Chapters
Comments
- 5 - إرث منخور منذ 8 ساعات
- 4 - تحت المجهر منذ 16 ساعة
- 3 - ملاذٌ خلف الأسوار منذ 16 ساعة
- 2 - خلف قضبان الذهب منذ يوم واحد
- 1 - شهقة عالقة منذ يوم واحد
عرض المزيد
في تلك الليلة، استسلمت أريا لسباتٍ عميق لم تذق طعمه منذ فترة
وكأنّ حضور والدها في أروقة القصر كان الترياق الوحيد لقلقها المزمن.
شعرت بالأمان يلتفّ حولها كدثارٍ دافئ، فغرقت في لُجّة نومٍ هادئ لم يقطعه سوى بزوغ الفجر.
أيقظتها طرقاتٌ رقيقة، كأنها أنامل الصباح تداعب خشب الباب.
فتحت عينيها المثقلتين، وفركتهما بظهر يدها بعفوية طفولية.
تجاهد لمغادرة سديم الأحلام الجميلة. همست بصوتٍ مخملي، يقطر نعاساً
«تفضلي…»
انفتح الباب لتطلّ السيدة “مونيكا” بوجهها الذي يشبه الصباح في إشراقه.
«صباح الخير يا صغيرتي.. كيف حالك اليوم؟
«بخير.. أنا بخير جداً يا سيدة مونيكا».
«أرى ذلك في عينيكِ.. هل غلبكِ النوم أخيراً؟»
تنهدت أريا بابتسامة وادعة
«نعم.. لقد نمتُ بعمقٍ لم أعرفه منذ فترة طويلة».
«هذا يثلج صدري. هيا يا حبيبتي، الوقت يداهمنا، والسيد “يوجين” في انتظاركِ على مائدة الإفطار».
لمعت عينا أريا؛ فقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة كادت تنسى ملامحها.
منذ متى لم يجمعها بوالدها صباحٌ منفرد؟
أنهت استعدادها سريعاً وهبطت الدرج وقلبها يسبق خطواها.
في قاعة الطعام، كان والدها يجلس بهيبته المعتادة على رأس تلك الطاولة الطويلة التي لطالما بدت لها موحشة.
وما إن أبصرها، حتى انقشع وقار وجهه عن ابتسامة حانية، ابتسامةٍ هي “إرثها الخاص” الذي لا يشاركه فيه أحد.
ركضت نحوه، وارتمت في حضنه بعناقٍ محموم.
«صباح الخير يا أبي..»
«صباح الخير يا أميرتي .. هل استرددتِ عافية نومكِ؟»
«أكثر مما تتخيل.. نعم يا أبي».
جلست أريا، وبينما كانت تومئ برأسها مبتسمة، جالت عيناها في أرجاء القاعة بحذر.
كان غياب “أريستا” زوجة أبيها يمنح المكان هواءً صالحاً للتنفس.
كانت تلك الصباحات المنفردة مع والدها كنوزاً نادرة
لكنّ تساؤلاً مرّ ببالها كالبرق: ما الذي غيّب أريستا؟
هي التي لا تفوت فرصةً للاستعراض، تتزيّن بابتسامات زائفة وتتودد ليوجين كطاووسٍ يبحث عن المديح.
لم يدم هذا السكون طويلاً؛ إذ اخترق الصمت صوتُ وقع كعبٍ عالٍ على الرخام البارد
كأنه نذير شؤم. تنهدت أريا بضيق، وانحنت على طبقها بتركيزٍ مبالغ فيه، محاولةً حجب حضور القادمة.
اجتاحت المكان رائحة عطر أريستا النفاذة؛ عطرٌ ثقيل يخنُق الأنفاس ويثير في رأس أريا دواراً قديماً.
«آه.. صباح الخير يا عزيزي!»
قالتها بنبرة غارقة في الدلال المصطنع.
أجابها يوجين ببرودٍ يضاهي صقيع الشتاء، دون أن يرفع بصره عن طبقه
«صباح الخير».
لم تنكسر ثقة أريستا؛ بل التفتت نحو أريا، وعلّقت على وجهها قناعاً من اللطف البلاستيكي
«هل نمتِ جيداً يا عزيزتي؟»
ابتلعت أريا غصتها، وأجابت بصوتٍ حاولت جاهدةً أن تجعله صلباً:
«نعم، شكراً لسؤالكِ.. يا أمي».
تبادلتا نظرةً كانت أشبه بقرع السيوف
في عيني أريستا بريق غضبٍ دفين
وفي عيني أريا خليطٌ من الارتباك الممزوج بتمردٍ وليد.
لم يلمح يوجين، الغارق في وقاره، شيئاً من تلك الحرب الباردة.
«حقاً يا يوجين.. هل ستعود مبكراً اليوم؟»
سألت أريستا بلهجةٍ غرضها الاستحواذ.
«ولماذا؟»
ردّ باختصارٍ قاتل.
«فكرتُ.. لِمَ لا نذهب لعشاءٍ فاخرٍ الليلة؟»
«أعمالي لا تنتهي. سأتأخر».
ابتلعت أريستا إهانتها خلف ضحكةٍ مصطنعة
«كما تحب يا عزيزي.. نؤجلها لمرةٍ أخرى».
كادت الضحكة أن تفلت من شفتي أريا؛ فقد كان رفض والدها بمثابة طعنةٍ دقيقة في كبرياء تلك المرأة المتغطرسة
وهذا وحده كان كافياً ليكون يومها مشرقاً.
أنهى يوجين طعامه، ثم التفت لابنته بملامح لانت تماماً
«هيا يا صغيرتي، لا أريدكِ أن تتأخري عن دروسكِ».
«حاضرة يا أبي.. لنذهب».
غادرا القاعة سوياً، تاركين خلفهما أريستا تشتعل بنيران حقدها
وعيناها تلاحقان ظهر أريا بنظراتٍ كأنها نِصالٌ مسمومة.
أمام مبنى الأكاديمية، وقبل أن تغادر أريا السيارة، قال والدها بنبرةٍ آمرة لكنها محبة
«أريا.. سآتي لأصطحبكِ لاحقاً. وإن غلبني العمل، سأرسل لكِ السائق».
«لا داعي يا أبي.. لقد اعتدتُ أن—»
قاطعها بحدةٍ مفاجئة:
«اعتدتِ على ماذا؟ ألم تكوني تعودين بالسيارة دائماً؟»
سرت قشعريرة باردة في جسد أريا.
تمنت لو تصرخ بالحقيقة، لو تخبره كيف كانت تُنفى من السيارة وتُجبر على قطع المسافات سيراً على الأقدام تحت وطأة تهديدات أريستا
وكيف استقرّت بصمات تلك المرأة يوماً على خدها في صفعةٍ لا يزال وجعها يسكن روحها.
لكنّ الخوف المتأصل في أعماقها لجم لسانها، فارتجفت غريزياً.
انتبه يوجين لرجفتها، فعقد حاجبيه بقلق
«أريا.. هل هناك سرٌّ تخفينه عني؟»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"