استمتعوا
ضيّق راينر ما بين حاجبيه وهو يلتفت إلى هاري.
“كنتُ قد قلتُ لك أن تُعيدهم من حيث أتوا، على نحوٍ لائقٍ ما أمكن.”
منذ أن تقارب مع وليّ العهد، لم يخلُ قصر الدوق من الزائرين.
ولا سيما في الآونة الأخيرة، إذ اصطفّ النبلاء طوابير، طامعين في تزويج بناتهم له، وهو أفضل عريس في الإمبراطورية.
غير أنّ راينر رفضهم جميعًا.
فمن يدري مَن قد يكون على صلة بإليز.
ثم إنّه لم يكن يرغب، في هذا التوقيت بالذات، في نسج علاقات لا ضرورة لها.
وكان هاري على درايةٍ تامّة بذلك، ومع هذا لم يَرُق لراينر أنّه أدخل ضيفًا إلى الداخل اليوم.
“كان ينبغي لك أن تحسم الأمر بنفسك.”
“ليس الأمر كذلك…….”
لكن نبرة هاري كانت مختلفة عن المعتاد.
وما إن نطق بالاسم وذكر سبب الزيارة، حتى حدّت نظرة راينر.
“……مَن قال ماذا الآن؟“
****
“لم أتوقّع قط أن آتي إلى هذا المكان ضيفة…….”
في ذلك الوقت، كانت سيسيليا جالسة في صالون الاستقبال بقصر الدوق.
وبسبب علاج غيلبرت، نزلت إليز والدوق معًا إلى الإقطاعية، فبقي راينر وحده في قصر العاصمة.
في حياتها السابقة، كان هذا المكان الذي عاشت فيه سيسيليا مع إيفان وإليز.
ولم يكن المشهد من حولها مختلفًا كثيرًا عمّا كان عليه آنذاك.
‘لكن، هل سيوافق اللورد راينر فعلًا على لقائي؟‘
منذ أن أدارت ظهرها لروزينا وأمّها، ظلّ هذا السؤال يلحّ عليها.
مَن يكون السور المنيع القادر على حمايتها من أسرة أوزبورن؟
وبعد تفكيرٍ طويل، لمعت في ذهنها إجابة واحدة. راينر هايس.
فإن تزوّجته، تحرّرت من قبضة عائلة أوزبورن، ولن يجرؤ الماركيز ديلان على العبث مع أسرة الدوق.
‘وفوق ذلك، يمكنني أن أقدّم له العون بذكريات حياتي السابقة.’
كانت سيسيليا تعلم أنّ راينر ليس الابن البيولوجي لإليز.
ففي حياتها الماضية، لم تكفّ إليز عن التحذير من ضرورة الحذر منه.
حينها، لم يتجاوز الأمر دهشتها من خفايا أسرة هايس، أمّا الآن فقد صار أعظم أسلحتها.
‘أنا على علمٍ بسرّ سيدة هايس الكبرى. أمرٌ يمكن أن يجعل اللورد راينر دوقًا في الغد إن شاء.’
تبدّل بريق عيني المساعد، الذي كان قد طلب منها بأدبٍ أن تعود أدراجها، فور سماعه كلماتها.
وسرعان ما طلب منها الانتظار قليلًا وذهب إلى سيّده، ما دلّ على خطورة المسألة.
ومع ذلك، لم يكن مؤكّدًا بعد إن كان راينر سيخرج بنفسه.
‘ماذا لو ظنّني امرأة مختلّة؟‘
في ذاكرة سيسيليا، لم يكن راينر سوى رجلٍ يحدّق بها وبإيفان دومًا بعينين باردتين.
ولا عجب في ذلك، فقد وقفت في حياتها السابقة على الضفّة المقابلة له تمامًا.
وتحت وطأة سخريته الصامتة وهيبته الطاغية، كانت تتحاشى أصلًا مواجهته.
