وقف “بين” على رصيف المحطة، والأسئلة تنهش روحه كما تنهش الريح أطراف المعاطف البالية.
منذ تلك المكالمة الليلية المقتضبة عبر “التلغراف”، وصوت “يوجين” يتردد في أعماقه بنبرة غريبة؛ نبرة لم يعهدها فيه من قبل.
كانت محملة بوقار وحدّة ، ما جعله يبتلع استفساراته ويندفع لتجهيز كل شيء كما أُمر.
بعد أربع عشرة ساعة من زفير القطار البخاري المتواصل، وقبل أن تشرق شمس السادسة بنصف ساعة، أعلن صرير العجلات الحديدية وصول الرحلة.
كانت المحطة شبه خالية، يلفها ضباب صباحي كثيف .
ومن قلب ذلك الضباب، انبثق “يوجين”.
بدا كما هو، بوقاره المعهود وهيئته التي توحي بالثبات الصخري، لكن الصدمة لم تكن في ظهوره، بل في تلك المرأة التي ترجلت خلفه مباشرة.
تسمّر “بين” في مكانه، وهمس باسمها كأنه يستحضر طيفاً منسيّاً من تحت الرماد:
“صوفيا؟!”.
ماذا تفعل هنا مع يوجين ؟
وقبل أن يلملم شتات عقله، خرج الصبي. في تلك اللحظة، توقف الزمن.
كان الصغير نسخة طبق الأصل من “يوجين”؛ نفس النظرة الثاقبة، نفس الكبرياء في الوقفة، وكأن “بين” ينظر في مرآة تعود به سنوات للوراء..
قطع “يوجين” حبل أفكاره بصوته الرخيم الذي يحمل وقار الأيام:
“مرحباً بين، شكراً لك على كل شيء”.
استجمع “بين” أنفاسه بصعوبة:
“مرحباً يوجين.. لا شكر على واجب يا صديقي، المهم أنكم بخير”.
اقتربت صوفيا بابتسامتها الرقيقة التي لم يمحهُا الزمن:
“مرحباً سيد بين، كيف حالك؟”.
أجابها وعيناه تائهتان بينها وبين الصبي..
“.. مرحبا سيدة صوفيا، لقد مرّ وقت طويل “.
لكن ما أوقف “بين” حقاً هي تلك الهيبة الفطرية التي انبعثت من الصبي “سيمون”، حين قال بصرامة تسبق سنوات عمره:
“مرحباً سيدي، أنا سيمون بايلي”.
ضحك “بين” في سرّه؛ فالشبه لم يكن في الملامح فحسب، بل في تلك الروح التي تسكن الجسد الصغير.
“مرحباً سيمون، لا داعي للرسميات، فأنا ووالدك رفيقا درب، نادني بالسيد (بين) فقط”.
أومأ الصغير برأسه بوقار
ثم التفت يوجين مشيراً بضرورة التحرك.
انطلق “بين” بسيارته يشق شوارع العاصمة التي بدأت تستيقظ ببطء تحت ضوء الفجر.
كان “سيمون” ملتصقاً بالنافذة، تلتهم عيناه تفاصيل المدينة التي لا تنام؛ هنا البنايات تعانق السماء ، والشوارع مرصوفة بحجر أملس يلمع تحت الندى.
شعر سيمون برهبة غريبة؛ صخب العاصمة حتى في سكونها كان مرعباً.
ضغط على يد والدته بقوة حين اقتربت السيارة من “الحي الراقي”، وكأنه يبحث عن الأمان في لمستها.
توقفت السيارة أمام قصر مصغر يحيط به سور حديدي مزخرف و حديقة منسقة بدقة متناهية.
ترجل “بين” ليفتح الباب قائلاً:
“اخترت لكم هذا المكان، فهو الأكثر هدوءاً وأماناً في المدينة”.
خطا “سيمون” داخل الردهة، فاستقبله سقف شاهق تتدلى منه ثريا كريستالية تعكس الضوء في ألف اتجاه.
لم يرَ في حياته أرضية رخامية تعكس صورته كأنها بحيرة متجمدة.
تساءل في سره وهو يراقب صمت والده المهيب:
” من هو والدي حقاً ليمتلك هذا النفوذ المرعب بمجرد كلمة واحدة منه “
غادر “بين” تاركاً “يوجين” يواجه ماضيه وحاضره.
لم يكن دخول “يوجين” للقصر مجرد عودة، بل كان أشبه بإعصار صامت يسبق الكارثة.
