3
تعلّمتُ أن من الأدبِ أن يفصح المرءُ عن اسمهِ إذا ما أفصح الطرفُ الآخر عن اسمه، ولكن يبدو أن “سيدي الصغير” الذي سأقوم على خدمته يفتقرُ لشيءٍ من آدابِ اللياقة.
ردّ عليّ بفظاظة:
“ومَن سألكِ عن اسمكِ أصلًا؟”
“عفوًا؟”
“لقد تلقفتِ الوسادة والساعة ببراعة! كيف لخادمةٍ عادية أن تفعل ذلك؟”
“آه، إنها مجرد مرونة جسدية وحُسنِ تصرّف.”
أجبتُه وأنا أهزُّ كتفيّ بخفة.
نظر إليّ بذهولٍ لم يدم طويلًا، قبل أن يرمقني بنظرةٍ حادة قائلًا:
“أنتِ.. لستِ إلا قاتلةً مأجورة جئتِ لتغتاليني، أليس كذلك؟”
“ماذا؟”
قاتلة مأجورة فجأة؟ هل مجرد امتلاكي لردود فعلٍ سريعة جعل مني سفاحة؟
“ليسا، أخرجيها من هنا فورًا. لقد رأيتِ ما فعلتْ، أليس كذلك؟”
عن أي شيء يتحدث؟ وأي جزء من تصرفي بدا له كفعلِ القتلة!
شعرتُ بالظلم ينهش صدري، لكنني لم أجرؤ على مقاطعته، فاكتفيتُ بالنظر إلى السيدة ليسا أستجدِدُ إنصافها. تنهدت ليسا بهدوء وقالت بصوتٍ رزين:
“نعم، لقد رأيتُ كل شيء. رأيتُ سيدًا صغيرًا يصبُّ جام غضبه على خادمةٍ جديدة لم تطأ قدماها المكان إلا للتو.”
بوركتِ يا سيدة ليسا!
تلاشى الزهو عن وجه الصغير الذي ظن أن ليزا ستؤازره، وحلت محلها ملامح الخيبة. تابعت ليسا قائلة:
“لو لم تمسك الآنسة ماري بالساعة، لربما تعرضتَ لإصابةٍ بالغة. لستَ صغيرًا لدرجةِ ألا تدرك عواقب قذف الناس بالأشياء.”
“ذ.. ذلك..”
“إذن، عليكِ أن تعتذر للآنسة ماري.”
“ماذا؟ محال! لِمَ عليّ أن أعتذر لمجرد خادمة؟”
“إن لم تقدم اعتذارًا لائقًا، سأضطر لرفعِ تقريرٍ بهذا الشأن للسيدة.”
ارتاع الصغيرُ حين سمع ذكر السيدة ريانة، ولوى شفتيه بامتعاضٍ قبل أن يتمتم:
“أنا آسف. هل ارتحتِ الآن؟”
لو حذف جملة “هل ارتحتِ الآن” لكان اعتذارًا مثاليًا، ومع ذلك تقبلتُه بصدرٍ رحب؛ فالأطفال ذوو الكبرياء يجدون مشقةً في الاعتراف بالخطأ، وهذا القدر منه كان كافيًا.
“لقد اعتذرتُ، فلا تخبري أمي بما حدث.”
“سمعًا وطاعة. سأغضُّ الطرف هذه المرة، لكن إن تكرر الأمر، سأرفع الخبر للسيدة فورًا.”
أجابها بانكسار: “..فهمت.”
ثم التفت إليّ يرمقني بنظرةٍ تقدح شررًا، وقال لرئيسة الخدم:
“والآن، اطردي هذه القبيحة.”
قـ..قبيحة؟ هل يقصدني أنا؟
من شدة هول الكلمة، نسيتُ مكانته العالية وسألتُه باستنكار:
“سيدي الصغير، أي جزءٍ مني تراه قبيحًا؟”
“كلكِ، من مفرق رأسكِ إلى أخمص قدميكِ. شعركِ كأنه قشٌ يابس، وعيناكِ صفراوان كأعينِ الأفاعي، وأنفكِ تملؤه تلك النقاط اللعينة. تبدين تمامًا كأتباعِ الساحرات.”