ولهذا، لم تتذكّر أنّها تحادثت معه حديثًا حقيقيًا ولو مرّة واحدة.
‘هل أستطيع فعلها حقًّا؟‘
وبسبب التوتّر، قبضت دون وعيٍ منها على زرّ الأكمام في يدها بإحكام.
في تلك اللحظة، انفتح باب الصالون.
وظهر الرجل الذي لم تكفّ صحف الإمبراطورية عن الإشادة به في الآونة الأخيرة.
وخلفه وقف المساعد الذي رأته قبل قليل.
“تشرفتُ بلقائك، لورد راينر.”
همّت سيسيليا بالنهوض احترامًا، لكن راينر أشار بيده مانعًا إيّاها، وجلس على الأريكة المقابلة.
وانسابت عيناه الزرقاوان الداكنتان عليها في تمعّنٍ فاحص.
‘قياسًا إلى تلك الفوضى التي أحدثتها في حفل الزفاف…….’
كان راينر على علمٍ بما جرى في زفاف سيسيليا، فقد اطّلع عليه عبر الصحف.
امرأة فضحت عيوب خطيبها على الملأ، بل وركلته في ساقه أيضًا.
لم تكن تشبه على الإطلاق الفتيات الأرستقراطيات الخجولات اللواتي اعتاد رؤيتهن.
لكن، حين واجهها الآن، وجدها بعيدة كلّ البعد عمّا تصوّره.
شَعرٌ فضّيّ مائل إلى البنيّ، وبشرة صافية شفّافة، وملامح رقيقة.
على خلاف ما ذاع بين الناس، بدت كمن سينهار بالبكاء ويتعلّق بحبيبها لو خانها.
هذا التناقض أثار فضوله قليلًا، فتساءل لأيّ شأنٍ جاءت هذه المرأة إليه.
“إذن، ما سبب قدومكِ إلى هنا؟“
رفع راينر يده، مشيرًا لها أن تتحدّث.
بدت المرأة أمامه وكأنّها تعضّ على شفتها متردّدة.
كغزالةٍ تقف أمام فهدٍ أسود.
“……”
ومع إطالة الصمت، التفت هاري بدهشة إلى راينر.
لم يكن راينر رجلًا يعرف الصبر في معاملة السيّدات.
وبحسب طبعه، لم يكن مستغربًا لو غادر المكان منذ زمن.
صحيح أنّ سيسيليا كانت قد ذكرت إليز أوّلًا،
لكن، مع ذلك، كان ردّ فعله استثنائيًا.
حينها، استنشقت سيسيليا نفسًا قصيرًا، وفتحت فمها أخيرًا.
“سأجعلكَ دوق هايس.”
ارتفع حاجب راينر قليلًا.
كان قد سمع الأمر مسبقًا من هاري، لكن سماعه مباشرة من تلك الشفاه الصغيرة الممتلئة بدا أشدّ إثارةً للدهشة.
حتى هو، المحاط بمديح الإمبراطورية، كان يخفض رأسه وينتظر وقته.
فبمَ تتباهى هذه المرأة الرقيقة إلى هذا الحد؟
“حقًّا…… لا أدري كيف يجدر بي أن أجيب عن هذا العرض الجليل.”
هزّ راينر رأسه وابتسم ابتسامة مائلة.
كان واضحًا أنّه لا يعدّ كلامها أكثر من مزحة.
لكن سيسيليا لم تتراجع، وأكملت بثبات.
“وبالطبع، لا بدّ من مقابلٍ يليق بذلك.”
“مقابل؟“
“تزوّجني، لورد راينر.”
ساد الصمت صالون الاستقبال.
ضحك راينر بخفّة، وكأنّه لا يصدّق.
ففي العادة، كانت النساء اللواتي يتقرّبن منه يتباهين بمهارات الطهو أو التطريز، ويتحدّثن عن الزواج على نحوٍ ملتفّ غير مباشر.
