1 - 【هجوم القرش】
أرَّق صريرُ الأمواج في ليلتي تلك سكونَ قلبي، ولم يكن ثمة سببٌ آخرُ دفعني للتسلل نحو الشاطئ في هزيع الليلِ إلا ذاك الصخب.
كنتُ قد سمعتُ أساطيرَ تروى؛ أنَّ البحر في تلك الساعةِ الحالمة من الليلِ، يستدعي البشرَ إليه. يقولون إنَّ للأمواج اللؤلؤية، وانعكاسِ ضوء القمر على صفحة الماء، وظلالِ المرجان وأعشابِ الأعماق، قوةً غامضةً تغوي الواقفين على الضفاف.
ولم يكن بحرُ الليل يستدعي أحدًا عبثًا، بل كان لكل نداءٍ غاية. ويقال إنَّ كل من استجاب لتلك الدعوة، عاد محمَّلًا بتجربةٍ سحرية لا تُنسى.
يبدو أنَّ تلك الحكايا لم تكن مجرد أساطيرَ واهية؛ ففي اليوم الذي اقتفيتُ فيه أثرَ صوت البحر وغادرتُ منزلي، التقيتُ حقًا بكائنٍ استثنائيّ.
حدث ذلك حين كنتُ صغيرة. قادتني رغبةٌ لا تفسير لها إلى الشاطئ، فبدا لي الرملُ المتلألئ تحت ضوء القمر كأنه عالمٌ من الخيال، يختلفُ تمامًا عما هو عليه في وضح النهار. وفي وسط تلك الظلمة، رأيتُ شيئًا ملقًى فوق الرمال الشاحبة.
كان جسدًا شبه شفاف، ينبعثُ منه بريقٌ غريب يشبه وحوش البحار في قصص الخيال. لكنه كان أصغرَ من أن يُسمى وحشًا. اقتربتُ منه كأنني واقعةٌ تحت تأثير تنويمٍ مغناطيسيّ.
وحين دنوتُ كفاية، تبينتُ حقيقة ذاك “الوحش”؛ لقد كان صغيرَ قرشٍ قذفت به الأمواجُ إلى البر، وهو الآن يلفظُ أنفاسه الأخيرة.
كانت أمواجٌ عاتية قد اجتاحت الشاطئ طوال الليلة الماضية، ويبدو أنَّ هذا الصغير المسكين قد جرفه تيارُ الماء إلى هنا. رفعتُ القرش الصغير الذي كان يرتجفُ بوهنٍ وقد غطته الرمال. كان ملمسُ حراشفه الرطبة والخشنة غريبًا تمامًا على يدي.
بَدَت عيناه السوداوان الواسعتان — كعيني طفلٍ فزع — بريئتينِ جدًا، لا توحيان أبدًا بكونه من مفترسي البحار المرهوبين. وشعرتُ في تلك اللحظة بيقينٍ غريب أنَّ هذا الصغير هو من استدعاني الليلة.
“أأنتَ من ناديتني؟ لأنك علقتَ هنا وأردتَ من يساعدك؟”
ابتسمتُ لنفسي رغم شعوري بالحمق لأني أخاطبُ سمكة. حملتُ ذاك القرش المتوهج كالشبح تحت ضوء القمر، ودفعته برفقٍ نحو البحر الذي استكانت أمواجه الآن.
لم يرحل القرشُ فورًا، بل ظلَّ يسبحُ حولي في دوائرَ متكررة. وفي النهاية، وكأنه حسم أمره، انطلق هادئًا نحو أعماق البحر المظلمة.
ظللتُ أراقبُ البحر حتى اختفى جسده الصغيرُ وذاب في زبد الأمواج البيضاء، وأنا أحدّث نفسي بأنها كانت تجربةً غامضة رغم قصرها.
في القصص الخيالية، حين تنقذُ حيوانًا مأزومًا، لا بد أن يحدث لك أمرٌ جيد؛ كأن يعود الحيوانُ حاملًا كنوزًا من الذهب والياقوت ردًا للجميل.
بالطبع، في أرض الواقع، لن يعود هذا القرشُ محمَّلًا بسبائك الذهب من حطام سفينة غارقة مكافأةً لي، لكنني كنتُ أظن أنَّ ذلك اللقاء الغريب في جوف الليل كان في حد ذاته تجربةً رائعة كافيةً وزيادة…
“أنا هو ذلك القرشُ الصغيرُ حينذاك. لقد جئتُ لأردَّ إليكِ جميلَ إنقاذي.”
