4 - الهجوم الاول
استمتعوا
اتّسعت عينا ويندي وهي تحدّق في سيسيليا، ثم ما لبثت أن أطلقت ضحكةً خفيفة.
“آنستي… يبدو أنكِ متوتّرة جدًا؟“
أومأت ويندي برأسها وكأنها تتفهّم الأمر.
لكن سيسيليا كانت في غاية الارتباك حقًا.
تنحنحت ثم سألت من جديد.
“إذًا… كم عمري الآن؟“
“ماذا؟ اثنان وعشرون سنة، أليس كذلك!”
“اثـ… اثنان وعشرون؟“
كان عمرها قبل موتها سبعًا وعشرين سنة.
سارعت سيسيليا إلى تفحّص ملامح ويندي.
لم تجد على وجهها أي أثر للمزاح أو الدعابة.
حفل زفافها من إيفان، ويندي، عمرها…
كلما أعادت ربط الخيوط واحدًا تلو الآخر، ازداد وضوح حقيقةٍ واحدة.
“يا إلهي…”
تمتمت سيسيليا بشرود.
لا مجال للشك.
لقد عادت خمس سنوات إلى الوراء.
وعادت تحديدًا إلى ما قبل زفافها من إيفان مباشرة.
‘هل أهرب الآن؟‘
فكّرت سيسيليا بجدية.
ألن يعني هذا أنها ستعيد عيش تلك الحياة البائسة من جديد؟
وفوق ذلك، كان الألم الرهيب الذي ذاقته قبل موتها لا يزال حيًّا في ذاكرتها.
شعرت وكأن هذه اللحظة هي آخر فرصة للفرار.
‘…لا.’
لكنها سرعان ما هزّت رأسها نفيًا.
‘إن هربت الآن، سأبدو مجنونة وحسب.’
لا شيء يثير الفضائح أكثر من عروس تهرب من حفل زفافها.
والأدهى أن الأشرار الحقيقيين هم غيرها، ومع ذلك ستُوجَّه أصابع الاتهام إليها وحدها.
‘سيسيليا. أنتِ تقولين إنكِ تحبينني، أليس كذلك؟ إذًا يمكنكِ أن تحبي طفلي أيضًا؟‘
‘الموت على يد صديقة… أهو اتباع لمصير والديكِ؟‘
انغرست الكلمات التي سمعتها من إيفان وروزينا قبل موتها في صدرها كالسكاكين.
إهاناتها، وحقيقة مقتل والديها…
بعد أن عرفت كل هذا، كيف لها أن تهرب بذلّة وحدها؟
‘إن كان لا بدّ من الغوص في الوحل، فليغرقا معي… إيفان وروزينا، كلاهما.’
نعم.
لم يعد التراجع خيارًا.
ستردّ لهم الصاع صاعين.
قبضت سيسيليا بقوة على باقة الزهور بيدها المغطّاة بقفاز الدانتيل.
****
كان حفل الزفاف المهيب يعجّ بعددٍ كبير من الضيوف.
ورغم أن إيفان من أصولٍ عامّية، إلا أنه كان رجل أعمال شابًا واعدًا.
ولأنه كان شديد الحرص على سمعته، فقد حضر عدد لا بأس به من المدعوّين.
‘هوو…’
وقبيل الدخول، وقفت سيسيليا خلف الباب وأطلقت زفيرًا عميقًا.
ثم علا لحن دخول العروس، وانفتح الباب.
توجّهت أنظار الجميع دفعةً واحدة نحو الممرّ الأبيض.
وبينما كانت تتلقّى تلك النظرات بجسدها كلّه، خطت سيسيليا خطواتها ببطء.
بدأ قلبها يخفق بسرعة متزايدة.
‘تماسكي… لا يجب أن أضطرب الآن.’
كبحت رغبتها الجامحة في الفرار، ورسمت على وجهها ملامح هادئة.
وفي تلك اللحظة، وقعت عيناها على وجهٍ مألوف.
‘…روزينا.’
كانت، كعادتها، تبتسم ابتسامة مشرقة وتصفّق بحرارة.
وإلى جانبها جلس فيكونت أوزبورن وزوجته.