وكانت نواياهنّ المكشوفة لا تثير فيه سوى الملل.
لعلّ هذا ما جعل صراحة سيسيليا المباشرة مثيرة للاهتمام.
ومع ذلك، لم يكن ينوي أخذها على محمل الجدّ.
“إنها لنكتة طريفة حقًّا.”
اتّكأ راينر إلى ظهر الأريكة، وعقد ساقًا فوق أخرى.
“ما رأيكِ أن تكتبي رواية؟ يبدو أنّها ستُباع جيدًا.”
“لا أقصد أن أكون زوجتك الحقيقية. تزوّجني لثلاث سنوات فقط، ثم أرحل بلا شوائب.”
أجابت سيسيليا بهدوء.
ثلاث سنوات.
كان هذا الأجل الذي حدّدته لانتقامها.
وبفضل خبرتها في حياتها السابقة، كانت تعلم تمامًا ما الذي سيقع خلال تلك المدّة.
كما كانت تعلم ما هي المعلومة التي يحتاجها راينر الآن.
“دوق هايس قد توفّي بالفعل. في الشهر الماضي.”
توقّفت يد راينر فجأة.
أمّا سيسيليا، فظلّت بملامح هادئة.
“سيدة الأسرة الكبرى تُخفي خبر وفاة ابنها، وتبحث بيأس عن حفيدٍ تخلّت عنه. لأنّها لا تريد أن تنتقل اللقب إليك.”
“وهل عثرت أمّي على ذلك الحفيد؟“
سأل راينر بلهجةٍ متصنّعة اللامبالاة، لكن توتّرًا خفيفًا تسرّب إلى صوته.
“ليس بعد. لكن، إن غادرتُ هذا المكان، فستعثر عليه قريبًا. إيفان مارتشي هو الابن الحقيقي لدوق هايس.”
“……مَن قلتِ؟“
“إيفان مارتشي. خطيبي السابق.”
ارتسمت على وجه راينر علامات عدم التصديق.
وأمام نظرته التي تطالب بالدليل، أخرجت سيسيليا زرّ الأكمام من صدرها بتمهّل.
“إنه عربون قدّمه دوق هايس لخادمته التي كانت عشيقته. وهو الأثر الوحيد الذي تركته لابنها.”
“……”
ضيّق راينر عينيه، محدّقًا في زرّ الأكمام بيد سيسيليا.
كان الحرفان غ. هـ منقوشين بإتقان، يلمعان تحت ضوء الثريّا.
قطعة فاخرة إلى حدّ لا يليق بعامّيّ.
كما أنّ تصميمها الصارخ كان على ذوق غيلبرت.
ومع ذلك، فصنع مثل هذا الزرّ لم يكن أمرًا مستحيلًا.
“……لا يمكن لقطعةٍ كهذه وحدها أن تثبت أنّه وريث الدوقية.”
فكم من محتالٍ ادّعى أنّه ابنٌ خفيّ أو غير شرعيّ طمعًا في الثروة.
لكن سيسيليا لم ترتبك، وقالت بثقة.
“اذهب إلى المستشفى العام في غرب بريسن. ستجد سجلًّا يعود إلى اثنين وعشرين عامًا، لامرأة تُدعى سيلا، أنجبت ولدًا هناك.”
“سيلا؟“
“اسمٌ مستعار استخدمته والدة إيفان. لعلّها أرادت الإفلات من تعقب سيدة الأسرة الكبرى.”
تحدّثت سيسيليا بنبرة واثقة.
في حياتها السابقة، عثرت إليز على إيفان اعتمادًا على هذا السجلّ تحديدًا.
وقد سمعت ذلك منها شخصيًا، لذا لم تشكّ في صحّته.
وللأسف، توفّيت الخادمة بعد يومين من الولادة بحمّى النفاس، وأُودِع الطفل في ميتم مارتشي.
“فما رأيك، هل وُلِد في قلبك الآن استعدادٌ للزواج منّي؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 6"