2 - خلف قضبان الذهب
عادت “أريا” إلى القصر، وفي الأفق كانت الشمس تغيب تلقي خلفها ذيول الشفق التي ألقت بظلالٍ كئيبة على الجدران العتيقة.
وقفت عند العتبة الكبرى، تتأمل ذلك الشموخ الصخري والجمال البارد
حتى الحديقة التي يتعهدها البستاني بعناية فائقة، بدت لها كلوحةٍ ميتة.
كل شيء هناك ينضح بالأناقة القاتلة، لكنه بالنسبة لروحها لم يكن سوى “قفص ذهبي” يطبق قضبانه على أنفاسها يوماً بعد يوم.
تنهدت بعمقٍ كأنما تستجمع شتات نفسها، ثم خطت خطواتها المثقلة بالهواجس نحو الداخل.
استقبلتها الوجوه المألوفة، لكن نظراتهم كانت سهاماً من الانزعاج أو جفاء اللامبالاة.
لم تبالِ أريا؛ فالولاء في هذا القصر قد انشطر منذ زمن
حزبٌ يقتفي أثر “زوجة الأب” طمعاً، ونصفٌ آخر – هو الأقل حظاً – ظلَّ وفياً لأمها، سيدة القصر السابقة .
كانت “مونيكا”، المربية العطوف، هي النبض المتبقي من ذلك الماضي
ترعاها بحنانٍ لا ينضب، وإن كان هذا الحنان يُقمع أحياناً بأوامر “السيدة”، فتكتفي المربية بالنظر إليها من بعيد بألمٍ صامت وعجزٍ مرير.
شرعت أريا في صعود الدرج الرخامي، لكنها تسمرت في مكانها حين لاحت زوجة أبيها في الممر
شامخة كتمثالٍ من جليد يرتدي ثوباً باذخاً.
منذ نعومة أظفارها، كان جسد أريا يرتجف أمام تلك السطوة.
نظرت إليها المرأة بعينين تقطران ترفعاً واحتقاراً دفيناً.
“مرحباً يا أريا.”
همست أريا بصوتٍ مهتز:
“مرحباً… أمي.”
انطلقت من ثغر المرأة ضحكة حادة، كشرخٍ في زجاج، وقالت بقسوة:
“أمي؟”
صححت أريا انكسارها بسرعة:
“عذراً… سيدتي.”
غادرت السيدة بخطوات واثقة يتردد صداها في الممر
لكنها توقفت بغتة، والتفتت بصوتٍ بارد كالريح الشتوية
“والدكِ سيعود الليلة. انزلي إلى العشاء في الموعد، ولا أريد لعينيه أن تلمحا شيئاً يثير ريبته… هل فهمتِ؟”
عضت أريا شفتها بقوة حتى استطعمت ملوحة الدم في فمها
وهمست بوهن
“حاضر.”
اندفعت إلى غرفتها وارتمت على السرير، وانفجرت في بكاءٍ مرّ حتى جفت مآقيها.
استلقت هناك في صمتٍ ثقيل، تشعر بقلبها ينزف قطرة قطرة، قبل أن يقطع سكونها طرقٌ خفيض على الباب.
“آنستي… أيمكنني الدخول؟”
بصوتٍ متهدج أجابت
“تفضلي.”
دخلت مونيكا، وفزعت حين رأت حالتها
“صغيرتي! ما بكِ؟ ولماذا ما زلتِ بزي الأكاديمية؟”
“شعرت ببعض الوهج… فغفوت. أنا بخير، صدقيني.”
حدقت مونيكا في عينيها طويلاً بنظرة الأم التي لا تُخطئ
“أريا.. لا تواري حزنكِ عني، فصمتكِ يمزقني.”
استسلمت أريا لصدق المربية وقالت
“التقيتُ بها في الممر.. أخبرتني بعودة أبي، وبأننا سنجتمع على مائدة واحدة.”
“ليس هذا ما يضنيكِ، فعودة السيد كانت دائماً عيدكِ الصغير.”
ضغطت مونيكا على يدها برفق، فتابعت أريا بغصة
“أمرتني ألا أشكوه.. أن أبتلع وجعي أمامه.”
ابتسمت مونيكا بحنانٍ يرمم الروح
“حسناً.. دعي الشكوى لوقتٍ آخر. اليوم، اغتنمي الدفء في وجود والدكِ فقط.”
نهضت أريا بابتسامة باهتة تشبه ضوء شمعة تحتضر
“شكراً لكِ، سيدة مونيكا.”
بعد حين، كانت أريا تقف في الطابق الأرضي وسط حشود الخدم المصطفين.
ما إن توقفت السيارة حتى انسلخت من وقارها
وركضت كطفلةٍ أضاعت طريقها، لترتمي في حضن والدها وهي تنشج بصمت.
“أريا.. يا حبيبة أبيكِ، كيف حالكِ؟”
“أبي.. لقد طال غيابك، اشتقت إليك كثيراً .”
احتضنها “يوجين” بحنوٍّ، يمسح على ظهرها بلمساتٍ أعادتها إلى طفولتها البعيدة، وقبّل جبينها بحنان الأب.
لم تفارقه حتى اقتربت “زوجة الأب” بخطواتٍ مرسومة وابتسامة مصطنعة، تخفي خلفها بركاناً من الغيظ.
“مرحباً يا عزيزي ، كيف حالك ؟ أنار القصر بقدومك.”
رفع يوجين رأسه، ولم تكن نظرته إليها سوى نصلٍ بارد
“مرحباً. أنا بخير.”
كان الرد جافاً كالأرض البوار، لم يسألها عن حالها
مما أشعل في صدرها نيران الحقد.
حاولت ترميم كبريائها أمام الخدم وقالت:
“حسناً.. العشاء بانتظارنا.”
أمسك يوجين بيد ابنته، ودخلا والقاعة تضيق بضحكاتهما
بينما كانت الزوجة تراقبهما من الخلف
تعتصر يدها حتى غرزت أظافرها في كفها
وهي تهمس لنفسها بفحيح مكتوم:
“كل هذا بسبب تلك الحشرة الصغيرة.. سأستأصل وجودكِ قريباً. انتظر يا يوجين.. سترى أي جحيمٍ أعددتُه لكما.”
Chapters
Comments
- 2 - خلف قضبان الذهب منذ 3 ساعات
- 1 - شهقة عالقة منذ 5 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"