4
حدَّق فِيَّ الصغيرُ بذهولٍ لبرهة، ثم لم يلبث أن تقطَّب وجهه فجأة، فارتفع حاجباه الكثيفان بغيظٍ واشتعلت النظرات في عينيه.
“أتظنين أن الفطورَ مَهِمٌّ الآن؟”
“أجل، إنه مَهِمٌّ جدًّا. يجب أن تتناول فطورك دون إهمال، فهذا سبيلك لتغدوَ فارع الطولِ متمتعًا بصحةٍ وافرة.”
ما إن أتيتُ على ذكر الطول حتى جفل الصغيرُ بارتباك.
“من تقصدين بكلمةِ صغير؟! وأنتِ نفسُكِ لستِ سوى قزمةٍ ضئيلة.”
“لم أقُل إنكَ قصير، أما أنا فصحيحٌ أنني ضئيلةُ الحجمِ قليلًا، وكلُّ ذلك لأنني لم أكن أتناولُ طعامي جيدًا في صغري.”
كانت هذه هي الحيلة التي اعتدتُ اللجوءَ إليها لإقناع أطفال القريةِ بتناول وجباتهم؛ فبمجردِ إخبارهم أن الطعام سرُّ الطولِ والقامة، كانوا يهرعون إليه ويلتهمونه بنهم.
“… إذًا، أَحضِريه بسرعة.”
كما توقعتُ تمامًا.
“حاضر، سأجهزه لكَ في الحال.”
أزحتُ الكراسيَ المتراكمةَ خلف الباب، وفككتُ الرتاج. يبدو أنه أغلقه بإحكامٍ شديدٍ ليمنعني من الدخول.
وبينما كنتُ أنقل الأطباقَ من العربة وأضعها فوق الطاولة، ظل الصغيرُ يرمقني بنظراتٍ حادة ووجهٍ عابس. أتممتُ تنسيقَ المائدةِ وأنا أشعر بوطأةِ تلك النظرات التي تخترقني.
“تفضل بالهناء، يا سيدي الصغير.”
لكن وبدلًا من أن تنطق شفتاه المزمومتان بكلمة شكر، اندفع منه سؤالٌ غريبٌ وغير متوقع:
“اصدُقيني القول، أنتِ مغتالةٌ، أليس كذلك؟”
ما باله يصرُّ على اتهامي بأنني مغتالة منذ الأمس؟ يبدو أنه قد أفرط مؤخرًا في قراءةِ رواياتِ الجريمةِ والقتلة.
أجبته بهدوءٍ تام:
“سيدي الصغير، أنا لستُ مغتالة، بل خادمة.”
“لا تكذبي! أيُّ خادمةٍ هذه التي تقتحمُ الغرفَ من النوافذ؟”
“فعلتُ ذلك لأنك رفضتَ فتح الباب، وكان لزامًا عليك أن تأكل.”
“… ولماذا أنتِ مهووسةٌ بالطعام هكذا؟ هل دسستِ لي السمَّ فيه؟”
“ولماذا قد أفعل شيئًا شنيعًا كهذا!”
لم تكن إجابتي هي ما يصبو إليه، فلوى وجهه بملامحٍ عابثةٍ وقال:
“لن آكل.”
عقد ذراعيه بإحكامٍ فوق صدره، وبدا من إصراره أنه لن يلمس الطعام أبدًا.
وإذ وصلت الأمورُ إلى هذا الحد…
غرفتُ ملعقةً كبيرةً من الحساء وتناولتها.
“ماذا تفعلين…!”
استغللتُ اللحظة التي انفتح فيها فمه بالدهشة، ودسستُ الملعقةَ المحملةَ بالحساء داخل ثغره بسرعةٍ خاطفة. اتسعت عيناه الخضراوان بذهولٍ من هولِ الموقف المفاجئ.
ابتلع الحساء، ثم استشاط غضبًا وهو يصيح:
“يا للقذارة! ما هذا الفعل؟ كيف تضعين في فمي ملعقةً دخلت فمكِ!”
“ها أنتَ ترى، هل أصابني مكروه؟ أنا بخير، ولم أضع سُمًّا.”
“ماذا؟ هه….”
“فعلتُ ذلك لأثبت لكَ صدقي بما أنك لا تثق بي. وإن أردتَ، سأتذوق كل الأصناف أمامك. ماذا نجرّب الآن؟ البيض المقلي؟ أم السجق؟”
ما إن هممتُ برفع الشوكة حتى خطفها من يدي بحدة.
“كفى، ابتعدي من هنا.”
