خلف أعمدة المكتبة العتيقة، حيث تختلط رائحة الورق القديم بوشوشات الطلاب.
كانت لورا تقف مشدوهة، وقد اتسعت عيناها بذهولٍ جعلها تنسى حتى الكتب التي كانت تحملها.
همست أريا بالسر الذي ظلّ يغلي في صدرها، وأخبرتها بكل شيء؛ عن الخطبة، وزيارة آل “ليونارد” الرسمية للقصر.
وعن ذاك الميثاق الذي وُلد من رحم المواجع.
قفزت لورا من مكانها بفرحةٍ عارمة كادت أن تفضح أمرهما في القاعة الساكنة:
“ماذا ؟! خطبة ؟! والمدير لوكاس بنفسه ؟!”
ثم صمتت قليلاً، وبدأت تسترجع شريط الأحداث بعقلها اللامع..
” الآن فقط استوعبتُ كل شيء! اهتمامه الذي لم يكن له مبرر، وقوفه في وجه الجميع لأجلكِ، ونظراته التي كانت تخترق الحشود لتبحث عن أمانكِ.. يا إلهي، لقد كان حباً ينمو تحت أنوفنا جميعاً بينما كنتِ أنتِ تداوين جراحكِ !”
ابتسمت أريا بمرارةٍ عذبة، فقد أدركت أن لوكاس كان الضوء الذي انبثق من عتمة أيامها الصعبة.
بينما كانت أريا تغادر المكتبة متجهةً إلى قاعتها، شعرت بوقع خطواتٍ مألوفة خلفها
خطواتٍ واثقة ، رصينة ، ولها إيقاعٌ يعرفه قلبها جيداً.
لم تكن بحاجة للالتفات؛ فعطره الفاخر كان يسبق صاحبه دائماً.
كان لوكاس يسير خلفها بمسافة قصيرة، يراقب تمايل خصلاتها بابتسامةٍ هادئة لا تليق بوقار مدير الأكاديمية الصارم.
التفتت إليه أريا، وحاولت أن تبدو جادة رغم الصخب الذي أحدثه حضوره في كيانها، وهمست له بصوتٍ خفيض:
” سيدي ، أرجوك.. توقف عن ملاحقتي في الأروقة بهذا الشكل. لو رآنا أحد الأساتذة أو الطلاب، ستسقط هيبتك التي بنيتها بسنوات في ثوانٍ معدودة !”
توقف لوكاس، ووضع يديه في جيوب معطفه الطويل بوقارٍ مبالغ فيه.
ثم اقترب منها خطوة وماد برأسه قليلاً ليخاطبها بنبرةٍ تملؤها المشاكسة:
” أوه.. إذاً أنتِ بدأتِ تقلقين على هيبة ‘زوجكِ المستقبلي’ ؟ حسناً ، إذا كنتِ حريصةً على وقاري إلى هذه الدرجة، فتوقفي عن تجنبي كأنني غريب، واتبعيني إلى المكتب الآن…”
أدركت أريا أن الجدال معه وهو في هذه الحالة من “العناد المحب” لا جدوى منه..
فاتبعته إلى مكتبه العظيم المصنوع من خشب الساج.
وبمجرد أن أُغلق الباب، تلاشت الغيمة الرسمية التي كانت تحكم علاقتهما.
لم يعد لوكاس ذلك المدير المهاب الذي يرتعد منه الجميع، ولم تعد أريا تلك الطالبة التي تخشى لوم القانون.
جلست أريا على الأريكة الجلدية الوثيرة، وبدأت تتحدث معه بعفويةٍ لم تعهدها من قبل.
فقد بدأت تشعر بالراحة في حضرته وكأنها وجدت مأواها أخيراً.
قالت وهي تتفحص كومة الأوراق على مكتبه بمشاكسة:
“لورا تظن أنك كنت تستغل منصبك لتتقرب مني.. هل يجب أن أؤكد لها أن مديرنا العظيم ليس بالنزاهة التي يدعيها حين يتعلق الأمر بقلبه ؟”
ضحك لوكاس بعمق، وهو يسكب لهما القهوة الدافئة:
“أخبريها أن المدير كان مجرد جنديٍّ بسيط في جيش حبكِ، يحاول حماية ملكته بكل ما أوتي من صلاحيات.”
بدأت أريا تمازحه هي الأخرى، وتنتقد صرامته الزائدة مع الطلاب.
و شعرت لأول مرة بأنها لم تعد تخشى هذا الرجل، بل باتت تأنس بوجوده.
فالحب الذي وُلد من “المواجع” صار اليوم هو الدواء الذي يمنحها القدرة على الضحك من جديد.
“في ذلك المكتب، سقطت الألقابُ عند عتبة الباب.
و بقي شابان يكتشفان أن خلف برودة القوانين، هناك نبضاً لا يُهزم..
وبينما كان لوكاس يدير الأكاديمية بقبضةٍ من حديد..
كانت أريا تدير، وبكل رقة، نبضات قلبه الذي استسلم لها أخيراً.
انتهت المحاضراتُ الطويلة، لكنَّ “جدول” لوكاس لم ينتهِ بعد.
ألحَّ عليها برقةٍ لا تخلو من إصرار المدير أن ترافقه في سيارته لتناول العشاء.
نظرت أريا إلى زيّها الأكاديمي بتردد وقالت:
” انظر لما أرتديه.. لا يمكنني دخول مطعم فاخر بزي الأكاديمية!”
لكنَّ لوكاس، الذي اعتاد أن تُنفذ قراراته، اكتفى بابتسامة واثقة وقال:
“جمالكِ يطغى على أي زيّ، ولن يجرؤ أحد على النظر لغير عينيكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 39"