كان الممر المؤدي إلى مكتب المدير يمتد بصمتٍ مهيب
كأنه عتبة فاصلة بين ضجيج الطلاب وهيبة السلطة.
سارت “أريا” ورفيقتيها بخطواتٍ وئيدة، يكتمْن أنفاسهنّ خشية أن يخدش صوتهنّ سكون المكان
فقد كانت الشائعات عن المدير الجديد تسبق خطاه، رجلٌ بمزاجٍ عاصف يقدس الهدوء ويذود عنه بصرامة.
وعند مفترق الممر، انشقّ الصمت عن قامةٍ فارعة تسير نحوهنّ بجلالٍ طاغٍ.
تجمّد الهواء في عروقهنّ، وتبادلن نظراتٍ مشحونة بالدهشة
مَن هذا الذي يرتدي الأناقة كدرع، ويحمل على كتفيه هالةً من الثقة الممزوجة ببرودٍ قطبي؟
شهقت “روميا” خفيةً، فامتدت يد “لورا” لتردع الصوت في مهده
لكن الأوان كان قد فات.
التفت الرجل فجأة، وصوّب نحوهنّ نظرةً حادة كأنها نصلٌ يخترق الحجب
فارتجفت أوصالهنّ وتسمّرت أقدامهنّ وكأنّ الزمن قد أعلن توقفه عند تلك اللحظة.
استجمعت “روميا” شتات شجاعتها وبإيماءةٍ مرتجفة نبعت من أقصى توترها
همست بصوتٍ يحاول جاداً أن يبدو ثابتاً:
«مرحبًا سيدي المدير.. نعتذر بشدة عن الإزعاج».
تأملهنّ بروية، بعينين لا تفصحان عن شيء، ثم أتاهن صوته بوقارٍ جليدي:
«مرحبًا.. لا بأس».
ما إن استدار ليكمل طريقه حتى سحبن أنفاسهنّ كغريقٍ نجا للتو
لكنّه توقف بغتة، ليعيد النبض إلى وتيرته المتسارعة.
سأل بصوتٍ منخفضٍ عميق:
«هل أنتِ رئيسة مجلس الطلبة؟».
ردت “روميا” بارتباكٍ جلي.
«آه.. لا، لا سيدي المدير، أنا فقط أعمل في المكتبة».
أجاب بكلمة واحدة مقتضبة:
«حسنًا»
ثم مضى.
كانت الصدمة تكمن في وجهته؛ لقد كان يقصد المكتبة!
ذلك الركن الذي لم تطأه قدم المدير السابق قط.
بدا هذا الشاب كصيادٍ يتفقد كل زاوية في مملكته.
لا يكتفي بالتقارير، بل يريد أن يبصر الحقيقة بعينيه.
حين دخل، خيّم صمتٌ مفاجئ على الطلاب، فارتسمت على وجوههم ملامح الارتباك.
أشار إليهم بيده في حركةٍ هادئة أن يظلوا في أماكنهم.
وكأنه يمنحهم الأمان بإيماءةٍ من كبريائه.
كانت “أريا” تراقبه بذهول، غارقةً في تفاصيل وسامته الباردة وأناقته التي لا تشوبها شائبة.
حتى أيقظتها “لورا” بلمسةٍ من مرفقها.
«أريا! مابكِ؟ هيّا، لنعد إلى العمل».
تمتمت بحرج:
«أوه، نعم.. نعم».
انغمست “أريا” في متاهة الرفوف، تغرق بين الورق والحبر، حتى غزا التعب رقبتها.
وفجأة، اخترق صوت “ماريوس” هدوء عزلتها وهو يلهث:
«أريا! أين كنتم؟ الوقت يداهمنا والمسألة تنتظرنا!».
اعتذرت “أريا” بابتسامةٍ باهتة، وبدأت المجموعة تحتشد حول طاولةٍ منزوية في ركنٍ قصي.
هناك، اندلعت حربٌ صامتة مع الأرقام والمعادلات. تأففت “لورا” بيأس، وتسرب الإحباط إلى الوجوه.
لكن “أريا” لم تستسلم. كانت تغوص في ذاكرتها، تبحث عن خيطٍ يربط بين ما تعلمته وبين هذا اللغز المعقد.
وفجأة، انبثق الضياء في عينيها
وصرخت بهمسٍ مبهج: «وجدتها!».
بصوتٍ هادئ كأنها تنسج حريراً، بدأت تشرح لهم الطريق إلى الحل، فتبددت الغيوم عن وجوههم، وانفجرت السعادة في صدورهم حين استسلمت المسألة لذكائها.
«أنتِ مدهشة يا أريا!»..
كانت كلماتهم كالبلسم الذي يداوي تعب يومها.
ومع خيوط الغروب التي بدأت تودع جدران الأكاديمية، تفرق الأصدقاء.
غادرت “أريا” نحو البوابة حيث كان والدها ينتظرها في السيارة الفاخرة.
«مرحبًا يا أبي».
«أهلاً يا صغيرتي، كيف كان يومكِ؟».
تنهدت بعمق، وقد استرجعت صورة ذلك المدير الغامض في مخيلتها.
«جيدٌ يا أبي.. لكنه كان طويلاً ومرهقاً بحق».
ابتسم والدها بحنان
«ما رأيكِ بعشاءٍ هادئ في مطعمنا المفضل؟ ربما يغسل هذا الإرهاق».
داعبها والدها بابتسامة حانية
فانسابت ضحكاتها كطفلة غرير
بينما خفق قلبها بنشوةٍ لا يحدُّها مدى.
استحضرت في تلك اللحظة صورة «أريستا» وهي تقابل برفضٍ قاطع
فاستحال قبول والدها اليوم في مخيلتها انتصاراً ثميناً يُدفئ روحها
فبرغم بساطة الموقف، إلا أنه منحها شعوراً طاغياً بالظفر، وكأنها استعادت أخيراً مكانتها المفقودة.
التعليقات لهذا الفصل " 6"