استيقظت “آريا” على وقع خيوط الشمس التي تسللت عبر ستائرها
لم تكن تلك الخيوط دافئة كما اعتادت، بل بدت وكأنها تعرّي شحوب وجهها الذي أرهقته الهموم.
مسحت عينيها بثقلٍ، ونهضت بجسدٍ يئنُّ تحت وطأة الإرهاق
حين غادرت غرفتها، استقبلها ضجيجٌ مريب يغزو أروقة القصر
الخدم يهرولون بذعرٍ مكتوم، يلمعون الثريات
ويفرشون السجاد الفاخر بنشاطٍ يشي بحدثٍ جلل.
مرت “آريا” بينهم كطيفٍ لا يراه أحد، تجاهلت نظراتهم
ومضت نحو الأكاديمية وقلبها يخفق بإيقاعٍ مضطرب
لم يكن يوماً كباقي الأيام، فقد صار المدير “لوكاس” يظهر في كل زاوية تطؤها قدماها
كظِلٍّ لا يغيب. كان حضوره المهيب يزيد من ارتباكها، ويجعل الكلمات تتجمد في حنجرتها.
وفي تلك اللحظة التي كانت تحاول فيها التواري في الممرات
جاء النداء الذي خشيت منه:
“آنسة بايلي، المدير يطلبكِ في مكتبه”.
دخلت المكتب المهيب، حيث كان “لوكاس” يجلس خلف طاولة من الأبنوس الأسود
يحيط به وقارٌ يقطع الأنفاس.
غاصت في أفكارها..
هل سيسألني عن ذاك اليوم خلف المكتبة؟
انتشلها من دوامة ظنونها صوته الرخيم، الهادئ بحدّة:
“اجلسي”.
انصاعت له بجسدٍ مرتجف
فرغم نبرته المنخفضة، كانت تحمل في طياتها سلطةً آمرة لا تترك مجالاً للرفض.
قطع الصمت بسؤالٍ باغت روحها:
“أخبريني يا آنسة بايلي، ما الذي يثير ذعركِ كلما وقعت عيناكِ عليّ؟”
تعجبت “آريا” من سؤاله!!
كيف لرجلٍ بذكائه ألا يدرك أثر هيبته على القلوب الرقيقة؟
ساد صمتٌ ثقيل، قبل أن يضيف بابتسامةٍ عابرة، حملت مسحة من المرح لم تعهدها فيه:
“هل أبدو كشخصٍ مخيف حقاً؟”
سحرتها تلك الابتسامة التي نادراً ما يجود بها “الرجل الجليدي”، وبلا وعيٍ منها، همست بصدقٍ خانه الحذر:
“لا.. لست كذلك”.
ما إن أدركت ما تفوهت به، وهي تحدق في تقاسيم وجهه الجذابة، حتى اشتعلت وجنتاها خجلاً
بينما كان هو يراقب ارتباكها باستمتاعٍ خفي.
صمت قليلاً، ثم أخرج من درج مكتبه رسالةً متهالكة، كأن السنين قد نالت من أطرافها، وقرّبها إليها بأنامل طويلة واثقة.
ارتجفت يد “آريا”؛ إنها الرسالة اللعينة من ذاك الوغد! تلاقت أعينهما في نظرةٍ اخترقت حصونها
لتهتف بصوتٍ مخنوق:
“هذا.. هذا مجرد سوء فهم، أقسم لك!”
لم ينطق “لوكاس” بكلمة، بل ظل يراقب انكسارها بصمتٍ أثقل كاهلها، حتى غلبتها الدموع.
حين رأى بريق دمعها، اهتزّ شيءٌ في أعماقه، وذكره ذلك اليوم حين كان هو سبب حزنها.
تنهد بعمق، وأخرج من جيب سترته منديلاً أبيض ناصعاً، ومده إليها
“خذي.. امسحي دموعكِ. لم أستدعِكِ لأحاسبكِ على تلك الورقة، بل لأعتذر”.
تجمدت “آريا” في مكانها.
أيعتذر المدير لوكاس؟
“أنا آسف إذا كنت قد جعلتكِ غير مرتاحة ذاك اليوم، وآسف على قسوة طردي لكِ”.
لم يكن مجرد اعتذار، بل كان اعترافاً إنسانياً جعل قلبها يخفق بعنف
“هل أنتِ غاضبة مني لدرجة تمنعكِ من قبول عذري؟”
مازحها بابتسامةٍ جانبية زادته جمالاً وغموضاً
أجابته بصدقٍ متعب:
“لم أكن غاضبة، لكن الخوف هو من لجم لساني، فابتلعت الحقيقة ونطقت بما لا أعنيه”.
وعندما أصرّ على معرفة الحقيقة، أخفت عنه اسم “إيدريك”، خوفاً من تفاقم المشاكل العائلية، وادعت جهلها بصاحب الرسالة.
ورغم توبيخه لها على ذهابها لذاك المكان وحدها، إلا أنها شعرت بحرارته كخوفِ أبٍ على ابنته، فشكرته بامتنانٍ وانصرفت وقلبها مثقلٌ بمشاعر لم تألفها من قبل.
عادت “آريا” مع انكسار الضوء و غروب الشمس، لتجد القصر غارقاً في ضجيج الضحكات المتكلفة.
كانت زوجة أبيها “آريستا” تتربع على رأس المائدة كملكةٍ غاشمة.
ما إن دخلت “آريا”، حتى ساد صمتٌ مفاجئ، ثم انطلقت الهمسات السامة كالأفاعي:
” أهذه ابنة يوجين ؟”
” تبدو تماماً كأدوار أمها الساذجة”.
لم تحتمل “آريا” تدنيس ذكرى والدتها، فانتفضت بكرامةٍ جرحت كبرياءهم:
“أمي كانت أفضل منكن جميعاً، وأطهر من هذه الضحكات الزائفة!”
لم تكد تنهي جملتها حتى هوت صفعة “آريستا” القوية على وجهها، صفعةٌ دوى صداها في أرجاء القاعة وأحرقت وجنتها.
لم تكتفِ “آريستا” بواحدة، بل أتبعتها بأخرى حتى سقطت “آريا” أرضاً
بينما كانت الضيفات يغطين أفواههن بتظاهرٍ بالصدمة، والشماتة تلمع في أعينهن.
“يا لكِ من وقحة! هذا عقابكِ”
صرخت آريستا، ثم أمرت الخدم بحدة:
“ستغسل هذه الفتاة كل أواني القصر بمفردها الليلة، ومن تجرؤ على مساعدتها ستنال عقاباً أشد!”
حاولت المربية “مونيكا” التدخل، لكن “آريا” ضغطت على يدها، مدركةً أن المواجهة الآن انتحار.
قضت “آريا” ليلتها في المطبخ البارد، سيدة القصر التي تحولت إلى خادمةٍ منكسرة
تغسل جبال الأواني بيدين ترتجفان من الصقيع، وعينين تلمحان خيالات كتبها واختبار الغد.
“بين دفء اعتذارٍ لم تكن تنتظره، وصفعةٍ أعادتها إلى واقعها المرير..
أدركت آريا أن طريقها نحو النور مفروشٌ بالجليد.”
التعليقات لهذا الفصل " 17"