استمتعوا
قال أحدهم من بعيد بصوت حازم.
“مهلاً! الركض هكذا في أرض الصيد أمرٌ خطير!”
ومن الجهة الأخرى، ارتفع صخبٌ واضح.
وعندما أدار رأسه، رأى إحدى الخادمات تركض يائسةً نحوه.
“أنتِ….”
اقتربت حواجب راينر من بعضها حين تعرف على ويندي فورًا.
“سمو الدوق! أرجوك ساعدني!”
ركعت ويندي تقريبًا على الأرض كأنها تتوسل، وكان مظهرها فوضويًا تمامًا، فقد تشوش شعرها وخلع أحد حذائها.
“ما الذي حدث هنا؟“
أجابت وهي تلهث.
“سيدتي… لقد أمسكت بها السيدة الكبيرة مع رئيسة خادماتها والخادمات وسحبوها!”
“…ماذا تقولين؟“
فور سماع تلك الكلمات، شعر راينر كما لو أن دماء جسده بردت فجأة.
لم يكن ثمة حاجة لسماع المزيد.
في لمح البصر، أدار راينر حصانه وانطلق مسرعًا.
“سمو الدوق! إلى أين تذهب؟!”
سمع صوته هاري من الخلف وهو يصرخ بدهشة، لكن راينر لم يلتفت.
وخبطت حوافر الحصان الأرض، فارتفع الغبار من حوله.
وبسبب سرعته الهائلة، تفاجأ المشاركون الآخرون وسحبوا زمام خيولهم ليقفوا.
ومن بينهم، اندفع حصانُ راينر كالسهم يشقّ طريقه عبر الغابة.
كان نظرُ راينر، الممتطي صهوة جواده، غارقًا في برودةٍ لا حدّ لها
‘كيف تجرؤ، تلك المرأة…’
وحين تخيل ما يمكن أن تكون القاسية إليز قد فعلته بسيسيليا، انفجر الغضب في داخله كأن الدم يغلي.
قبض راينر على زمام الحصان بإحكام أكبر وأسرع، وكل ما يدور في ذهنه الآن هو إنقاذ سيسيليا.
****
“ما هذا الصخب؟“
مزق صوت منخفض وبارد أجواء الغرفة.
تزامن توجّه أنظار سيسيليا وإليز نحو الباب.
وإذا براينر يقف أمام الباب المفتوح على مصراعيه.
“أبعد تلك الأيادي عن زوجتي.”
“راينر!”
استغلت سيسيليا تراجع قبضة مارجريت والخادمات، فاندفعت بسرعة لتفلت منهن.
وجرت نحو راينر، وكانت فرحتها به في تلك اللحظة لا توصف.
“ما هذا بحق الجحيم….”
وقف راينر شامخًا، محافظًا على سيسيليا خلفه وكأن يحميها، وتقدّم خطوة تجاه إليز.
وتراجعت الخادمات المذهولات بخطوات سريعة، تاركات الغرفة.
أمعن راينر النظر في الصندوق المفتوح والحبوب المتبقية، ثم في يد إليز ببطء.
كانت ملامحه هادئة، لكن عروق جبينه كانت بارزة من شدة التوتر.
“هل كنتِ تنوين تسميم الدوقة في دوقيتنا؟“
وعلى الرغم من اقترابه، لم ترمش إليز حتى بعين واحدة.
“تسميم؟ يبدو أن هناك سوء فهم. هذا مجرد دواء لمنع الحمل، ليس أكثر.”
“…ماذا تقولين؟“
“إنه من أجل إيفان، فاستوعب الأمر.”
كانت إليز بوقاحة مذهلة، فتأرجح يد راينر قليلًا من شدة الانفعال أمام جرأتها.
“لقد اعتدت على الكذب منذ طفولتك. وحتى قولك بأنك ستجعل إيفان وريثًا، لم أستطع تصديقه، لذلك سأتخذ إجراءً بطريقتي.”
“…ها.”
انفجر من فمه ضحك قصير.
فلم يكن بإمكانه تجاهل ما قالته، إذ استحضرت تلك الكلمات ذكريات طفولته، حين كانت إليز تمنعه من الطعام لأيام.
‘هل أنت جائع؟‘
‘نعم… جائع…’
‘إذن تناول هذا.’
وقدمت له إليز لحمًا فاسدًا.
نظرت إليه بدهشة، وقالت بسخرية.
‘لماذا؟ تقول إنك جائع، أم كنت تكذب مرة أخرى؟ وهل ستصبح مثل أمك الدنيئة؟‘
وفي النهاية، تلقى راينر ضرباته كعادته، وكانت هذه الأيام عديدة لا تُحصى.
تداخلت ذكريات تلك الأيام مع اللحظة الحالية.
“إذا كنت صادق بشأن توريث إيفان لللقب، سلّمه الآن فورًا، وإلا أعطِ زوجتك هذا الدواء.”
“…”
“ما الأمر؟ أتعجز عن ذلك؟ أرأيتَ؟ في النهاية أنت لا تختلف عن أمّك التي احترقت حيّة، لا تملك سوى لسانٍ طويل—”
توقفت سخريتها فجأة، إذ فقد راينر صبره وأمسك برقبتها بقوة.
“راينر!”
“سيدتي الكبرى!”