كم شعرتُ بالحيف! صحيحٌ أنني لا أملك جمال أميرات القصص، لكنني لطالما سُميت في قريتي بالآنسة الصغيرة الفاتنة.
— ماري جميلة حقًا، شعركِ ناعم كحريرٍ مغزول، وعيناكِ مشرقتا كزهرِ الربيع.
استحضرتُ كلمات صديق طفولتي إيان لأردّ بها على إهانته في سري: “لستُ أنا القبيحة، بل ذوقك هو المعطوب.”
ورغم سيل الكلمات الذي تندفع إلى طرف لساني، لزمتُ الصمت.
اصبري يا ماري، اصبري. لا يصح أن تدخلي في شجارٍ صبياني مع طفلٍ يصغركِ بأربعة أعوام، وفوق ذلك، هو سيدكِ المطاع.
“سيدي الصغير!”
نهتهُ ليسا نيابةً عني، فبوز شفتيه بضجرٍ وقال:
“وهل قلتُ كلامُا خاطئًا؟ ثم أليست هذه المرأة من العامة؟ من لكنتها يبدو أنها قروية حمقاء. لا أحتمل وجود مثل هؤلاء الرعاع حولي، اطرديها فورًا.”
نظرتُ إليه وهو يجردني من أي تقدير، وأدركتُ حينها أن طريق الود بيننا سيكون وعرًا للغاية. وبمجرد تفكيري في مستقبلٍ يجمعني بهذا السيد المتغطرس المتجرد من اللطافة، شعرتُ بصداعٍ يغزو رأسي.
***
في صباح اليوم التالي.
بينما كنتُ أحمل إفطار السيد الصغير، تذكرتُ ما أخبرتني به السيدة ليسا.
— ماري، لا بد وأنكِ سمعتِ بحادثة العربة التي تعرضت لها السيدة ريانه في الماضي؟
— نعم، قرأتُ عنها في الصحف.
لقد وقع الحادث حين انفصلت إحدى عجلات العربة التي كانت تستقلها السيدة مع زوجها الدوق. سقطت العربة من فوق الجسر، فقضى الدوق نحبه في الحال، بينما نجت السيدة ريانه بأعجوبة.
لكن لسوء الحظ، سقطت العربة في نهرٍ يُعرف باسم “النهر الملعون” لشدة تلوث مياهه بالفضلات والسموم.
تلك المياه العطنة غطت جسد السيدة ريانه بلطخاتٍ سوداء غامضة، كانت تنتابها نوبات ألمٍ حارقة كأن النار تلتهم جلدها.
— بفضل العلاج، تلاشت بعض البقع، لكنها لم تختفِ تمامًا.
عانت السيدة ريانه من اكتئابٍ حاد جراء فقد زوجها وأوجاع جسدها، حتى فكرت في اللحاق بفقيدها…. لولا أنها اكتشفت جنينًا يتحرك في أحشائها.
— هذا الطفل هو سيدكِ الصغير، ريكاردو هاميلتون.
ابتهلت السيدة ريانه ألا يرث طفلها حالتها، لكن القدر كان قاسيًا؛ فقد وُلد الصغير وجسده مغطى بتلك البقع السوداء. ومن حُسنِ الحظ وسط هذا الركام من التعاسة، أن جسده لم يكتمل نموه بعد، مما يعني وجود فرصة للشفاء التام إذا ما تلقى العلاج المناسب.
لذا قررت السيدة ريانه إبقاءه في الجناح الملحق حتى يبرأ تمامًا، حمايةً له من نظراتِ الناس القاسية وسخريتهم.
— كانت ردود فعلِ من يرون السيدة واحدة؛ إما صرخة رعب، أو وجوهٌ تنظر إليها كأنها مسخ.