ما إن وطأت قدماه البهو، حتى تجمد الهواء.
سقطت الأدوات من أيدي الخدم، وتلعثم رئيس الخدم “ألبرت” وهو يحاول لملمة شتات نفسه أمام “السيد” الذي عاد فجأة، وبملامح قاسية كأنها نُحتت من غرانيت.
بصوتٍ أجش وهدوءٍ مرعب، ألقى كلماته التي وقعت كالمقصلة:
“الجميع… إلى المكتب. الآن.”
داخل المكتب، كان الجو خانقاً.
وقف الخدم في صفوف منتظمة، رؤوسهم مطأطئة كأنهم ينتظرون حكماً بالإعدام.
جلس “يوجين” خلف مكتبه الضخم، لم يخلع قفازاته، وظل يحدق فيهم بنظرة اخترقت جدران صمتهم.
فجأة، ضرب المكتب بيده، فانتفضت الأجساد والقلوب معاً. صرخ بصوت هز أركان المكتب :
“كيف تجرأتم ؟ كيف صمتت ألسنتكم عن الوجع الذي كان ينهش ابنتي (أريا) في غيابي ؟ “
ارتجف “ألبرت”، وحاول النطق، لكن “يوجين” قاطعه ببرود قاتل:
“انتهى الأمر. جميعكم مطرودون. لن تتقاضوا قرشاً واحداً، فثمن صمتكم هو خيانتكم. غادروا القصر فوراً”.
تعالت التوسلات، لكنه أشار للحراس بيده دون أن ينظر إليهم، فجروهم خارجاً كأنهم حطام.
دخل مساعده الوفي “مارك” بهدوئه المعهود، وضع تقريراً أمام “يوجين” وقال:
“سيدي، هناك من خدم بوفاء ولكنهم سُحقوا تحت نفوذ (أريستا) في غيابك. لا تحرق الأخضر بسعر اليابس”.
زفر “يوجين” بضيق، ثم قال:
“اخترهم بعناية يا مارك. لا أريد خائناً واحداً يتنفس في هواء أريا”.
مرت ساعتان، و”يوجين” يراقب عقارب الساعة كأنها نصل يذبح صبره.
حين وصلت “أريستا”، وجدت القصر في حالة من الذهول.
سألت “ألبرت” وهي تراه يغادر منكسراً:
“ماذا يحدث هنا؟!”.
أجابها بصوت مرتجف:
“لقد عاد السيد.. وهو ليس كما غادر”.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.
حين دخلت المكتب، وجدته جالساً في سكون مخيف، تحيط به هالة من الغضب المرعب.
حاولت رسم ابتسامة باهتة:
“يوجين! لم أعلم بقدومك، كنت سأعد لك…”
لم يمهلها…
رمقها بنظرة جعلت الكلمات تتجمد في حنجرتها.
سألها بصوت منخفض وخطير:
“كم ليلة نامت فيها ابنتي جائعة؟ كم مرة رفعتِ يدكِ الغادرة عليها؟ وكيف تجرأتِ على تركها تصارع المرض وحيدة بينما كنتِ ترقصين على أوجاعنا؟”
حاولت الإنكار، وصرخت بمظلومية زائفة، لكن “يوجين” نهض بلمح البصر، كان أمامها كالجبل، ودوى صوت صفعة قوية أخرست صراخها وأسقطتها أرضاً.
“تكلمي! لماذا فعلتِ ذلك؟”
.
انهارت “أريستا”، وتحول خوفها إلى حقدٍ أسود، صرخت وهي تبكي:
“لأنني أكرهها! لأنها تذكرني دائماً بـ تلك المرأة اللعينة، أحببتك لسنوات، لكنك لم تنظر إلي يوماً !”
أمسك “يوجين” فكها بقبضة حديدية، وهس بكلمات باردة كالجليد :
“إذا ذكرتها على لسانك القذر مرة أخرى، سأنتزعه من جذوره. هي طُهرٌ لا يمسه أمثالك”.
رماها بعيداً عنه كأنها شيء مقزز، وعدل هندامه ببرود جليدي:
“أوراق الطلاق في طريقها إليكِ. غادري الآن لا مكان لكِ هنا بعد الأن”
جُرّت “أريستا” خارج الأسوار وهي تصرخ وتتخبط، لتُلقى في عراء المدينة.
ليبدأ فجرٌ جديد تحت سقف القصر.
التعليقات لهذا الفصل " 27"