استمتعوا
كان إيفان يقلّد طريقة النبلاء في الحديث ويتبختر متعاليًا.
رفع ذقنه حتى أقصاه متصنّعًا الزهو، غير أنّ في هيئته شيئًا من الركاكة وعدم الإتقان.
ومع ذلك، لم يتغيّر لون وجه الخادم، بل انحنى باحترام جمّ.
“إنّ سعادة الدوق يتفقّد الإقطاعية في هذه الأثناء. وقد قال إنّه سيلقاك فور عودته، وحتى يحين ذلك سنحرص على ألا يصيبك أدنى إزعاج.”
“أليـ… أليست عمّتي هنا أيضًا؟“
“السيّدة… ما تزال عليلة.”
هزّ الخادم كتفيه كأنّه في حرج.
عندها أومأ إيفان متأخرًا وقد تنبّه للأمر.
فمرضها كان بسبب شاي المخمل، ولم يكن هو بريئًا من ذلك تمامًا.
“إذن لعلّي أزورها للاطمئنان—”
“إنّ السيّدة ترغب في أن تلتقيك وهي في أتمّ عافيتها. نرجو منك تفهّم ذلك.”
رمقه إيفان بنظرة ضجر عند اعتراضه المهذّب.
كان قد بدأ ينظر إليه كأنه تابع من أتباعه.
لكنه ما لبث أن هزّ رأسه في سرّه.
‘إيفان هايز، تصرّف بوقار. أنت الآن من كبار النبلاء.’
إثارة الضجّة في الملحق منذ اليوم الأول لن تجلب له خيرًا.
أومأ متصنّعًا الهيبة.
“حسنًا. سأنتظر.”
“شكرًا لك. إن احتجت شيئًا، فقرع الجرس الموضوع هناك.”
انحنى الخادم انحناءة أخيرة ثم انصرف.
“يا له من مكان…”
تجوّل إيفان وحده، يداه في جيبيه، يتفحّص الملحق ببطء.
من الأرضية إلى السقف، كلّ شيء مشيّد بمواد فاخرة، وكل قطعة زينة تبدو باهظة الثمن.
حتى ليُخيَّل للناظر أنه في القصر الإمبراطوري.
‘إن كان الملحق بهذه الفخامة، فكيف يكون المبنى الرئيسي إذن؟‘
ارتسمت ابتسامة خفيّة على شفتيه، واعتدل في وقفته بزهو ظاهر.
“إيفان!”
في تلك اللحظة اندفعت روزينا من الداخل، وقد احمرّ وجهها من شدّة الحماس.
“ما الذي يحدث؟ لقد أخذوني أنا وجيريمي إلى هنا! يقولون إنك من عائلة الدوق؟ أهذا صحيح؟“
“ها… روزي.”
قالها إيفان بصوت متعالٍ متكبّر.
“كما سمعتِ. أنا ابن الدوق الراحل لهايز.”
“يا إلهي!”
غطّت روزينا فمها بيديها، وتسربت صرخة حادّة من بين أصابعها.
“إذن أصبحنا من علية القوم؟“
“علية القوم؟ روزي، ما الذي تقولينه الآن؟“
أمسك بكتفيها وهي تكاد تقفز من الفرح.
لمعت عيناه وهو يهزّ رأسه بجدّ مصطنع.
“نحن أرفع نبلاء الإمبراطورية! نحن هايز!”
صرخت روزينا بسعادة عارمة.
حملها إيفان بين ذراعيه كما تُحمل الأميرات.
قبل أيام قليلة كانا لا يكفّان عن الشجار، أمّا اليوم فبدا كلٌّ منهما للآخر أعزّ ما يكون.
لفّت ذراعيها حول عنقه، وهي تضحك وتفرك خدّها بخدّه.
‘لقد أحسنتُ حين اخترتُ إيفان!’
تعلّقت به أكثر، وشعرت أنّ حبّها له قد تجدد.