“هل ستتمكن من الأكل بمفردك؟”
“سؤالٌ أحمق! هل أبدو لكِ طفلًا عاجزًا لا يستطيع إطعام نفسه؟”
“أجل.”
يا للهول، يبدو أن كثرة إجاباتي التلقائية جعلت ما يدور في ذهني ينزلق من لساني دون تفكير.
“…… ماذا؟”
لكنني لم أخطئ، فمن كان في العاشرةِ لا يزالُ طفلًا محضًا.
كنت أظنُّ أن أبناءَ النبلاءِ يختلفون، لكنه في النهاية ليس سوى طفلٍ في العاشرة.
في البداية كنتُ متوترة، أما الآن فقد بدأتُ أشعرُ تجاهه كأنه أحد إخوتي الصغار اللطاف في القرية. لقد كان هناك أطفالٌ مشاكسون مثله، يتصرفون بفظاظةٍ في البداية ويتجاهلونني، لكنهم سرعان ما يفتحون قلوبهم لي، ويتبعونني أينما ذهبتُ وهم ينادونني “أختي، أختي” بكثير من اللطف.
تُرى، حين يتقرب مني الصغيرُ قليلًا…. لن يناديني بكلمة “أختي” بالتأكيد، فهل سيلفظُ اسمي يا ترى؟
“لماذا تبتسمين هكذا ببلادة؟ هل تستهزئين بي الآن؟”
أفقتُ من شرودي على سؤاله الحاد، وسارعتُ لتغيير الموضوع.
“سأقوم بتغييرِ مفارشِ السرير، فتناول طعامك براحة!”
ركضتُ نحو السرير بوجل. شعرتُ بنظراته تخترق ظهري لكنني لم ألتفت. فلو التقت أعيننا، ربما انهمرت عليَّ منه كلماتٌ قاسيةٌ أخرى.
ولحسن الحظ، أتمَّ الصغيرُ طعامه بهدوء بينما كنتُ أرتب السرير.
حسنًا، والآن….
اختلستُ النظر إليه، ثم اقتربتُ من الطاولة بخطواتٍ وئيدة.
“ماذا تريدين؟”
ارتفعت زوايا عينيه بشراسةٍ مع اقترابي، وتصلبت كتفاه كأنه قطٌّ متأهب.
ملامحه تشبه جروًا وديعًا، لكن طباعه تشبه قطًّا شركسيًّا هائجًا.
“سيدي الصغير، هل انتهيتَ من طعامك؟”
“ألا ترين؟ لقد أجهزتُ عليه تمامًا.”
يا إلهي، كيف لأسلوبه أن يكون بهذا السوء دومًا؟ كنتُ أحسبُ أبناء النبلاءِ عنوانًا للرقيِّ والأدب.
“بما أنك انتهيت، حان وقتُ تناول الدواء.”
أخرجتُ زجاجة الدواء من جيب مريولِي ووضعتها على الطاولة، فانتفض جسده فجأة والتصق بظهر الكرسي، كقطٍّ رأى حقنةً طبية.
“سيدي الصغير؟”
صرخ بوجهٍ منقبضٍ من شدة الكره:
“لن أشربه!”
كنتُ أعلم أن هذا سيحدث. فمن يرفض الطعام بهذه الصعوبة، لن يتناول الدواء بسلاسةٍ أبدًا.
لذا، كنتُ قد أعددتُ في جعبتي ثلاث خططٍ لإقناعه.
“إن لم تتناول الدواء، فلن أحضر لكَ الحلوى.”
“لا أريد حلوى.”
الخطة الأولى: التهديد.
فشل ذريع.
“سيدي الصغير، ألا يمكنكَ أن تغمض عينيك وتشربه؟ كلُّ هذا لأجل مصلحتك…”
“أرفض.”
الخطة الثانية: الرجاء والتوسل.
فشل ذريع.
إذًا، الخطة الثالثة….
“لا تفكري حتى في لمس جسدي. إن حاولتِ إجباري، فلن أصمت.”
فشلت الخطةُ قبل أن أبدأ حتى.
حسنًا، إنه ليس خصمًا سهلًا. لو كان أحد أطفال القرية، لأغويتُه بقطعةِ سكر، لكن كيف أستدرج الصغير الذي يدّعي عدم حاجته للحلوى؟
وفجأة، لمحت في ذهني فكرةٌ بارقة.
“فهمتُك.”
تظاهرتُ بإعادة الدواء إلى جيبي، لكنني دسته ببراعةٍ داخل كُمِّي الأيمن. وبما أن ثياب الخادمة كانت واسعةً عليَّ قليلًا، فإن كُمَّيها الفضفاضين أخفيا زجاجة الدواء دون أثر.