أخفت السيدة ابنها لتجنبه مرارة الإهانة التي ذاقتها.
— منذ ولادته وهو يعيش وحيدًا هنا، لذا فهو لا يجيد التعامل مع البشر.
— أتقصدين أنه لم يخدمه أحد من قبل؟
— بلى، لكن الخدم لم يصمدوا طويلًا؛ فإما استقالوا أو طُردوا بسبب مشكلاتٍ تسببوا بها.
— أي مشكلات؟
سألتُ كي أتجنب الوقوع في ذات الخطأ، لكن ليسا اكتفت بابتسامةٍ غامضة وقالت:
— لا تقلقي، ماري ستكون بخير.
ماذا تعني بكلمة “بخير”؟ لا أعلم. لكن شيئًا واحدًا كان جليًا: السيدة ريانه وليسا وضعتا ثقتهما فيّ، وعليّ أن أكون عند حُسنِ ظنهما. ولتحقيق ذلك، لا بد لي من كسرِ الجليد مع السيدي الصغير.
شددتُ على قبضتي بحزم وقلت: “حسنًا، فلنفعلها!”
…لكن لم تمضِ خمس دقائق حتى اصطدمتُ بجدارٍ مسدود.
طق، طق.
“سيدي الصغير..!”
طق، طق، طق.
“لقد أحضرتُ الإفطار، هلا فتحتَ الباب!”
بوم، بوم، بوم!
“سيدي الصغير!”
لا مجيب. حاولتُ فتح الباب بالمفتاح الذي أعطتني إياه ليسا، ولكن….
تِك، تِك.
يبدو أنه وضع عائقًا خلف الباب؛ فمهما حاولتُ، لم يتزحزح قيد أنملة.
تنهدتُ بيأس وأنا أنظر إلى الباب الموصد. ماذا أفعل الآن؟
***
هدأت الضوضاء خلف الباب بعد فترة.
“هل رحلت؟”
مشى ريكاردو بحذرٍ نحو الباب الذي أحكم إغلاقه بالمزلاج بل ووضع خلفه كرسيًا ثقيلًا، ليتأكد من رحيل ماري.
وضع عينه على الشق الصغير ليرى ما خلفه، فارتسمت على وجهه ابتسامة انتصار.
“لقد رحلت فعلاً.”
هذا هو المتوقع، فماذا عساها أن تفعل أمام بابٍ موصد؟
ضحك ريكاردو في سره وهو يرى الردهة خالية إلا من عربة الطعام. كان يخطط لاتهام تلك الخادمة النحيلة بالتقصير في عملها ليتسبب في طردها.
“سأفتح الباب لاحقًا، ربما تعود تلك الحمقاء فجأة.”
وما إن استدار ليعود أدراجه بقلبٍ منشرح، حتى سمع صوتًا جمّد الدماء في عروقه.
صرير….
انفتحت نافذة الشرفة خلف الستائر. تيبس ريكاردو في مكانه، ولم تكن أذناه تخادعانه؛ فقد رأى ظلًا يتحرك خلف القماش الرقيق.
“مـ.. مَن هناك!”
كان سؤالًا يائسًا؛ فمَن يتسلل عبر النافذة في هذا الوقت المبكر سوى قاتل مأجور؟
بسبب الكرسي الذي يسد الباب، لم يجد مفرًا للهرب. وبينما كان يرتجف رعبًا، أُزيحت الستائر بقوة.
“آه! الضوء ساطع جدًا…..”
فتح ريكاردو عينيه ببطء ليتبين وجه “القاتل”، فصدمه ما رأى.
لقد كان وجهًا مألوفًا جدًا.
“أنتِ.. أنتِ..!”
قالت ماري وهي تقف بشموخٍ في الشرفة بابتسامةٍ عريضة:
“سيدي الصغير، حان وقت الإفطار!”
Chapters
Comments
- 3 منذ 4 ساعات
- 2 منذ 4 ساعات
- 1 منذ 6 ساعات
- 0 - المُقدمة منذ 8 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 3"