‘سيسيليا، آسفة، لكنني سأحصل على كل هذا. شكرًا لأنكِ انسحبتِ من تلقاء نفسك!’
تخيّلت سيسيليا تضرب الأرض ندمًا حين تقرأ الخبر، فشعرت براحة غامرة.
كانت واثقة كلّ الثقة أنّ طريقها مع إيفان لن يكون بعد اليوم إلا مفروشًا باليسر والنجاح.
***
“آه، ما أشدّ الملل.”
اهتزّت الستائر الرقيقة في ملحق منزل الدوق بفعل نسيم تسلّل من النافذة.
كان إيفان متمدّدًا على الكرسي، يهزّ ساقيه بملل ظاهر.
“متى سيأتي الدوق أصلًا؟“
تمتم وهو يحدّق عبر النافذة.
لم يمضِ سوى يوم واحد، لكنه بدأ يضيق ذرعًا بعدم لقائه.
“وأنا كذلك، سئمت حقًا.”
كانت روزينا مستلقية على الأريكة تعبث بأظافرها، وبجانبها طارة تطريز ملقاة بإهمال عند قدميها.
قطّب إيفان جبينه حين رآها.
“ألا تعتنين بالطفل وتكتفين بالتسكّع؟“
“هناك خادمات، فلماذا أفعل أنا ذلك؟“
“عجبًا، وهل تُدعين نفسك أمًّا؟“
هزّ إيفان رأسه، مستندًا بيديه المتشابكتين إلى مؤخرة رأسه.
لكنه لم يكن قلقًا حقًا على ابنه.
فإن كان من دم الدوق، فستتكفّل الخادمات بتدليله على أي حال.
ما كان يشغله أمر آخر.
“متى سندخل المبنى الرئيسي؟“
تمدّد الاثنان يتذمّران في آن واحد.
وفجأة فُتح الباب.
“أستأذن بالدخول.”
“أنت…!”
اتّسعت عينا إيفان حين رأى هاري يدخل بحذر.
عادت إلى ذهنه آخر مواجهة بينهما.
‘إن تماديتَ مرة أخرى، فسيتدخّل الدوق بنفسه.’
لم ينسَ وجه هاري حين أعاد شاي المخمل ساخرًا.
كانت تلك الحادثة بمثابة نذير شؤم له.
نهض إيفان من مكانه وتقدّم نحوه.
“ومن أرى هنا؟ أكنتَ من خدم منزل الدوق، أليس كذلك؟“
رغم سخريته، اكتفى هاري بخفض رأسه بصمت.
ابتسم إيفان ابتسامة خبيثة.
“ما العمل الآن؟ من الآن فصاعدًا عليك أن تنحني لي وتطيع أوامري.”
“…”
“لأنني هايز. مختلف عن أمثالك.”
راح يدفع رأسه بإصبعه دفعًا خفيفًا.
اقتربت روزينا بفضول.
“من هذا يا إيفان؟“
“صبيّ كان يظن نفسه أعلى مني حتى وقت قريب.”
ضحكت روزينا باستهزاء، فازداد إيفان تيهًا وزهوًا.
“أيها الوغد.”
أمسك بياقة هاري بعنف، وقرب وجهه منه مهددًا.
“لم تتوقع هذا وأنت ترمي شاي المخمل، أليس كذلك؟ لم أنسَ وجهك المتعجرف.”
“هـ، هذا التصرف—!”
وقبل أن يتمّ هاري كلامه، دوّى صوت منخفض صلب في أرجاء الغرفة.
“كفى.”
دوّى صوت منخفض صلب في أرجاء الغرفة.
التفتوا، فإذا براينر واقف عند عتبة الباب.
اتّسعت عينا إيفان دهشةً.
‘ذلك الرجل!’
لم يكن بحاجة إلى تفسير؛ فمن النظرة الأولى يُدرك المرء أنه دوق هايز.
