلس خلف ابنتها:
“كان يضحك برنة خفيفة تبدأ من أعماق حنجرته يا حبيبتي..”
تابعت إيلودي وهي لا تزال تتأمل ملامحه:
“وهل كان يحب شطائر الجبن المذابة مثلي ؟ وهل كان يمشط شعري لو كان هنا ؟”
كانت كل كلمة تنطقها إيلودي تزيد من تمزق روح إيفانجلين.
قبل أيام ، كان الحزن نابعاً من “الفقد”، من فكرة أنه رحل للأبد.
أما الآن ، فالحزن نابع من “الإهانة”.
بعد أن نامت إيلودي وهي تحتضن دميتها وتتحلم بالبالونات ، وقفت إيفانجلين أمام نفس الصورة.
لم تعد ترى فيها “الفقيد الغالي”.
بل بدأت ترى فيها “الرجل الذي استبدلهما”.
“لماذا يا كاسيان ؟”
همست بمرارة وهي تلمس زجاج الصورة.
“هل كانت تلك المرأة ، بياتريس بجمالها ونفوذ والدها ، كافية لتمسحنا من وجودك ؟ هل كانت الحياة في القصور المذهبة بالجنوب أغلى من ضحكة ابنتك التي لم ترها ؟”
كانت تظن في أعماقها أن نسيانه ليس “عجزاً طبياً” كما يقول أريان
بل هو “قرار”..
ظنت أنه وجد حياة أفضل ، حياة لا تحمل أعباء أرملة.
لم تكن تعلم عن العمليات الجراحية ولا عن تلاعب هاملتون.
كانت ترى فقط جراحاً ناجحاً، خطيباً لامرأة فاتنة.
ينظر إليها ببرود كأنها “خطأ مطبعي” في سجل حياته الجديد.
وضعت الصورة ووجهها لأسفل على الطاولة ، وأطفأت الشمعة.
وهي تشعر ببرودة غريبة تسكن قلبها..
برودة تشبه برود عينيه في ردهات المستشفى.
في تلك الليلة، كان جناح كاسيان في الفندق يغرق في سكونٍ موحش، رغم فخامة الأثاث الذي يحيط به.
كان يجلس في الشرفة ، والبرد القارس يلف جسده ، لكنه لم يشعر به
فقد كان هناك حريقٌ آخر يندلع في رأسه.
كان يمسك بالقصاصة التي أخذها من الأرشيف.
يمرر إبهامه فوق اسم “كاسيان” المطبوع بجانب “إيفانجلين”.
كانت الحروف تبدو له وكأنها قضبان سجنٍ يحاول الخروج منه.
“لماذا يختفي كل أثر لهذا الرجل ؟”
همس لنفسه بمرارة.
بدأ يستعرض أحداث الأيام الماضية كشريط سينمائي مشوش:
كيف يمكن لامرأة أن تملك هذا المزيج من القوة والانكسار ؟
وكيف استطاعت أن تكمل تقنيته الجراحية في غرفة العمليات وكأنها “نصفه الآخر”؟
لماذا بُذل كل هذا الجهد لمحو سجلات طبيب كان يعمل في هذا المستشفى قبل أربع سنوات ؟
هل يُعقل أن يكون مجرد “تشابه أسماء” كما ادعت ؟
“أن تعود من الموت بجسدك ، وتترك قلبك وذاكرتك مدفونين في مكان ما.”
تلك الجملة كانت تنهش روحه كخنجر صدئ.
لم تكن جملة تقال لغريب، بل كانت “اتهاماً” مبطناً.
لأول مرة منذ استيقاظه في الجنوب، بدأ كاسيان يشك في قدسية “البروفيسور هاملتون”.
كان البروفيسور بالنسبة له هو المنقذ ، الأب الروحي الذي أعاد بناء حياته.
التعليقات لهذا الفصل " 18"