استمتعوا
“ماذا؟“
اتّسعت عينا سيسيليا دهشةً عند الكلمات التي أضافها راينر.
ثم انفجرت ضاحكةً بخفة.
“لا أظنّ أن ذلك سيحدث.”
“أهكذا هو الأمر.”
هزّ راينر كتفيه بخفّة.
ومع ذلك، خطرت بباله كلمات هاري التي قالها بالأمس، حين طلب منه أن يحاول التفاهم مع سيسيليا.
‘كلام لا طائل منه حقًا.’
يبدو أن شعوره بالنفور غير المبرّر من عبارة ‘لا تُدخل المشاعر‘ كان بسبب تلك الكلمات تحديدًا.
في تلك اللحظة، أعادت سيسيليا مدّ الأوراق إليه.
“على أيّ حال، سيكون هذا مفيدًا لتهدئة ذهنك. إن لم يكن لديك أيّ اعتراض، فالرجاء التوقيع هنا.”
أشارت أصابع سيسيليا النحيلة إلى أحد أطراف الوثيقة في الأسفل.
رفع راينر ريشة الحبر ووقّع بصمت.
وبينما كان يخطّ اسمه بانسياب، سأل بلا اكتراث.
“حسنًا. ومتى تنوين الدخول إلى القصر؟“
“سأذهب الآن.”
“……ماذا؟“
كاد راينر يُفلت الريشة من يده وهو ينهي التوقيع.
رفع رأسه، فرأى سيسيليا تميل برأسها قليلًا وتسأله.
“هل هناك مشكلة ما؟“
“لم نستعدّ بعد لاستقبال الزوجة.”
“حضرتك؟ هل ما زلت بحاجة إلى استعداد نفسي؟“
“ليس هذا المقصود، بل أعني شؤون القصر. فاستقبال فرد جديد يتطلّب تحضيرات، أليس كذلك؟“
ضحك راينر ضحكة قصيرة، كأن السؤال باغته بسخف، وهزّ رأسه.
في الحقيقة، لم يُحضِر سوى أوراق الزواج، لذا لم يكن مستعدًا لاستقبال سيسيليا فورًا.
ثم إنها آنسة من أسرة نبيلة، ولا بدّ أن لديها متطلّبات كثيرة.
لكن سيسيليا بدت غير مبالية.
“آه، إن كان الأمر كذلك فلا بأس لديّ. في الواقع، همم…… لقد أوشكت نقودي المخصّصة للإقامة في الفندق على النفاد.”
أطلق راينر ضحكةً أخيرًا أمام صراحتها المفرطة.
“لا تقلقي بشأن المال. إن كنت تفضّلين الفندق، فيمكنك الانتقال إلى مكان أفضل في وسط بريسن.”
“أقدّر ذلك، لكنني بخير.”
هزّت سيسيليا رأسها.
وكان لديها سبب آخر يدفعها إلى دخول قصر الدوق في أسرع وقت.
‘أحتاج إلى شخص يتحرّك من أجلي. من داخل عائلة الدوق.’
فبصفتها دوقة، ستكون هناك حدود واضحة لما يمكنها فعله بنفسها.
لذا كانت بحاجة إلى من يتحرّك بمرونة نيابةً عنها.
ولأجل ذلك، كان لا بدّ من التكيّف مع منزل الدوق بأسرع ما يمكن.
فحياتها هذه ستكون مختلفة كثيرًا عن حياتها السابقة.
“ماذا تفعل؟ هيا بنا نذهب.”
ما إن نهضت سيسيليا من مكانها، حتى أدرك راينر أنها قد جهّزت أمتعتها مسبقًا.
ابتسم دون وعي، وهزّ رأسه.
كانت امرأة لا يمكن توقّعها أبدًا.
منذ اقتراحها للزواج التعاقدي، وهي غير اعتيادية أصلًا.
“حسنًا.”
نهض راينر بدوره، ومدّ يده إليها ليقودها.
انسدل شعره الأسود بنعومة على جبينه.
نظر إلى سيسيليا بابتسامة تجمع بين اللباقة والجاذبية.
“أتطلّع للعمل معك.”
****
بعد أيّام قليلة، أُقيم حفل منح اللقب لراينر في قاعة الاحتفالات بالقصر الإمبراطوري.
رحّب معظم الحاضرين بالدوق الجديد، باستثناء شخص واحد فقط.
“ابتسمي قليلًا، سيدتي الكبرى.”
قال راينر ذلك بابتسامة ساخرة وهو ينظر إلى إليز المتجهّمة خلال مأدبة التهنئة.
“……”
عضّت إليز شفتها وارتجفت.
صحيح أن أمر غيلبرت قد أُغلق داخل أسرة هايز، لكنها لم تستطع التأثير في مجريات الأمور مطلقًا.
وفوق ذلك، انتقل لقب الدوقية إلى راينر.
كانت هزيمة كاملة، الأولى من نوعها في حياتها.
كما لم تُحرز أيّ تقدّم في البحث عن حفيدها، فشعرت وكأنها حُوصرت في زاوية لا مخرج منها.
راقب راينر مظهرها البائس برضا، ثم انحنى ببطء وهمس في أذنها.
“قلت لكِ ابتسمي. من يراكِ قد يظنّ أنكِ تنظرين إلى ابن العشيقة التي أُحرقت حتى الموت.”
“مـ، ماذا تقول الآن……؟“
تشوّهت ملامح إليز.
لكنها لم ترفع صوتها، خوفًا من أنظار من حولها.
في تلك اللحظة، اقترب وليّ العهد نيكولاس منهما.
