استمتعوا
هيّأ راينر لِسيسيليا غرفةً للموسيقى.
وكانت سيسيليا، ما لم يشغلها أمرٌ خاص، تمضي وقتها هناك تعزف على البيانو.
ولأنها لم تتلقَّ دروسًا على نحوٍ صحيح، فقد كان عزفها في البداية متعثّرًا.
غير أنّ المواظبة على التدريب جعلتها الآن قادرةً إلى حدٍّ لا بأس به على إبراز روح المقطوعة وأجوائها.
وكلما لامست أطرافُ أصابعها الرقيقة مفاتيحَ البيانو، انساب لحنٌ عذبٌ أخّاذ.
‘بهذا القدر… أيمكنني أن أعزفها لراينر؟‘
فقد قال هو نفسه إنه سيترقّب حين أعلنت عزمها على التحلّي بمقوّمات السيدة النبيلة…
وفي تلك اللحظة، توقفت سيسيليا من تلقاء نفسها.
وانقطع اللحن المتدفق برفقٍ فجأة.
‘ما الذي أفكر فيه الآن؟ ولماذا خطر ببالي أن أعزفها لذلك الرجل؟‘
هزّت سيسيليا رأسها وقد انتابها شيءٌ من الحرج.
ثم أخذت تختلق لنفسها الأعذار في ذهنها.
“…إنما هو الامتنان لا غير. فقد أهداني البيانو أيضًا. وليس في إبداء الشكر ما يدعو للاستغراب، أليس كذلك؟“
وبينما كانت تتمتم، سُمِع طرقٌ على الباب.
“سيدتي، إنها ويندي. هل أدخل؟“
دفعت ويندي الباب قليلًا ودخلت، ثم ألقت نظرةً سريعةً حولها قبل أن تقترب من سيسيليا.
“سيدتي، سمعتُ لتوي في الساحة. يقولون إن إيفان مارتشي وروزينا أوزبورن سيتبادلان عهود الزواج في الكنيسة الأسبوع المقبل.”
“عهود زواج؟“
إذن فقد آل الأمر أخيرًا إلى زواجهما.
كان وجه سيسيليا هادئًا، كأنها كانت تتوقع مجيء هذا اليوم.
أما ويندي، التي لم تكن تستسيغ إيفان وروزينا، فقد عقفت شفتيها قائلةً.
“نعم، بطنها كبر كثيرًا، لذا لن يُقام احتفال، وسيكتفيان بإجراءاتٍ موجزة. وبعد الولادة سيقيمون حفل زفاف رسميًا.”
“أحقًا؟ لا بد أن خيبة روزينا عظيمة إذن.”
ابتسمت سيسيليا بسخريةٍ خفيفة.
فمنذ طفولتها، كانت روزينا تقول إنها ستزيّن زفافها بكل أصناف الزهور والجواهر.
‘سأدخل كملكةٍ بين الزهور. سأفرش الممرّ ببتلات الورد، وسأرتدي فستانًا يتلألأ من كل جانب. ولن يستطيع أحدٌ أن يصرف بصره عني.’
وكانت روزينا تتخايل في أرجاء المنزل متبخترةً، متصورةً نفسها بطلة المشهد.
غير أن الواقع لم يمنحها سوى عهودٍ مقتضبة بلا زينةٍ تُذكر.
لم تكن سيسيليا بحاجةٍ إلى أن ترى لتتخيل ملامح روزينا، وجهًا تشوّهت قسماته بخيبةٍ مريرة أمام واقعٍ بائسٍ لا يمتّ إلى أحلامها بصلة.
وكان كل شيءٍ يمضي كما توقعت سيسيليا.
***
“ما هذا…؟“
في يوم تبادل عهود الزواج بين إيفان وروزينا، وصلت روزينا إلى الكنيسة، فرأت داخلها خاليًا من أي زينة، فبدت عليها خيبةٌ لا تخفى.
حتى وإن كان الاحتفال بسيطًا، فقد كانت تأمل أن يُقام بما يليق.
“إيفان، وأين زينة الزهور؟“
“زهور؟ أي زهور…”
أجابها إيفان ببرودٍ فاتر.
لم يكن يعنيه من العهود شيء، بل كان يريد إنهاء الأمر سريعًا.
لكن روزينا لم تكن كذلك.
“ما دام الكاهن لم يصل بعد، فلا يزال لدينا وقت لنفرش الممرّ ببتلات الورد على الأقل—”
“آه، روزي.”
مرر إيفان يده في شعره وهو يزفر بانزعاج.
“أنسيتِ؟ لقد خسرتُ ثلاثة آلاف كرون. لا مال لديّ لأنفقه على الزهور.”
“لكن اليوم يومٌ مهم لنا. إنه اليوم الذي نصير فيه زوجًا وزوجة رسميًا.”
عبس إيفان في وجهها.
‘ولهذا تحديدًا أكرهه.’
غير أنه لم يستطع البوح بذلك.
فقد وقعت عيناه على زوجي الفيكونت أوزبورن الجالسين خلف روزينا.
وكان امتعاضهما من بساطة المراسم ظاهرًا.
ولو بدأت روزينا بالتذمّر أيضًا، لطال العتاب ساعات.
“أم… روزي. ما أعنيه هو…”
قالها إيفان وهو يستجمع ما تبقى من صبره.
“هذا أشبه ببروفة لا غير.”
“بروفة؟“
“نعم. سنقيم حفلًا حقيقيًا بعد ولادة الطفل. حينها يمكنك أن تفعلي كل ما تشتهين.”
“هممم…”
لم يكن قوله إلا مخرجًا آنيًا، لكن ما بلغ أذن روزينا كان. ‘يمكنك أن تفعلي كل ما تشتهين.’
