توالت الأيام متسارعة، ومع اقتراب شبح الاختبارات، غرقت أريا في محيط من الصفحات والكتب.
لم تكن مجرد طالبة مجدة، بل كانت روحاً هائمة في أروقة المكتبة الأكاديمية
تساعد الزملاء أحياناً، وتفقد نفسها بين الرفوف أحياناً أخرى.
لكن ذلك اليوم كان مختلفاً؛ فقد كُلفت بمهمة “استعادة الهاربين”، أولئك الطلاب الذين استعاروا الكتب وتناسوا إعادتها.
خرجت أريا بقائمتها الطويلة، تجوب الممرات كمن يبحث عن كنز مفقود
نجحت في استرداد بعضها، بينما واجهت وعوداً واهية من الآخرين.
وفي طريق عودتها، كانت تحمل بين ذراعيها عشرة مجلدات ثقيلة، تكاد تحجب رؤيتها، وفجأة.. تجمدت الدماء في عروقها.
أمامها مباشرة، وقف المدير لوكاس.
في لحظة ارتباك عاصفة، خانتها قواها فتهاوت الكتب من يدها لترتطم بالأرض مُحدثة دوياً مرعباً اخترق سكون الممر.
جثت على ركبتيها بذعر، تجمع الشتات بأصابع مرتعشة، وشعرت بظل ثقيل يلقي بظلاله فوقها
كان هو؛ يقف بهيبته الطاغية كجبل من الجليد.
همست بتلعثم يقطعه الخوف:
“مـ.. مرحباً سيدي المدير.. اعتذر بشدة.. على هذه الضجة”.
راقب لوكاس ارتجاف كتفيها، وتلك اليدين اللتين عجزتا عن السيطرة على ورقة واحدة.
استعاد في ذهنه صوراً خاطفة لها؛ في منزل جدها، وفي الحديقة.. كانت دائماً تبدو كعصفور مبلل تحت المطر في حضوره
وهذا تحديداً ما كان يثير في صدره ضيقاً مبهماً.
وبحركة غير متوقعة، جثا أمامها. اقترب وجهه من وجهها لدرجة شعرت معها بأنفاسه الهادئة، مما زاد من وتيرة نبضها المحتقن.
قال بصوت رخيم يحمل نبرة آمرة:
“لماذا تضطربين هكذا ؟ إن استمررتِ بهذا الذعر، فستسقطين أنتِ والكتب معاً”.
اتسعت عيناها الرماديتان بذهول، غارقة في عينيه الباردة.
للحظة، ارتبك لوكاس من بريق نظرتها
لكن قناعه الرصين سرعان ما عاد ليغلف ملامحه.
شعرت أريا بحرارة تجتاح وجنتيها، فقالت بمحاولة يائسة لاستعادة كرامتها:
“لا داعي لتعبك سيدي.. سأجمعها بنفسي”.
رفع حاجبه بتهكم بارد:
“هل أنتِ واثقة أن هذا الجسد الضئيل سيحتمل ثقلها؟”.
اشتعلت بداخلها شرارة غضب طفولي.
هل يسخر مني؟
هل يراني طفلة في الثالثة؟!
بينما كان هو يراقب تقلبات وجهها بابتسامة خفية
فقد بدت له في تلك اللحظة كقطة غاضبة، رقيقة الملامح لدرجة تجعل من الصعب صدق أنها بلغت الثامنة عشرة.
خفق قلبها بعنف حين لمحـت تلك الابتسامة النادرة.
وبلا مقدمات، حسم لوكاس الأمر؛ جمع الكتب بحركة واثقة ومضى بها نحو المكتبة
تاركاً إياها تهرول خلفه باحتجاجات مكتومة تجاهلها تماماً.
دلف المدير إلى المكتبة وخلفه أريا بوجه محتقن من الخجل.
كانت نظرات الطلاب كالسهام، تساؤلات صامتة تضج في المكان
لماذا يحمل المدير الكتب بدلا منها ؟
وضع الكتب على الطاولة الكبيرة ببرود، وبدلاً من المغادرة، جلس ووضع ساقاً فوق أخرى، يراقب الجميع بعين صقر لا تغفل.
كان حضوره ثقيلاً، يبعث على التوتر.
لم يعد ذلك المدير الذي يمر مرور الكرام، بل صار مراقباً صامتاً.
تسللت الشكوك إلى عقل أريا..
هل يراقبني؟
هل هذا بسبب ذلك اليوم في الحديقة الخلفية ؟
قاطع حبل أفكارها صوت لورا الهامس:
“أريا، ساعديني في نقل هذه الكتب للرفوف الخلفية”.
تعلقت أريا بهذا الطلب كطوق نجاة، وغادرت مسرعة لتختفي في متاهات الممرات الشاسعة.
عندما توارت عن أنظاره، نهض لوكاس متفقداً ساعته؛ فلديه اجتماع ينتظره.
لكن خطاه تعثرت بصوت “مصطنع الرقة”، يقطر دلالاً لم يزد لوكاس إلا اشمئزازاً.
“سيدي المدير.. يسعدني جداً رؤيتك هنا”.
التفت ليجد كيارا؛ تلك الطالبة المغرورة التي تظن أن سلطة والدها تمنحها حق امتلاك الأكاديمية.
رفع حاجبه بسخرية لاذعة:
“ولماذا السعادة؟ هل هذه زيارتي الأولى لممتلكاتي؟”.
تجمدت كيارا في مكانها. كانت الكلمات كصفعة جليدية أمام الطلاب الذين اعتادت التعالي عليهم
كل ادعاءاتها بأنها “مقربة من المدير” تلاشت في لحظة أمام بروده القاتل.
بينما كانت الحياة تضج في الأكاديمية، كان الصمت في قصر عائلة “يوجين” يخفي خلفه عاصفة.
كانت الخادمة سارا تمسح غبار الممرات في الطابق العلوي، حيث الأثاث الفاخر واللوحات الصامتة.
توقفت فجأة عند باب مكتب السيد يوجين؛ ذلك الباب الذي لا يُفتح إلا في حضوره.
لكنه الآن كان موارباً! اقتربت بحذر، يدفعها فضول قاتل.
وضعت أذنها على الشق الصغير، لتصعق بصوت أريستا.
لم يكن هناك ضيوف، فمع من تتحدث؟
كانت الكلمات التي تناهت لمسامعها كفيلة بإيقاف قلبها.
سارا، التي خدمت السيدة السابقة “صوفيا” لسنوات، كانت تعرف مدى الحب الذي جمع السيد بزوجته، وكان لغز طلاقهما غصة في قلب الجميع.
لكن ما سمعته الآن غيّر كل شيء. لم يكن لغزاً.. كان “مؤامرة ” لم تستوعبها.
تراجعت سارا بذعر قبل أن تلمحها أريستا، تلك المرأة التي ترى الخدم ذباباً لا قيمة له.
ركضت نحو غرفة الغسيل، وانهارت هناك، تمسح عرقاً بارداً يتصبب من جبينها.
كان صوت أريستا يتردد في أذنيها كفحيح الأفاعي، مشبعاً بالسم
وبينما كانت تحاول استجماع شتات نفسها، تيبست أطرافها..
لقد سمعت وقع خطوات تقترب ببطء من باب غرفة الغسيل.
التعليقات لهذا الفصل " 15"