كادت ملامح سيسليا أن تنهار في لحظة.
كادت تصرخ في الحال.
أنهم قتلة.
لكنها عضّت على أسنانها وتحاملت على نفسها.
ذكّرت ذاتها بأنها لا تملك أي دليل بعد، وحاولت تهدئة قلبها.
ومن دون أن تدري بما يجتاح صدر سيسيليا، التقت عينا روزينا بعينيها، فحرّكت شفتيها بلا صوت.
‘مبا… ر… ك.’
حتى هذا المشهد لم يختلف قيد أنملة عمّا حدث قبل خمس سنوات.
‘هاه…’
في الماضي، كانت سيسيليا قد أومأت برأسها وردّت تحيّتها ببراءة.
من دون أن تعلم أن في بطنها طفل زوجها.
‘كم كنتُ ساذجة…’
أدارت سيسليا نظرها ببرود.
توقّفت يد روزينا في الهواء لبرهة بدهشة، لكن سيسيليا كانت قد تجاوزتها بالفعل.
وفي نهاية الممرّ، كان إيفان ينتظرها.
أمسك بيدها ونظر إليها بوجهٍ مأخوذ.
“ليا، أنتِ اليوم أجمل امرأة في العالم.”
همس بخجل عند أذنها.
لو كانت سيسيليا القديمة، لذاب قلبها من هذا المشهد.
لكنها الآن تعلم أن كل ذلك لم يكن سوى تمثيل.
“…”
“ليا؟“
لما لم تجبه، بدا الارتباك على وجه إيفان.
لكن ما إن دخل الكاهن الذي سيتولّى عقد القِران، حتى صرف إيفان بصره تلقائيًا.
وسط أجواء مهيبة، بدأت مراسم نذر الزواج المقدّس.
“إيفان مارتشي، هل تقسم أن تتخذ سيسيليا فانينغ زوجةً لك، وأن تحبّها وتكرمها طوال حياتك؟“
“نعم! أقسم!”
أجاب إيفان دون تردّد، وكأنه كان ينتظر السؤال.
ثم تحوّل نظر الكاهن إلى سيسيليا.
“سيسيليا فانينغ، هل تقسمين أن تتخذي إيفان مارتشي زوجًا لكِ، وأن تحبّيه وتكرميه مدى الحياة؟“
“…”
لكن لم يأتِ أي جواب.
مع امتداد الصمت، التفت إيفان إليها بارتباك، وبدأ الهمس يدبّ بين الحضور.
“انسة سيسيليا؟“
ناداها الكاهن مرةً أخرى.
حينها فقط، فتحت سيسيليا فمها ببطء.
“أنا…”
حبس الجميع أنفاسهم مترقّبين جواب العروس.
“لن أُتمّ هذا الزواج.”
في لحظة، تجمّد المكان كلّه أمام هذا الردّ الصادم.
تشوّهت ملامح إيفان بالذهول.
أما سيسيليا، فكانت تبتسم بهدوء.
ثم صاحت بصوتٍ واضح ليسمعه الجميع.
“لأن الانسة روزينا تحمل طفل إيفان مارتشي.”
خيم صمتٌ ثقيل على القاعة، وكأن دلوًا من الماء البارد قد سُكب فوقها.
حتى الكاهن، الذي كان يدير المراسم، وقف مشدوهًا لا ينطق.
“لا… ليس صحيحًا!”
انطلق صوتٌ مذعور من مقاعد الحضور.
نهضت روزينا فجأة، ووجهها شاحب.
“ليا! ما هذا الكلام المفاجئ؟ كيف تجرؤين على قول أمرٍ مهين كهذا؟“
“نعم! حتى لو كان مزاحًا، فهذا تجاوزٌ كبير! روزي لم تتزوّج بعد أصلًا!”
تظاهرت روزينا بأنها الضحية البريئة، واغرورقت عيناها بالدموع، ولحق بها إيفان الذي كان عاجزًا عن النطق قبل لحظات.
راح الضيوف ينظرون بينهم في حيرة.
جاؤوا للاحتفال بزفاف، فإذا بهم عالقون في فضيحة عاطفية مدوّية.
