استمتعوا
“ينصّ قانون ليستيا على فرض غرامات باهظة أو بالأعمال الشاقة على من يتذرّع بمكانته الاجتماعية ليعتدي على غيره أو يمارس عليه التعذيب والإيذاء.”
وبالطبع، كان هذا قانونًا قائمًا اسميًّا لا غير، ونادرًا ما طُبِّق فعليًّا داخل المجتمع الأرستقراطي.
فغالبًا ما كان الضحايا يلوذون بالصمت خشيةً على سبل عيشهم مستقبلًا.
غير أن هذه المرة كانت مختلفة.
وحين تنبّهت سيسيليا إلى مقصود راينر، رفعت رأسها بعينين لامعتين.
“إذا قدّمنا لهم العون، فلن يبقى ما يمنعهم من رفع دعوى ضد أسرة أوزبورن، أليس كذلك؟“
ابتسم راينر ابتسامة رضا، وأومأ برأسه.
“أخبريهم بذلك. فليقولوا ما يشاؤون، ويفعلوا ما يريدون. وباسم دوق هايز، سأضمن لهم وظيفةً تالية.”
****
“ويندي! أيتها الحقيرة! أين اختفيتِ؟!”
بعد أيام من إعادة لقاء سيسيليا بويندي، أخذت تريشا أوزبورن تقلب أرجاء القصر رأسًا على عقب منذ الصباح الباكر.
الطهي، والتنظيف، وغسل الملابس.
كانت تفتّش كل زاوية في المنزل وتُمعن في تعذيب الخدم، وكأن ذلك طقسها اليومي ومصدر متعتها.
وكانت تشعر بلذة غريبة كلما رأتهم يرتجفون أمامها.
لكن شيئًا ما بدا غريبًا هذا اليوم.
“أنتِ! تعالي إلى هنا فورًا!”
“…….”
في العادة، كان الخدم يهرعون خافضين رؤوسهم عند سماع صوتها، غير أن أحدًا لم يظهر.
الممرات التي كانت تضجّ بخطوات الخادمات المتسارعة بدت صامتة على نحو مريب.
“أين ذهب الجميع بحق الجحيم؟“
ازداد ضيق تريشا، فأخذت تهزّ الجرس بلا توقف.
ورغم الرنين الحادّ المتواصل، لم يأتِ أحد.
“أتجرؤون الآن على تجاهل أوامري؟!”
صرّت على أسنانها ونزلت الدرج بعصبية، عازمةً على ضرب أي شخص يقع في ناظريها بلا رحمة.
في تلك اللحظة، دوّى صوت روزينا من غرفة الاستقبال في الطابق الأول.
“أمي! تعالي إلى هنا حالًا! بسرعة! لقد وقعت مصيبة!”
“روزي، ما الأمر؟ لا تكونين مريضة، أليس كذلك؟“
هرعت إلى غرفة الاستقبال خوفًا من أن يكون قد أصاب ابنتها الحامل مكروه، لكنها وجدتها واقفة على قدميها دون أذى.
رمشت تريشا بعينيها في حيرة.
“روزي؟“
“أمي، انظري إلى هذا!”
أشارت روزينا بوجهٍ شاحب إلى الطاولة.
كانت مكدّسةً بأوراق بيضاء.
“هذا…؟“
التقطت تريشا ورقة وبدأت تقرؤها، وما لبثت ملامحها أن تشوّهت.
“…استقالات؟ أتقصدين أن الجميع ترك العمل؟!”
“نعم! رئيسة الخدم ماريل، والطاهية جوانا، وحتى إيفي المسؤولة عن الغسيل… أمي، الجميع غادروا!”
“ماذا؟!”
عجزت تريشا عن الكلام من شدة الصدمة.
كيف يمكن لهذا العدد من الخدم أن يرحلوا في اليوم نفسه؟
بل ويتركون خلفهم استقالات لا غير؟
“ما معنى هذا؟! أهناك من حرّضهم؟ هذا غير معقول!”
“ماذا نفعل يا أمي؟ لديّ موعد مع إيفان اليوم! من سيهتم بمظهري؟!”
دبّت روزينا بقدميها غيظًا.
شعرت تريشا وكأن الدنيا تدور بها.
“ما هذه الجلبة منذ الصباح؟“
دخل في تلك اللحظة الكونت كلاود أوزبورن مرتديًا ملابس النوم.
يبدو أن الضوضاء وصلت حتى غرفة نومه في الطابق العلوي.
جلس على الأريكة بوجه متجهم ونقر لسانه بضجر.
“حتى ماء الغسيل لم يُحضَّر. كيف تديرين تعليم الخدم أصلًا؟“
“أهذا وقته؟ أهذه هي المشكلة؟!”
“كيف تقولين أهذه المشكلة؟ مهما قلتِ—”
“الخدم الذين يجلبون الماء قد تركوا العمل جميعهم!”
صرخت تريشا بعصبية.
وكعادته، لم يكن لزوجها فائدة سوى إثارة الغضب في أسوأ الأوقات.
فتح كلاود فمه بذهول.
“تركوا العمل؟ لماذا؟“
“وكيف لي أن أعلم؟!”
“إن لم تعلمي أنتِ فمن يعلم؟ ولماذا تصرخين؟!”