صرخت سيسيليا ومارغريت معًا، لكن راينر لم يلتفت، وأحكم قبضته على إليز وجذبها بقوة.
كانت عيناه تمتلئ بالغضب الشديد.
“أيتها العجوز القذرة الحقيرة.”
“أنتَ… أنت… تجرؤ…!”
تنفست إليز بصعوبة وهي تحاول مقاومة، لكن راينر لم يبدُ متأثرًا على الإطلاق.
قال راينر بصوتٍ جامدٍ وقاتم.
“هذه النفس السامية، سأقطفها أنا هذا الوضيع بنفسي.”
“أنت، أنت! إذا فعلت شيئًا كهذا—!”
“ما المشكلة إذن؟“
ابتسم راينر ابتسامة حادة، لكن في عينيه الوحشتين لم يكن هناك أدنى أثر للضحك.
“أنتِ أعلم من أي شخص آخر أن هايز لا يجد صعوبة في قتل إنسان، أليس كذلك؟“
كان صوته يفيض بالغضب وكأن الحياة نفسها تتصاعد فيه.
ارتسم الرعب على وجه إليز.
في تلك اللحظة، اقتحم هاري الغرفة، فاتحًا الباب بخطوات مسرعة.
“سمو الدوق!”
امتلأ وجه هاري بالدهشة، وأمسك المساعد المخلص بسرعة بذراع سيده بسرعه.
“اهدأ، بسرعة! هذا سيؤدي إلى كارثة حقيقية!”
لكن كلامه لم يثنِ راينر، الذي شد قبضته على إليز بقوة متزايدة.
وامتلأ وجه إليز بالحمرة الداكنة.
“راينر!”
حينها، وصل صوت صافٍ وواضح إلى أذنيه، ومعه لمسة لطيفة تمسك بذراعه.
استدار ليجد نظرة مليئة بالقلق تنظر إليه.
“راينر، أرجوكِ، اهدأ، حسناً؟“
فبصوت سيسيليا وحده، بدأت قوة قبضته تتلاشى تدريجيًا، وشعر بالاستقرار يعود إليه من مجرد وجودها، كما لو كان قد حدث ذلك من قبل.
“السيدة الكبرى!”
وفي تلك الأثناء، أسرعت مارغريت بسحب إليز بعيدًا.
“هل أنتِ بخير؟“
أطلقت إليز شرارات من الغضب مصحوبة بسعال متقطع.
“كُو، كُو…!”
“أنت… لن أدع ما حدث اليوم يمرّ مرور الكرام! سأستدعي التابعين حالًا لانتزاع لقبك—”
“كفى.”
تصدت سيسيليا بين إليز وراينر، ممسكة بالصندوق الذي كان على الطاولة.
“يجب أن تمر هذه المسألة بهدوء، وإلا سأحمل هذا الصندوق مباشرة إلى القصر الإمبراطوري.”
“ماذا تقولين؟“
“سأبلغ جلالة الإمبراطور أن السيدة الكبرى أساءت معاملة راينر منذ صغره، وحاولت إجبارِي على تناول هذه الحبوب.”
“هل تجرئين الآن على تهديدي؟!”
اقتربت إليز من سيسيليا، وعضت على أسنانها، محاولة ترهيبها.
“من سيصدق كلامك؟ أنا—”
“سنرى ذلك!”
حدقت سيسيليا في عينيها متحدية، دون تراجع.
“سأكشف للناس عن وجود والدتي الحقيقية، السيدة ماريانا. ألن يثير ذلك ضجة كبيرة؟“
لحظة نطق الاسم المحظور جمدت الغرفة بأكملها، لكن سيسيليا لم تتوقف.
“وعندما يُكشف أنكِ أسأتِ معاملة الدوق لمجرد أنه لم يكن ابنك البيولوجي، فلن تتمكني من الإفلات من اللوم مهما كنتِ والدته.”
“أنتِ…!”
هززت إليز بعصبية يدها وهي تشير، متعثرة بسبب كلام سيسيليا.
“آه…”
ساعدت مارغريت إليز على الثبات، بينما أصدرت الأخيرة أنينًا من الألم واضعة كفها على جبينها.
لكن سيسيليا، بنظرة ثابتة وباردة، لم تزل تتأمل إليز بلا خوف.
‘في حياتي السابقة كانت دائمًا هكذا حين تضيق عليها الأمور.’
خصوصًا عندما كان راينر حاضرًا، كانت الأمور تزداد سوءًا، فتتلقى الدعم المذهول حينها.
‘حسنًا. لا حاجة لمزيد من السيطرة.’
كانت إليز، بعد رحيل راينر، تقف بثبات على قدميها كما لو لم يحدث شيء.
وفي اليوم التالي، كان طوفان اللوم والانتقاد يتدفق على راينر لتقصيره في إظهار الاحترام لأمه، وفق أسلوب إليز الدائم لعزله عن العائلة والمجتمع.
لكن هذه المرة لن تدع الأمور تسير حسب رغبتها.
“السيدة الكبرى، دعينا أولًا إلى هنا…”
رافقت مارغريت إليز إلى السرير، مغلقة عينيها وتئن، بينما كانت سيسيليا، وهي تراقب المشهد بهدوء، تخطو عمداً على طرف فستان إليز وهي تمر بجانبها.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 38"