أمسك إيفان بذراع سيسيليا محاولًا جذبها إليه.
“سيسيليا، حتى المزاح له حدود“
ضربة!
في تلك اللحظة، رفعت سيسيليا قدمها وركلته بقوة في ساقه.
سقط إيفان على الأرض فورًا، وهو يصرخ متألمًا.
تعالت صرخات الذعر من أنحاء القاعة.
“آه! ما هذا الجنون؟!”
راح يتلوّى على الأرض ممسكًا بساقه.
نظرت إليه سيسيليا بنظرةٍ جليدية.
“أيها الوغد.”
ثم بصقت الكلمة وكأنها قذارة.
نظرت حولها.
كانت القاعة في فوضى عارمة.
إيفان يتدحرج متألمًا، وهمهمة الضيوف تزداد حدّة.
“ليس صحيحًا! أنا لستُ حاملًا! أقسم بالسماء!”
كانت روزينا تنكر الحمل بيأس، محاولةً التخلّص من المأزق بأي ثمن.
‘لن أدعكِ تفلتين.’
ابتسمت سيسيليا بهدوء، وقالت بصوتٍ واضح.
“إذًا، لِمَ لا نتحقّق من الأمر هنا؟ يمكن استدعاء قابلة ماهرة أو طبيب، وسنعرف الحقيقة فورًا.”
“ليا…”
“أليس هذا أمتع من حفل زفافٍ ممل؟“
شحبت ملامح روزينا.
فقد بدأت بالفعل أعراض الحمل بالظهور.
ولو خضعت للفحص، لانكشف الأمر بلا شك.
بل في الحقيقة، كان كل شيء قد انكشف بالفعل منذ لحظة إعلان سيسيليا.
‘كنتُ أنوي إخفاء الأمر وإيجاد زوجٍ بسرعة…!’
توجّهت أنظار الحضور إلى روزينا بنظراتٍ مرتابة.
وبمجرّد مغادرة هذا المكان، سينتشر خبر حملها في أوساط المجتمع بأسره.
وجدت روزينا نفسها محاصَرة، لا تملك مهربًا.
ابتسمت سيسيليا ابتسامة نصر وهي تراقب ارتجافها.
“تنحّي جانبًا.”
تخطّت سيسيليا جسد إيفان الملقى على الأرض، وسارت بثبات خارج القاعة.
لم يعد هناك سببٌ واحد للبقاء.
“سيسيليا! توقّفي!”
صرخ إيفان خلفها، لكنها لم تلتفت.
كان كل ما يشغل تفكيرها هو التخلّص سريعًا من هذا الفستان الذي يشبه القيود.
****
مجمّع سكني من الطوب الأحمر في وسط المدينة.
كان من المفترض أن يكون بيتها الجديد مع إيفان.
لكنها الآن، بعد أن غادرت قاعة الزفاف، جاءت إلى هنا وحدها.
“لم أتوقّع أن أرى هذا المكان مجددًا.”
همست سيسيليا.
كل شيء كان كما تتذكّره من حياتها السابقة.
ترتيب الأثاث، لون الستائر، حتى رائحة الغبار الخفيفة المنبعثة من الأرضية الخشبية القديمة.
“هوو…”
نظرت حولها سريعًا، ثم بدأت بترتيب أغراضها.
لم يكن هناك الكثير مما يستحق الحمل.
فمعظم ما في هذا المنزل كان من مقتنيات إيفان، التي تفاخر بتأمينها.
وبما أنها لم تكن سوى شقةٍ رخيصة بأثاثٍ زهيد، فلم تشعر بأي ندم.
‘لكن هناك شيء واحد لا بدّ من أخذه.’
فتحت سيسيليا الدرج الصغير في طاولة الزينة، وفتّشت في عمقه.
ثم أخرجت صندوقًا صغيرًا علِق بطرف أصابعها.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
Chapters
Comments
- 5 - راينر هايز منذ 18 ساعة
- 4 - الهجوم الاول منذ 18 ساعة
- 3 - الخيانة منذ 18 ساعة
- 2 - الخيانة منذ 18 ساعة
- 1 - المقدمة منذ 18 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 4"