استفاق الحي الأرستقراطي على صباحٍ لندنيّ باذخ الجمال..
حيث انسلّت خيوط الشمس الذهبية كأناملٍ رقيقة تشق رداء الضباب الكثيف.
لتمسح بضوئها وقار الواجهات الحجرية العتيقة لقصور المدينة.
في باحة قصر “بايلي”، لم يكن المشهد معتاداً؛ فقد ترجل السائق بطلبٍ من يوجين.
الذي اختار أن يتولى القيادة بنفسه، وكأنه يقبض أخيراً على زمام حياته التي استعادها.
كان يوجين يبتسم بزهوٍ لم يعهده من قبل..
وهو يرمق مرآة السيارة ليرى صوفيا بجانبه، وسيمون وأريا في المقعد الخلفي.
لم تكن مجرد رحلة بالسيارة، بل كانت “رحلة عودة” للحياة التي سُرقت منه لسنوات خلف جدران الغربة والقهر.
بينما كانت السيارة تنساب بهدوء في الشوارع العريضة المحفوفة بالأشجار العارية.
اقتربت من أسوار قصر ليونارد المهيبة.
ساد صمتٌ مفاجئ في المقعد الخلفي
فقد التصقت أريا بالنافذة، وعيناها الرماديتان تبحثان بلهفة بين القضبان الحديدية المزخرفة وحدائق القصر الشاسعة عن “طيفٍ” بعينه.
خفق قلبها بقوة، وتمنت لو تلمح ولو لثانية ذلك القوام الفارع أو النظرة الجادة التي سكنت خيالها منذ فترة طويلة.
لكن القصر بدا صامتاً، غارقاً في وقاره البارد.
تنهدت أريا بخفة، وأسندت رأسها إلى المقعد وهي تهمس لنفسها:
“ربما هو مشغولٌ بأمورٍ لا تتسع لخيالاتي الصغيرة.”
عند وصولهم، كان الجد إدوارد يقف عند الشرفة العالية، متكئاً على عصاه المرصعة بالأبنوس كطودٍ عظيم هزته الأشواق.
وحين رأى ابنه يخرج من مقعد القيادة وخلفه زوجته وأحفاده، لم تسعفه قدماه، فنزل الدرج بخطواتٍ أسرع مما يسمح به وقاره الثمانيني.
ارتمت أريا في حضن جدها الذي استقبلها بدموعٍ لم يحاول إخفاءها، وهو يتمتم بصوت متهدج:
“يا زهرة ‘بايلي’ النضرة.. كيف حالكِ يا صغيرتي؟”
ثم التفت إلى سيمون، ووضع يده المرتجفة على كتفه العريض بفخر:
“سيمون.. يا فخر الجد. أرى في عينيك شموخ أسلافنا الذي لا ينحني.”
كان اللقاء عميقاً، حيث جلس الجميع في ردهة القصر حول مدفأة كبيرة، يتبادلون أحاديث لم تكن عن السياسة أو المال.
بل عن ذكرياتٍ رُممت بروح الحب الجديد.
كان القصر القديم يفوح برائحة خشب الصندل والكتب العتيقة، لكنه اليوم تنفس عبق “الياسمين” الذي تحمله صوفيا.
جلس الجد إدوارد في مقعده المخملي الكبير، وعيناه لا تغادران وجوه أحفاده.
وكأنه يخشى أن يكونوا مجرد طيف من أحلام اليقظة.
التفتت صوفيا نحو الجد، وبصوتٍ يملؤه الاحترام الممزوج بعاطفة الكنة الوفية، قالت:
“عمي إدوارد.. كيف حال صحتك ؟ هل أنت بخير؟”
تنهد الجد بعمق، وارتجفت يده وهو يمسك يدها:
“يا ابنتي، الغياب كان خريفاً طويلاً تساقطت فيه سنواتي.. لكنني اليوم، بلمّ شملكم، أزهرتُ من جديد.”
وأشار بعصاه نحو سيمون وأريا:
“لقد أعدتِ لي إرثاً لا يُقدر بثمن. سيمون يحمل ملامح والده في شبابه، وأريا.. أريا هي النسخة الأبهى منكِ.”
ضحكت أريا بخفة وهي تداعب خصلات شعره الفضية:
“جدي، لقد أخبرني أبي أنك كنت أمهر فارس في شبابك، هل ستعلمني كيف أروض الخيول في مزرعتك الصيفية؟”
ابتسم الجد باتساع، وتلاقت عيناه مع عيني يوجين الذي كان يراقب المشهد بصمتٍ ممتن، وقال:
“سأعلمكما بالتأكيد يا حفيديّ، فأنتما من آل ‘بايلي’، ويجب أن تجري هذه الهواية في دمائكما.”
انتقل الحديث إلى سيمون، الذي كان يجلس بوقارٍ هادئ. سأله الجد بنبرة فخر:
“سيمون، هل اعتادت عيناك على صخب العاصمة يا صغيري؟”
رد سيمون بصوتٍ فيه مسحة من الحماس الطفولي:
“يا جدي، العاصمة شاسعة جداً وقد أبهرتني حقاً، ووعدني والدي بأن نتجول في خباياها.”
هز الجد رأسه بفيضٍ من الحنان، وشعور الجد الذي وجد ضالته المنشودة..
ثم نظر ليوجين قائلاً:
“معك حق.. يوجين، خذهم في جولة؛ فحتى إن غطت الثلوج أرصفة العاصمة ، ستكون للأطفال رحلة دافئة بوجودكم .”
ارتشف يوجين شايه بهدوء، ونظر إلى عائلته تحت سقف واحد و قال :
“بالتأكيد يا أبي .”
على بعد أميال قليلة، وفي جناح لوكاس الخاص بقصر “ليونارد”..
لم يكن الهدوء هو سيد الموقف.
كان لوكاس يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، وهو الذي لم يرتجف قلبه يوماً في أصعب الصفقات.
توقف أمام المرآة، يعدل ياقة قميصه بتوتر غير معهود، ويفكر في “أريا”..
وفي تلك الخطوة التي ستقرر مصير قلبه..
طلب يدها من يوجين بايلي.
همس لنفسه بصوتٍ فيه مسحة من القلق:
“ماذا لو رآني يوجين مجرد شابٍ من عائلة منافسة ؟ ماذا لو رفض أن يعطيني جوهرته التي استعادها للتو؟”
لأول مرة، شعر لوكاس أن نفوذه وماله لا قيمة لهما أمام “نعم” أو “لا” من يوجين بايلي.
لكن، وبروح “ليونارد” المقاتلة، حسم أمره.
لن أنتظر أكثر، غداً في تمام العاشرة، سأكون في مكتبه..
إما أن أخرج و بيدي مفتاح قلبها، أو أواجه عاصفة ‘ بايلي’ التي لا ترحم.
التعليقات لهذا الفصل " 33"