وفي الكُمِّ الآخر، دسستُ قطعة حلوى كنتُ قد أحضرتها تحسبًا.
“سيدي الصغير، انظر إلى هذا!”
بسطتُ كفَّيَّ الفارغتين وهززتهما، فرمقهما ببرودٍ وقال:
“إلامَ أنظر؟ لا يوجد شيء.”
“صحيح، لا يوجد شيء، أليس كذلك؟”
“أجل.”
“والآن، سأجعلُ الدواء الذي تمقته يظهر في يدي.”
“… ماذا؟”
لمعت في عينيه الخضراوين شرارةُ اهتمام.
كنتُ أعرف أن هذا سيثير فضوله.
قلبتُ يديَّ لتظهر ظهورهما، ثم بدأتُ أهزهما بجلجلةٍ وحماس:
“هيااا!”
انزلقت زجاجة الدواء المخبأة في الكُمِّ لتستقر في راحة يدي. قبضتُ عليها بقوة كفي، وظللتُ أحرك يدي مظهرةً ظهرها له فقط.
في تلك الأثناء، كان الصغيرُ يراقب يدي بعينين براقتين لا تحيدان عنها.
“سوري سوري ماسوري، أبرا كادابرا، ياب!”
تمتمتُ بتلك التعاويذِ المزعومة، ثم مددتُ يدي المقبوضة أمامه فجأة. وحين فتحتها وكشفتُ عن زجاجة الدواء، جحظت عيناه كحبتي لؤلؤٍ كبيرتين.
“مـ.. ما هذا؟ كيف فعلتِ ذلك؟”
كاد فمه أن ينطق من فرط الدهشة وهو يقلب بصره بذهول، فبدأ لي لطيفًا جدًّا لدرجةِ أنني كدتُ أضحك، لكنني حافظتُ على رصانة وجهي وقلت:
“لقد نقلتُ الدواء من جيبي إلى يدي باستخدام السحر.”
“كـ.. كاذبة! لا وجود للسحر في هذا العالم!”
في الحقيقة، لم يكن سحرًا بل خفة يد، أو بالأحرى خدعة بصرية بسيطة، لكنها كانت كافيةً تمامًا لخداع طفلٍ في العاشرة.
لقد كان ردُّ فعله يطابق تمامًا رد فعلِ أطفالِ القريةِ المشاكسين حين كنتُ أُبهرهم بخدعي أول مرة.
“أليس هذا الدواءُ زائفًا؟”
رفع الزجاجة بشكٍّ وبدأ يفحصها من كل جانب.
في تلك اللحظة، وضعتُ قطعة الحلوى التي في كُمي الآخر على حافة مسند الكرسي الذي يجلس عليه، بتوازنٍ دقيقٍ وخطير.
ولأن الكرسي كان ضخمًا ومسنده أعلى من مستوى نظره، فإنه لن يلحظ وجود الحلوى هناك ما لم يلتفت للخلف.
والآن، تكفي هزةٌ واحدةٌ للكرسي لتكتمل معجزةُ “ظهور الحلوى من العدم”!
“ليس زائفًا. إن كنت لا تصدق، فجرّبه بنفسك.”
“… أرفض. أنتِ تحاولين خداعي لأشربه، أليس كذلك؟”
أوه، لقد كشف أمري.
“آه، عرفت! لقد كنتِ تخبئينها في كُمِّكِ ثم أخرجتها، هذا هو السر.”
تشه، يا لسرعة بديهته!
ابتسمتُ بهدوءٍ وأنا أخرج ورقتي الرابحة التالية:
“إن كنتَ لا تزالُ مرتابًا، فسأريكَ سحرًا آخر.”
“ماذا ستفعلين هذه المرة؟”
“سأجعلُ الحلوى التي تحبها تظهر الآن.”
“… لن أنخدع ثانيةً. شمّري عن كُمَّيكِ فورًا.”
سارعتُ بتشمير أكمامي لأثبت له خلوَّهما من أي شيء.
“هل تحققتَ الآن؟”
هزَّ رأسه بمضضٍ بعد أن فحصني بدقة. وبما أنه تأكد من فراغ يديَّ وأكمامي، فمن المؤكد أنه سيسقط في الفخ هذه المرة.
“حسنًا، إذًا…”
خطوتُ نحوه خطوةً واسعة.
“لماذا.. لماذا تقتربين هكذا!”
لماذا يا تُرى؟
لأنني سأجعل قطعة الحلوى تلك، المستقرة بوهنٍ على حافة الكرسي، تسقطُ برقةٍ فوق رأسك أيها الصغير.
التعليقات لهذا الفصل " 4"