وقد راقها ذلك.
‘نعم، إيفان مغرمٌ بي حتى الثمالة. إنني أحسن اختيار الزوج.’
فلتكن اليوم إذن سخيةً معه.
داعبت بطنها وسألته.
“لكن لا بد أنك أعددت هديةً تُسعد سيدةً مثلي؟ خاتم زواجنا، ذاك الذي وعدتني أن يكون بأكبر ماسة، لم تنسه، أليس كذلك؟“
غمزته بمرفقها وعيناها تتلألآن ترقبًا.
“آه، نعم. بالطبع أعددته.”
أخرج إيفان علبةً صغيرة من جيبه.
وفي داخلها خاتمٌ تتوسطه ماسةٌ كبيرة نسبيًا.
أشرقت عينا روزينا بطمعٍ واضح.
“يا إلهي، أتحب الزواج بي إلى هذا الحد؟ إنه رائع!”
“هاها… ما دمتِ سعيدة، فأنا سعيد…”
لكنها لم تعلم أن العرق البارد كان يتصبب من ظهره.
‘…لقد انطلت عليها الحيلة، أليس كذلك؟‘
فالخاتم لم يكن إلا ماسةً مزيّفة، صنعها حرفيٌّ بارع بإتقانٍ بالغ.
لم يُقدم على ذلك إلا لأن روزينا ألحّت كثيرًا.
زواجٌ لم يكن يرغبه أصلًا، فكيف يُنفق عليه ثروة؟
‘يكفي أن تبدو ماسةً عند النظر.’
فهي خاتم زواج، لن تُباع، ولا يُخشى افتضاح أمرها.
ثم إن روزينا غارقةٌ في نشوتها.
وقد ازداد مزاج إيفان صفاءً، إذ وفّر تسعة أعشار الثمن.
‘حقًا، إنني عبقري.’
وبعد وقتٍ قصير، زاره حظٌّ آخر.
***
“أسمعتِ بقصة الشاي المخمل؟“
“آه، ذاك القادم من القارة الشرقية؟ حديث المجالس هذه الأيام!”
“يُقال إن بشرة الكونتيسة سنودن أصبحت ناعمةً بعده كالمخمل.”
اجتاح مجتمع بريسن هوسٌ بشايٍ يدعى ‘شاي المخمل‘ قدم من القارة الشرقية.
في البداية انقسم الناس حول نكهته الفريدة، لكن شيوع خبر أنه يُنعّم البشرة كالمخمل رفع شعبيته ارتفاعًا صاروخيًا.
وأول من أدخله إلى ليستيا كان إيفان مارتشي.
بل وسارع إلى احتكار حق توزيعه فيها.
“سيدي! هذه طلبات اليوم.”
سلّمه الموظف قائمةً تعجّ بأسماء الأسر النبيلة.
وكانت الكمية المستوردة قد نفدت بالفعل، والسفينة التالية تصل الأسبوع المقبل، لكن الطلب يفوق المعروض بكثير.
“رائع! الأمور تسير على أحسن ما يكون.”
ابتسم إيفان ابتسامةً واثقة.
في الحقيقة، لم يعرف عن هذا الشاي إلا مصادفة.
فبعد زواجه وانتقاله إلى منزل أوزبورن، كان يخرج كثيرًا بحجة العمل.
وكان أكثر ما يقصده شارع ليستيا الثاني والستون، شارعٌ يضجّ باللهو والمجون حتى مُنع الأطفال من المرور فيه.
وكان يرتاد متجرًا تعمل فيه فتاةٌ بشعرٍ بيج وقامةٍ طويلة وملابس جريئة.
ومع تباهيه وشرائه لها خمرًا فاخرًا، تقاربا وتبادلا الأحاديث.
‘لوسي، ما سرّ بشرتك الناعمة؟‘
‘أوه، حقًا؟ هذا سرٌّ لا أبوح به إلا لك يا سيد إيفان…’
ومنها سمع بخبر شاي المخمل.
‘في المرة القادمة سأهديها أقراطًا من الياقوت عربون شكر.’
أهدى زوجته خاتمًا مزيفًا، ويفكر في شراء جوهرةٍ حقيقية لامرأةٍ أخرى.
وفي قرارة نفسه كان يبتغي ما هو أكثر.
‘ولِمَ لا نقضي وقتًا ممتعًا كذلك…’
ابتسم ابتسامةً ماكرة وهو يستحضر صورة لوسي التي تذكّره بغزالةٍ ما، وإن كان ينقصها أن تكون عيناها خضراوين.
“سيدي.”
أعاده الصوت إلى الجدية.
دخل الموظف توماس.
اعتدل إيفان في جلسته متصنعًا الوقار.
“ما الأمر؟“
“وصلنا اتصال من منزل الماركيز بليك. يعرضون زيادة خمسين بالمئة إن خصصنا لهم حمولة السفينة القادمة كاملة.”
“ماذا؟ حقًا؟“
لمع بصره طمعًا.
ونهض واقفًا.
“ماذا نفعل؟“
“نقبل فورًا. دون تردد!”
“لكن هناك طلبات مسبقة—”
“دَعْهم ينتظرون! المحتاج هو من ينتظر.”
لوّح بيده بتعالٍ.
فمن أراد شاي المخمل في ليستيا، مرّ عبره لا محالة.
وكان شعور تحكّمه بالنبلاء لذيذًا.
‘…بل لا.’
بل هذه هي اللحظة التي ينبغي أن يغامر فيها أكثر.
“توماس، ابتداءً من الأسبوع المقبل، شغّل سفينتين شراعيتين إضافيتين.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 19"