“يا لها من مناسبة، دوق هايز. تهانينا. آه، أرى أن السيدة الكبرى هنا أيضًا.”
“نعم، صاحب السمو. تفضّلوا بالحديث مع الدوق.”
قدّمت إليز تحيّة شكلية لنيكولاس، ثم غادرت المكان بوجه متجمّد.
نظر نيكولاس إلى ظهرها للحظة، ثم ربت على كتف راينر.
“أحتى في يوم حصولك على اللقب، تتلقّى التوبيخ من والدتك؟“
“نعم، فهي صارمة بطبعها.”
ضحك راينر بخفّة أمام مزحة وليّ العهد الذي لم يكن يعرف حقيقة الأمر.
لوّح نيكولاس بإصبعه، ونقر لسانه متذمّرًا.
“هذا كلّه لأنك لم تتزوّج حتى الآن. والآن وقد أصبحت دوقًا، عليك أن تستقبل دوقة في أقرب وقت—”
“لقد تزوّجت منذ فترة قصيرة.”
“……ماذا؟“
اتّسعت عينا نيكولاس دهشةً.
بينما ارتشف راينر رشفة هادئة من الشمبانيا.
وبحركة غير متعجّلة، وضع الكأس على صينية أحد الخدم المارّين، ثم عاد لينظر إلى نيكولاس.
“هي موجودة بالفعل. دوقة هايز.”
عمّ الصمت قاعة الاحتفال للحظة.
وليّ العهد ودوق هايز.
كان الجميع ينصتون خفيةً إلى حديث الرجلين الأكثر لفتًا للأنظار في الإمبراطورية.
لكن خبر زواج راينر هايز كان صادمًا.
ارتسم الارتباك على وجوه النبيلات اللواتي كنّ يترقّبن فرصة للرقص معه.
طَقّ!
“آه، يا إلهي!”
سقطت مروحة من يد إحدى السيدات، ودوّى صوت ارتطامها بالأرض.
وكأنه إشارة، اندفع الناس جميعًا نحو راينر.
“سمو الدوق! أهذا صحيح؟“
“هل تزوّجت حقًا؟ ومتى حدث ذلك؟“
“ومن هي الدوقة؟ ولماذا لم تحضر اليوم؟“
رغم سيل الأسئلة، لم يظهر على راينر أيّ اضطراب، بل اكتفى بابتسامة هادئة.
وحين اكتفى بهزّ رأسه بدل الإجابة الواضحة، ازداد فضول الناس ولهفتهم.
هزّ نيكولاس رأسه وهو يراقب المشهد.
“غريب الأطوار حقًا…….”
***
انتشر خبر زواج راينر هايز سرًّا في أنحاء بريسن، وأصبح حديث الجميع.
كان اسم راينر وحده كفيلًا بإسقاط كثير من النبيلات طريحات الفراش.
لذا كان خبر زواجه دون حفل صدمةً مدوّية.
وبطبيعة الحال، تركزت الأنظار على الدوقة الجديدة.
“يقال إنها أميرة الصحراء. ولم تتقن لغة الإمبراطورية بعد، لذا تتعلّمها في القصر.”
“حقًا؟ أنا سمعت أنها قريبة من جهة عائلة جلالة الإمبراطور، لكنها وُلدت من زوجة غير رسمية، ولذلك لا يظهر اسمها في سجلات العائلة.”
“مهما يكن، ألن نراها قريبًا في أحد الحفلات؟ يا ترى، ما نوع المرأة التي أسرت قلب دوق هايز المتحفظ؟“
وبما أن راينر التزم الصمت حيال زوجته، استمرّت التكهنات بلا انقطاع.
في أيّ حفل أو صالون، كان اسم دوقة هايز حاضرًا دائمًا.
وكان هناك شخص آخر متحمّس لهذا الموضوع أكثر من الجميع.
“عزيزي! عزيزي!”
تقطّب وجه الكونت كلاود أوزبورن، وأطبق الصحيفة بعصبية أمام صوت زوجته الحادّ منذ الصباح.
في تلك اللحظة، دخلت الكونتيسة تريشا أوزبورن إلى غرفة الاستقبال، تحمل صحيفة اليوم.
“عزيزي، هل تعلم من هي الدوقة الجديدة؟“
تلألأت عيناها وهي تشير إلى أحد الأعمدة.
“انظر هنا. يقولون إن ثروة عائلة هايز تكفي لشراء نصف ليستيا. تخيّل، كل هذا أصبح ملكها! يا لها من امرأة محظوظة!”
“تضخيم مبالغ فيه.”
هزّ كلاود رأسه بنفور، ونقر لسانه.
لكن فكرة ثروة عائلة هايز ظلت تلوح في ذهنه.
‘ربما كان عليّ أن أمدّ خيطًا مع عائلة الدوق منذ وقت، وأدفع روزينا إليهم.’
لم يكن راضيًا أصلًا عن إيفان، ابن العامة، فازداد تذمّره.
لم يكن احتمال أن تصبح روزينا دوقة واردًا أصلًا.
ومع ذلك، شعر وكأنه أضاع مالًا من جيبه.
وكانت تريشا تشاركه الشعور ذاته.
“آه، هناك من أمسكت برجل واحد فقط فأصبحت دوقة عظيمة، بينما ذلك الإيفان لا يأتي حتى إلى منزل الفيكونت بحجّة العمل…….”
“أمي! ما العيب في إيفان خاصّتي؟“
اعترضت روزينا بغضب، وقد كانت تستمع بصمت إلى جوارهما.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 11"