كانت تلك أولى الكلمات التي نطق بها ذاك الرجل.
يبدو أنه لا مستحيلَ في هذا العالم. تفرستُ في ملامح الرجل الذي قدم نفسه بصفته “قرشي القديم”. كان شعره الرمادي يشبه على نحوٍ غريب لون الزعنفة الظهرية للقروش، وعيناه الزرقاوان الصافيتان تتناغمان تمامًا مع لون وطنه؛ البحر. هذا إن كان ادعاؤه حقيقيًا بالطبع.
كان وجهه خاليًا من التعبير تمامًا، كأنه لم يبتسم أو يحزن قط، وصوته جافًا كالصحراء، مما يترك أثرًا عميقًا في النفس. بنيته القوية كانت توحي بشخصٍ قضى حياته يصارع الأمواج، لكن وجنتيه اللتين بَدَتا ناصعتي البياض كبطنِ سمكة، لم تحملَا أيَّ أثرٍ للفحة الشمس أو رياح البحر، مما ولد في داخلي شعورًا بالتناقض.
وزاد الأمر غرابةً حين نظرتُ إلى ثيابه التي لم تكن مألوفةً في أرجائنا؛ قميصٌ شاحب، يباينه وشاحٌ أسود فاحم، وياقةٌ كبيرة مربعة مخططة. باختصار، كان يرتدي ما يشبه الزي الرسمي للبحارة.
لو اكتفى بالصمت، لقلتُ إنه رجلٌ وسيم يتمتع بجاذبيةٍ خاصة رغم ملامحه الباردة، لكن الأزمة تبدأ حين يفتح ثغره؛ فأسنانُه الحادة كشفرات الحلاقة — والتي تشبه أسنان القرش تمامًا — كفيلةٌ ببث الرعب في قلوب أعتى البحارة.
أن يظهر قرشٌ أنقذتُه قديمًا في هيئةِ بشر؟ هذا محال، أمرٌ خيالي لا يمكن أن يصدقه عقل… لكن، بالنظر إلى تلك الأسنان المدببة التي تشبه أسنان القرش الأبيض أكثر مما تشبه أسنان البشر، كان من الجليّ أنه ليس إنسانًا عاديًا.
“لكنَّ ذاك القرش كان بهذا الحجم الصغير فقط. هل تحاول إقناعي أنَّ ذاك الصغير عاد الآن بهذا الجسد الضخم؟” قلتُها وأنا أبسطُ يديَّ محاولةً تقدير حجمه القديم.
“القروشُ تنمو لتصبح كبيرةً في العادة.” أجاب الرجلُ ببساطةٍ متناهية.
فقدتُ القدرة على الرد حين دحضَ النقطة التي استجمعتُ قواي لأعترض بها بمثل هذه السهولة. وبينما كنتُ واقفةً ببلادةٍ لا أدري ما أقول، باغتها بسؤاله:
“على فكرة، أنا لا أعرفُ اسمَ منقذتي حتى الآن. ما اسمُكِ؟”
“أنا؟ اسمي مارينا براين… مارينا…”
“إذًا مارينا. إنه اسمٌ جميل، وله رنينٌ عذب. كنتُ أعلمُ أنَّ اسمكِ سيكون برقةِ اللؤلؤ، وقد صدق حدسي. أما أنا، فاسمي شاكروف.”
“وهل للقروش أسماء؟”
“بالطبع. وليس مجرد اسم فحسب، بل اسمٌ رائع أيضًا. في الحقيقة، أظن أنَّ أسماء أهل البحر أجملُ بكثير من أسماء أهل البر.”
“أهلُ البحر؟”
“أجل.”
أومأ شاكروف بهدوء.
كان هدوءه يتناقضُ تمامًا مع حالة التيه التي أصابتني، وشعرتُ وكأنني أغرقُ في حلمٍ يزداد غرابةً كل لحظة.
“يبدو أنَّ الآنسة مارينا لم تسمع عنا من قبل.”
بدأ شاكروف يتحدثُ عن عالم أهل البحر ذي التاريخ العريق، بوجهه الجامد وصوته الجاف. لم يكن جفاءُ نبرته مستغربًا؛ فمتى احتاج القرشُ أصلًا لأن يضع مشاعرَ في حديثه؟ ومع ذلك، لم يخلُ صوته الرتيب من نبرةِ فخرٍ لا تخفى.
