توالت الأيام رغدةً هانئة، وكانت أريا ترفرف بجناحي السعادة؛ سعادةٌ حقيقية لم تعرفها إلا في كنف والدها.
بفضل حضوره الطاغي، تلاشت تلك المنغصات اليومية التي كانت تزرعها زوجة أبيها في طريقها.
ولم تعد مضطرة لقطع الدرب الطويل نحو الأكاديمية سيراً على الأقدام
تارةً تحت لهيب الشمس الذي يحرق وجنتيها، وتارةً تحت سياط المطر البارد.
كان والدها يرافقها غدواً وعشياً، وكأن تلك الرحلات القصيرة في السيارة
هي “الدرع” الوحيد الذي يحمي هشاشتها من غدر العالم.
لكنّ السعادة حين تكون مفرطة، غالباً ما تخبئ خلفها وداعاً مراً.
في صباحٍ هادئٍ بشكلٍ مريب، وبينما كانا يتقاسمان وجبة الإفطار.
رفع والدها بصره إليها، وبنبرةٍ هادئة لكنها مثقلة بالاضطرار، قال:
«لديّ عملٌ عاجل في جنوب المملكة… سأضطر للسفر لبضعة أسابيع يا أريا.»
سقطت الملعقة من يدها وارتجفت روحها.
حاولت جاهدةً أن ترسم على ثغرها ابتسامةً باهتة، ابتسامةً تستر بها رعبها كي لا تثقل كاهله بالقلق
لكن قلبها كان يتهاوى كبناءٍ قديم داخل صدرها.
وفي تلك اللحظة، رفعت عينيها لتصطدم بنظرة “أريستا”؛ رأت في عيني زوجة أبيها وميضاً شيطانياً،
بريق فرحةٍ حارقة تستتر خلف قناعٍ زائف من الحزن والوقار.
كانت أريا تفهم تلك النظرة حق الفهم… إنها نظرة “المنتصر” الذي انفتح أمامه باب الانتقام أخيراً.
الآن، ستخلو الساحة لها. تماماً.
ستنفرد بتلك الفتاة وتفعل بها ما تشاء، دون أن يجرؤ أحدٌ على الهمس باعتراض.
فالجميع في القصر اعتادوا قسوتها، وكان الصمت هو الستار الذي يغطي قبح ظلمها.
كان “يوجين” يغرق بين تلال الأوراق في مكتبه، حين أيقظه من شروده طرقٌ خافتٌ على الباب.
«سيدي… هل تأذن لي؟»
«تفضل»،
أجاب يوجين دون أن يزيح نظره عن أوراقه.
تقدم السائق بخطواتٍ متعثرة، وصوتٍ يرتجف خلف نبرة الاحترام:
«سيدي… أرجو أن تمنحني إجازة.»
رفع يوجين حاجبيه باستغراب:
«إجازة؟ في هذا التوقيت؟»
ابتلع الرجل ريقه، والارتباك ينهش ملامحه:
«زوجتي في حالٍ سيئة… وأطفالي صغار يحتاجون لرعايتي.»
لم يكن حديثه كذباً محضاً، لكنه كان “هرباً” بعباءة الصدق.
كانت تهديدات أريستا تلاحقه كالكابوس، وضميره يجلده كلما تذكر كيف ترك الآنسة الشابة تسير وحيدة في الهجير.
كان يغرق في خجله من صمت تلك الفتاة التي لم تشْكُه يوماً رغم خيانته للأمانة.
لقد اختار الرحيل ليحمي نفسه من أوامر زوجة الأب دون أن يخسر لقمة عيشه.
خيم صمتٌ ثقيل، تصبب فيه جبين السائق عرقاً، ثم جاء صوت يوجين الرخيم:
«حسناً… اذهب لترعى عائلتك، ولن تنقطع أجرتك، وإن احتجت عوناً فلا تتردد.»
اغرورقت عينا الرجل بالدموع، وتمتم بشكرٍ مخنوق، وهو يشتم جبنه في سره؛ لقد غمره يوجين بالكرم، بينما هو يترك ابنته لمصيرٍ مجهول.
بعد رحيل السائق و مغادرة المساعد
أسند يوجين رأسه إلى كرسيه، وداهمه طيف زوجته ؛ صراخها المكسور، ودموعها في ليلتهما الأخيرة.
كلما عبرت ذكراها مخيلته، شعر بنصلٍ بارد يغرس في نياط قلبه.
نظر إلى الساعات التي تتسرب كالملح، وقرر في قرارة نفسه:
“سأنهي هذا العمل في لمح البصر، سأعود لأريا قبل أن تبتلعها أنياب الوحدة”.
حانت ساعة الرحيل ، خرج يوجين بوقاره المعتاد مع مساعده مارك
ليقطعه صوت “أريستا” الناعم كالحرير، السام كالأفعى:
«مرحباً عزيزي… أرحلتك الآن؟»
«نعم»
أجاب ببرودٍ يضاهي صقيع الشتاء.
خطا خطواته، ثم توقف فجأة والتفت إليها بنظرةٍ حادة كالخنجر.
«انتبهي لأريا في غيابي… أظن قولي واضحاً؟»
استعرت نيران الحقد في صدر أريستا
كيف يجرؤ على مخاطبتها بصيغة الآمر؟
وكأنها مجرد حارسة لابنته الممقوتة!
لكنها رسمت ضحكةً رقيقة مزيفة وقالت:
«أوه يا يوجين… أريا ابنتي التي لم أنجبها، لا يحمل قلبك هماً، عد إلينا سالماً.»
ركب سيارته ولم يلتفت خلفه.
فكر في وداع أريا، لكنه خشي أن يرى انكسار عينيها فينهار صموده، فآثر الرحيل صمتاً.
وما إن تلاشت أضواء السيارة في الأفق
حتى انحسر قناع “أريستا”، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خالية من أي نبضٍ إنساني.
همست لنفسها بنشوةٍ مرعبة
«إذن غيّرت السائق يا يوجين… يا لمحاسن الصدف! لنرَ الآن كيف ستصمدين أمام القادم يا “عزيزتي” أريا…»
ثم أطلقت ضحكةً مكتومة، باردة، كانت بمثابة إعلان الحرب على طفلة لا ذنب لها..
التعليقات لهذا الفصل " 7"