عادت الحياةُ لتنبض في عروق “أكاديمية العاصمة” العريقة.
ومعها استيقظ صخبُ الضحكات ورنينُ الخطوات فوق أدراجها الرخامية الباردة.
لم تكن مجرد عودةٍ لمقاعد الدراسة، بل كانت انبعاثاً لروح المكان من سباتها الشتوي الطويل.
حيث اختلطت رائحةُ الحبر والورق الجديد بعبق المطر الدافئ، وشذا القهوة المنبعث من ردهات الإدارة والأساتذة.
استفاقت الأكاديمية على مشهدٍ مهيب؛ وفودُ الطلاب تتدفق من كل حدبٍ وصوب.
معاطفهم الثقيلة تفتخر ببقايا ثلوج العطلة، ووجوههم تحملُ حكاياتٍ لا تنتهي.
كانت الساحة الكبرى تضجّ بالعناق والتحايا الحارة، وكأنَّ حرارة اللقاء كانت الكفيلة الوحيدة بكسر صقيع الغياب.
في زاوية الرواق الرئيسي، وقفت أريا ومعها لورا وروميا وماريوس.
قالت لورا وهي تعدل حقيبتها بحماسها المعهود:
“أخيراً ! ظننتُ أن الشتاء سيحتجز أرواحنا للأبد. ألا تشعرون أن جدران الأكاديمية كانت تفتقد صخبنا بقدر ما اشتقنا لهيبتها؟”
أجاب ماريوس وهو يراقب اصطفاف الطلاب بتهكمٍ محب:
“ربما تفتقدنا الجدران يا لورا، لكنني موقنٌ أن الأساتذة يجهزون لنا الآن جبالاً من الأبحاث كفيلة بأن تجعلنا ننسى طعم العطلة في دقائق !”
بينما كان الطلاب يهرعون نحو قاعاتهم.
ساد صمتٌ مفاجئ شقَّ عفوية الزحام في الردهة المؤدية لمكتب المدير.
انفتح الباب العظيم المصنوع من خشب الساج، وخرج منه لوكاس ليونارد.
مرتدياً معطفه الطويل فوق بدلته الرسمية التي نُحتت على مقاس صرامته.
كانت خطواته الرزينة فوق الرخام تعزفُ لحن السلطة، وعيناه الحادتان كصقرٍ يتفحص الانضباط في أدق تفاصيله.
حين مرت أريا وصحبها، تعثرت الكلمات في حنجرتها، وتوقف الحديثُ فجأة…
شعرت بقلبها يقرعُ طبولاً جامحة خلف ضلوعها.
لم تكن تنظر إليه في تلك اللحظة بصفته “الرجل الذي طلب ودّها”
بل تجسد أمامها كمدير الأكاديمية المهاب، الذي يرتعدُ التاريخُ تحت وطأة قراراته.
استقرت عينا لوكاس على أريا لثوانٍ بدت كأنها دهر..
كانت نظرةً ظاهرة “حزمُ مديرٍ” يطمئن على رعيته، وباطنُها “لهفةُ محبٍ” يطمئن على جوهرته الثمينة .
أومأ برأسه إيماءةً خفيفة كادت لا تُبصر، قبل أن يكمل طريقه نحو قاعة الاجتماعات.
مخلفاً وراءه شذا عطره الذي امتزج برائحة الوقار التي تملأ المكان.
في ظل إدارة لوكاس، كانت الأكاديمية تدور كتروس ساعةٍ سويسرية.
الأساتذة في قاعاتهم يفيضون وقاراً، والطلاب يدركون أن التهاون في حضرة “المدير الشاب” هو انتحارٌ أكاديمي.
همست لورا في أذن أريا بعد أن توارى طيف لوكاس:
“أقسمُ أنني في كل مرةٍ ألمحه فيها، أشعر بذنوبٍ لم أرتكبها ! كيف لرجلٍ في مقتبل العمر أن يختصر كل هذه الهيبة في بضع خطوات ؟”
ابتسمت أريا بمرارةٍ عذبة وخفية؛ فهي الوحيدة التي تدرك سرَّ هذا “المدير” الصارم.
و تعلم أنه هو نفسه من وقف بالأمس أمام والدها بقلبٍ يرتجفُ وجلاً، يرجو القبول.
كانت تدون ملاحظاتها في القاعة، لكنَّ حبرها كان يكتبُ خيالاً؛ فذهبت بعيداً نحو ذلك المكتب الفاخر.
حيث يجلس المدير ليدير مصائر المئات، بينما يديرُ نبضات قلبه هو.. حبُّ طالبةٍ واحدة.
هكذا بدأت الدراسة؛ قبضةٌ حديدية يفرضها المدير لوكاس..
و فوضى مشاعر عارمة تواريها أريا خلف دفاترها.
وبين صرامة المكتب وهيبة المنصة، حكايةٌ لم تُدوّن بعد في سجلات الأكاديمية.
بل نُقشت في الوجدان..
التعليقات لهذا الفصل " 36"