حين انفتح الباب، لم تفتح “سارا” عينيها، بل أطبقت جفونها بقوة وكأنها تحاول الاختباء خلف ظلامها الخاص من رعب يطاردها
حتى اخترق مسامعها صوت “إيما” القلق:
“سارا! ما خطبكِ؟ هل أنتِ بخير؟”.
كان جسد سارا يرتجف كغصن في مهب ريح عاتية
حاولت استجماع شتات نفسها حين رأت نظرات إيما المتفحصة، وابتلعت غصة في حلقها وهي تجيب بصوت متهدج:
“نعم.. أنا.. أنا بخير”.
لكن إيما لم تقتنع، اقتربت ووضعت كفها على جبين صديقتها
“ولكنكِ تنتفضين! هل أصابتكِ الحمى؟”.
لم تكن هناك حرارة في جسدها، لكن البرودة كانت تسكن روحها.
تنهدت سارا بوهن:
“مجرد إرهاق يا إيما، ضريبة العمل المتواصل لا أكثر”.
استكانت سارا قليلاً، لكن الفضول الممزوج بالخوف دفعها للسؤال:
“إيما.. هل جاء ضيفٌ للقصر اليوم؟”.
أجابت إيما وهي تهز كتفيها بلا مبالاة:
“نعم، في الصباح الباكر استقبلت السيدة امرأة غريبة.. لم تبدُ من النبلاء، ولم يسبق لي رؤيتها قط طوال سنوات عملنا هنا”.
تجمدت الدماء في عروق سارا. لقد كان حدسها صادقاً إذاً.
تذكرت ذلك الصوت الخافت الذي سمعته، كان همساً يشبه فحيح الأفاعي، حتى ظنت للحظة أنها تتوهم.
لكن صوت “أريستا” كان جلياً؛ لهجة صارمة تقطر حقداً، كلمات مسمومة جعلت فرائص سارا ترتعد.
فكرت: “هل أخبر أحداً بما سمعت؟”.
ثم سرعان ما تراجعت، فصورة أريستا الغاضبة كانت كفيلة بإخراسها للأبد.
ربما تقتلني في زاوية مظلمة لا يعلمها أحد
همست لنفسها وهي تقرر دفن هذا السر في أعماق قلبها.
قطع حبل أفكارها صوت رئيسة الخادمات الحاد وهي توبخ الجميع بصرامة.
انتفضت الفتاتان، وهمست إيما وهي تسرع لعملها:
“غداً ستكون هناك مأدبة كبرى.. السيدة استدعت شقيقتها اليز وصديقاتها..”.
انقبض قلب سارا.
و اكملت إيما حديثها بتذمر..
“غداً ستمتلئ القاعة بالوجوه المنافقة حتى ذلك الغراب المتعجرف الذي داس على انستنا الشابة سيأتي “.
أومأت سارا بمرارة:
“نعم.. إنهم يثيرون الغثيان”.
فجأة، دوت ضربة قوية على باب غرفة الغسيل، وصاح صوت رئيسة الخادمات كالسوط:
“كيف تقفن هكذا والغسيل يتراكم كالجبال؟!”.
تملكهما الرعب، وانحنيتا فوق أحواض الماء، تغسلان الملابس بدموع مكتومة وخوف لا ينتهي.
وعلى الجانب الآخر من المملكة، في منزل متواضع
قطع صوت “سيمون” سكون أمه التي كانت تغزل الثياب ببراعة وخفة.
نظرت إليه بابتسامة حانية، تلك الابتسامة التي تخفي خلفها جبالاً من الأسى:
“ما الأمر يا صغيري ؟”.
جلس سيمون بجوارها، وفي عينيه لمعة إصرار:
“أمي، لقد كبرت.. لم أعد طفلاً. أرجوكِ، دعيني أتحمل عنكِ الثقل، أريد أن أعمل”.
شعرت الأم بوخزة في قلبها؛ فكلما نظرت إلى ابنها، رأت فيه ذلك الطيف الذي لم يغادر مخيلتها.
قالت بصوت يملؤه الحنان الممزوج بالرفض:
“سيمون، دراستك هي مستقبلك، دع العمل لأوانه”.
أمسك يدها، ونظر إليها بعينيه الزمرديتين.. تلك العيون التي سحرتها يوماً في رجل أحبته بصدق.
تنهدت وهي تستسلم لبريقهما:
“سأفكر في الأمر”.
غادر سيمون الغرفة يقفز فرحاً كأنه نال كنزاً، بينما غرقت هي في بحر من الذكريات المظلمة.
“لو كان والده يعلم..”،
فكرت بمرارة..
لو يعلم أن له ابناً، هل كان سيمون سيعيش هذا الحرمان؟
أم كان سيتقلب في رغد القصور ويدرس في أعرق الأكاديميات؟
انحدرت دمعة حارقة على خدها وهي تتذكر تلك الرسائل المجهولة التي دمرت حياتها.
عشرون رسالة، تفوح منها رائحة عطر نسائي نفاذ، وتحمل كلمات حنين لذكريات لم تعرفها سوى هي وزوجها.
في ذلك الوقت، أعمى الغضب بصيرتها، ولم تستمع لتوسلاته ولا لقسمه بالبراءة.
رحلت وهي مكسورة، وتركت خلفها ابنتها “أريا”.
“أريا.. يا صغيرتي.. كيف أصبح حالكِ الآن؟”.
تذكرت كيف قسا عليها والدها، وكيف باعها لرجل يكبرها بعشرين عاماً ليقايض ألمها بالمال.
تذكرت ليلة زفافها الثانية، حيث كانت القصور باذخة لكن روحها كانت مظلمة.
وحين علمت بحملها من زوجها الأول، واجهت بطش زوجها الثاني الذي أمرها بإجهاض “النور” الذي في أحشائها
طُلقت..
وعملت في المصانع حتى أنهكها التعب، لولا يد حانية من امرأة مسنة آوتها حتى وضعت سيمون.
سيمون.. الذي يحمل شعر والده الأشقر وعينيه، كان هو عزاءها الوحيد.
والآن، اختارت أن تعيش في أقصى الجنوب، بعيدة عن صخب العاصمة.
وعن والدها الذي خذلها، وعن ماضيها الذي يطاردها..
محتضنة سرها وابنها، بانتظار قدر لا تعلم ما يخفيه لها.
التعليقات لهذا الفصل " 16"