تقدّم راينر بخطوات هادئة، ووجهه متجمّد القسمات، حتى بلغ إيفان.
وثبّت نظره على يد إيفان التي ما تزال قابضةً على ياقة هاري.
“ما الذي تفعله الآن؟“
“نعم؟ أنـ، أنا… ذلك….”
تحت وطأة هيبته، أفلت إيفان هاري على عجل.
سعل هاري سعالاً خافتًا ثم وقف خلف راينر.
“إ، إن الأمر، أقصد—”
“هذا منزل دوقية هايز. منزلي.”
قطع راينر تبريره بلهجة حازمة.
“هاري رجل يعمل لأجلي. وآمل ألا تُسيء معاملته مرة أخرى.”
“نعم… أعتذر.”
تحت ضغط تلك الهالة الطاغية، انحنى إيفان من تلقاء نفسه.
‘يا له من رجل بائس.’
لمع في عيني راينر ازدراء وهو ينظر إلى إيفان الذليل.
وخطر بباله أن سيسيليا كانت قد عزمت يومًا على الزواج من مثل هذا الرجل، فبدت له حقًا امرأة مدهشة.
‘واو….’
أما روزينا، فكانت من جانبها ترمق وجه راينر خلسة.
من كان يظن أنها سترى راينر هايز عن قرب هكذا؟
وعند مواجهته مباشرةً على هذا القرب، بدا أبهى بكثير مما سمعت عنه.
“تـ، تشرفت بلقائك، سعادة الدوق. أنا—”
“هاري، أحضر ما أعددته.”
خطت روزينا خطوة إلى الأمام، لكن راينر أدار رأسه متجاهلًا تحيتها.
لم يكن نبلاء ليستيا يعاملون السيدات قطّ على هذا النحو.
“……!”
احمرّ وجه روزينا خجلًا من تلك الإهانة الصريحة.
غير أن راينر لم يُعرها أي اهتمام.
فلم يوجّه إليها حتى نظرةً واحدة، بل أومأ برأسه قليلًا نحو إيفان وحده.
“إيفان، أودّ أن نتحدث نحن الاثنان.”
“نـ، نعم؟ نعم! بالطبع، ينبغي ذلك!”
كان شاردًا، فلم يدرك مقصده إلا متأخرًا، فأخذ يهزّ رأسه على عجل.
ثم نكز روزينا في خاصرتها.
“هيا، لدينا حديث مهم بين الرجال، فاخرجي الآن. واعتني بجيريمي أيضًا.”
“أنتَ….”
حدّقت روزينا فيه وعضّت شفتيها بشدة.
لقد أُهينت أمام عينيه، ومع ذلك لم يُبدِ زوجها أدنى رغبة في قول كلمة واحدة دفاعًا عنها.
كانت تودّ لو تصرخ في وجهه، لكن الطرف الآخر هو دوق هايز، فلم تجرؤ.
وفي النهاية، قدّمت تحيةً متكلفة نحو راينر.
“إذ، إذن سأستأذن—”
“اجلس هناك.”
ومع ذلك، لم يلتفت راينر إليها حتى النهاية.
ارتجفت روزينا من شدة الإذلال وخرجت من الغرفة.
وفي الأثناء، جلس راينر وإيفان متقابلين إلى الطاولة.
ألقى إيفان نظرات خاطفة يتفحّص بها راينر.
‘كما سمعتُ، وجهه حسن حقًا.’
كان يظن نفسه وسيمًا إلى حدٍّ لا بأس به، لكن راينر كان في مرتبة أخرى.
وبالطبع، لم يُرد إيفان الاعتراف بذلك.
‘حسنًا، لعلّ السبب أننا من الدم نفسه… يبدو أنه يشبهني قليلًا.’
وبينما كان غارقًا في هذا الوهم السخيف، أومأ راينر بخفة نحو الخلف.
فتقدّم هاري على الفور وناول إيفان ملفًا من الأوراق.
“ما هذا؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 25"