بدأ الغضب يتصاعد داخله هو الآخر.
“أمي، قلت لك إن عليّ الخروج اليوم! أحضري لي خادمة واحدة فقط لتصفيف شعري!”
“ومن أين آتي بها وقد رحل الجميع؟!”
“ستجدين واحدة في أي مكان!”
“عنادك هذا!”
ومع وجود روزينا التي ورثت طباع والديها كاملة، أخذت العائلة الثلاثية تتقاذف اللوم والشتائم.
“كفى! لنهدأ ونتناول الإفطار أولًا.”
قال كلاود متنهّدًا، معلنًا هدنة مؤقتة.
لكن أحدًا لم يتحرك.
وخز زوجته بمرفقه.
“ما بكِ؟ لماذا لم تُحضّري الطعام؟“
“ماذا؟ أنا؟!”
استدارت إليه تريشا بوجه مصدوم.
فهي ابنة أسرة بارونية، لم تمسّ المطبخ بيدها قط.
لكن كلاود لم يبالِ.
“أتريدينني أنا أن أطبخ؟ أنا رجل!”
“يا للوقاحة! وما علاقة ذلك—”
وفي تلك اللحظة، نوك! نوك! نوك!
دوّى طرقٌ عنيف على باب القصر.
كادت تريشا تنادي خادمة، ثم تذكّرت أن الجميع قد رحلوا.
“اللعنة! من هذا الوغد الذي يطرق بابنا في هذا الصباح؟!”
تقدّمت نحو الباب بخطوات غاضبة، وتبعها كلاود وروزينا.
وفي أعماقهم، أملٌ خافت بأن يكون الخدم قد عادوا.
لكن…
“صباح الخير.”
كان أمام الباب رجل قصير القامة، يرتدي بدلة أنيقة، ويحمل حقيبة جلدية تحوي أوراقًا.
“فيكونتيسة أوزبورن، الفيكونت أوزبورن، والآنسة النبيلة.”
حيّاهم بنظرات متتابعة وابتسم ابتسامة عريضة لم تصل إلى عينيه.
نظرت إليه تريشا بريبة وسألته بحدّة.
“من أنت؟“
“آه، تأخرتُ في التعريف بنفسي. اسمي أبراهام روكويل. من المحكمة المركزية في بريسن، وقد أُرسلتُ بأمرٍ مباشر من جلالة الإمبراطور.”
“رو، روكويل؟ من أسرة الماركيز روكويل؟“
تجمّدت ملامح تريشا وكلاود معًا.
فأسرة روكويل كانت تخدم الإمبراطور في المحكمة المركزية جيلًا بعد جيل، واشتهرت بتولّي معاقبة الأسر النبيلة.
وكان النبلاء يخشون زيارتهم أشد الخشية.
وبدوره، تغيّر موقف كلاود فورًا.
“ما الذي أتى بالماركيز إلى هنا…؟“
ابتسم أبراهام كمن اعتاد هذا الخوف.
“قُدّمت بلاغات بشأن إساءة معاملة الخدم في هذا المنزل. يجري التحقيق حاليًا، ونرجو تعاونكم بالحضور إلى المحكمة.”
“ماذا؟ إساءة معاملة؟!”
شحب وجه الأسرة الثلاثة دفعة واحدة.
“هذا مستحيل!”
“نحن أبرياء! إنها مؤامرة!”
لكن أبراهام هزّ رأسه بهدوء.
“احتجّوا كما تشاؤون في قاعة المحكمة. دوري يقتصر على التبليغ.”
أخرج من حقيبته وثيقة وقدّمها إليهم.
كانت تتضمن التهم الموجّهة إلى أسرة أوزبورن.
“في حال ثبوت التهم، ستُلزمون بدفع تعويضات للضحايا. وبحسب خبرتي… فرص خسارتكم كبيرة، فاستعدّوا لذلك. سيكون المبلغ ضخمًا.”
“تعويضات؟!”
“نعم. أو تقضون العقوبة في السجن مع الأشغال الشاقة.”
“أهذا كلام يُقال؟! أشغال شاقة؟! كيف لنا أن نفعل ذلك؟!”
بدت تريشا على وشك الإغماء.
“المحكمة لا تأخذ مثل هذه الظروف بعين الاعتبار.”
قال أبراهام ببرود، وأغلق حقيبته.
“إن شعرتم بالظلم، عيّنوا محاميًا وقدّموا استئنافًا. ولا تتأخروا عن موعد التحقيق.”
****
وبالرغم من تعيين محامٍ، كما نصح ماركيز روكويل، سارت الأحداث كلّها ضد أسرة أوزبورن.
فبعد قضية إيفان، لم تكن الأنظار رحيمة بروزينا أصلًا.
ومع ظهور قضية إساءة معاملة الخدم، أخذ الناس يتمتمون.
“لا بد أن الأمر كان فظيعًا.”
وفوق ذلك، وبفضل تدخّل راينر مسبقًا، اتخذ القصر الإمبراطوري موقفًا أكثر تعاطفًا مع الضحايا.
وفي النهاية، أُقِرّت جميع التهم بحق أسرة أوزبورن.
“تُلزم أسرة أوزبورن بدفع ثلاثة آلاف كرون تعويضًا للضحايا.”
“ماذا؟! هذا… هذا غير معقول!”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 14"