وبحسب كلامه، فإنَّ أهل البحر عاشوا دائمًا بجانب البشر، لكنَّ سر بقائهم بعيدًا عن الأنظار يكمن في قدرتهم على التحول بحريةٍ بين هيئة السمكة وهيئة البشر. وبفضل تلك الموهبة، عاشوا متنكرين كأسمالكٍ عادية، يخدعون أعين أهل البر دون أن يُكشف أمرهم.
“هل تقصد أنَّ أساطير عرائس البحر كانت في الحقيقة قصصًا عن أهل البحر الذين رآهم الناسُ صدفة؟”
سألتُ بعفوية. هزَّ شاكروف رأسه بيقينٍ تام:
“مستحيل. أهلُ البحر ليسوا مهملين كالبشر، بل نحن كائناتٌ حذرة بالفطرة. نحن أسيادُ التخفي والتمويه، ولا يمكن أبدًا أن يلمحنا إنسانٌ بمحض الصدفة.”
يبدو أنَّ شاكروف يعتزُّ كثيرًا بقدراتِ بني جنسه على التخفي.
“لذا، لا نُكشفُ إلا في حالةٍ واحدة؛ حين نقررُ نحن إظهار حقيقتنا. تمامًا كما فعلتُ الآن أمامكِ.” قال شاكروف بنبرةٍ درامية.
“في الواقع، إظهارُ الحقيقة لإنسانٍ هو أمرٌ ينطوي على مخاطرةٍ كبرى، لكنني رأيتُ أنَّ هناك مواقف تستحقُّ الإقدام على فعلٍ جسيم.”
“وهل كان ردُّ الجميل لي أمرًا يستحقُّ كسر أسرار قبيلتك وكشف هويتك؟”
“هذا سبب، لكنني جئتُ لغرضٍ أكثر خصوصية وأهمية من مجرد رد الجميل.”
“غرضٌ خاص؟”
“منذ اليوم الذي أنقذتِ فيه حياتي، وأنا أفكرُ في طريقةٍ لمكافأتكِ. ظللتُ أتساءلُ عما يمكنني تقديمه كأفضل هدية لكِ، وأخيرًا تيقنتُ؛ الهديةُ المثلى هي حياةٌ رغيدة في مملكة البحر الفاتنة والرحيمة. وهذا ما جئتُ لأقدمه لكِ اليوم.”
“عفوًا؟”
“آنسة مارينا، تعالي لتعيشي معي في مملكة البحر. ستنعمين هناك بحياةٍ أكثر امتلاءً مما هي عليه في هذا العالم الأرضي القاسي والجاف. إنه مكانٌ ساحرٌ حقًا.”
“ولكن…”
“لا تقلقي بشأن التنفس تحت الماء، فكل شيءٍ له حل.”
“لا، لستُ قلقةً بشأن ذلك، بل…”
“البحرُ رحيم، ويحتضنُ كل من يملك روحًا بحرية، حتى وإن كانت تلك الروحُ حبيسة جسدٍ بشري كروحكِ. والسحرُ القديم الذي يتوارثه أهلُ البحر هو السبيلُ لتحقيق تلك الرحمة.”
“سحر؟ لا أفهمُ ما الذي تتحدثُ عنه…” تمتمتُ وأنا أحاولُ جاهدةً استيعاب كلامه.
“الأمرُ بسيط. كل من يقطعُ وعدًا بالبقاء مع أحد أهل البحر بحبٍّ أبدي، ينالُ مباركة البحر ويصبحُ قادرًا على العيش بحريةٍ تحت الماء تمامًا مثلنا. لذا…”
صمتَ شاكروف برهة، ثم أعلن بنبرةٍ مهيبة:
“لذا، إذا عاهدتِني يا آنسة مارينا على البقاء معي بحبٍّ إلى الأبد، فسيعملُ سحرُ البحر، ولن يمثل التنفسُ تحت الماء أيَّ مشكلةٍ لكِ.”
“عهدُ حب؟ أنا؟”
“للمعلومة، أنا جاهزٌ تمامًا من جهتي. ففي الحقيقة، أنا مغرمٌ بكِ منذ لقائنا الأول.”
قال شاكروف ذلك بوجهٍ جادٍ تمامًا، لا أثر فيه لأي ابتسامة.
Chapters
Comments
- 1 - 【هجوم القرش】 منذ 6 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"