كان ذلك نوعًا من الإهانة لم تسمع بمثله قطّ، هي التي عاشت عمرها كلَّه في كنف عائلةٍ نبيلة، لا تعرف سوى الرقيّ والأناقة.
“سـ، سيّدتي!”
“لا تلمسني!”
حاول هاري إسناد إليز وهي تتمايل، لكنها نفضت يده بعنف.
“أليس هذا إجراءً بديهيًا؟“
قال راينر بهدوء، وهو يطوي الصحيفة غير آبهٍ بسلسلة الاضطرابات.
لم يكن في صوته أدنى أثرٍ للاضطراب.
“بوصفي رئيس الأسرة، لا بدّ من صون هيبة منزل الدوقية.”
“ماذا؟ رئيس الأسرة؟ أنت؟“
حدّقت إليز فيه بغيظٍ مكتوم، وقد داست كلماته كبرياءها دهسًا حين أعلن بنفسه أنه رئيس الأسرة.
“لا يمكن أن أُسلِّم لقب الدوق لرجلٍ فاسقٍ مثلك! سأكشف الآن أنك لقيط، وأعزلك في الحال!”
وبانفعالٍ جامح، جرفت إليز بذراعها ما فوق المكتب.
تحطّم محبر الحبر، وانتشرت بقعة سوداء قاتمة على السجادة.
عندها فقط نهض راينر ببطء.
كان وجهه الخالي من التعبير يشي ببرودةٍ قاسية.
تقدّم نحو إليز خطوةً بعد خطوة، على نحوٍ مُهدِّد.
“أنتِ…”
أدركت إليز، على نحوٍ متأخر، كم أصبح راينر رجلًا قويَّ البنية.
لطالما بدا في عينيها طفلًا مزعجًا لا غير.
‘سـ، سيّدتي! أرجوكِ لا تضربيني! سأكون طفلًا مطيعًا… أرجوكِ!’
‘طفل مطيع؟ لا تضحكني! وجودك بحدّ ذاته كارثة!’
لكن راينر الذي يقف أمامها الآن كان أطول منها برأسٍ كامل، شامخ القامة.
لم يبقَ في عينيه أيُّ أثرٍ للخوف الذي كان يكنّه لها في الماضي.
“تفضّلي، حاولي المقاومة ما شئتِ.”
قال راينر وهو يبتسم ابتسامةً لزجة، محدِّقًا بها من علٍ.
لم يكن تعاليه نابعًا من فارق الطول فحسب.
كان يعلم، يقينًا، أنه المنتصر.
“خدم عائلة هايز قد انحازوا إليّ بالفعل. منذ اللحظة التي أخفيتِ فيها موت غيلبرت، انهارت الثقة.”
“مـ، ماذا قلتَ؟“
“لماذا ارتكبتِ فعلًا دنيئًا تعفّ عنه حتى الأراذل؟“
“ها…”
“إن أردتِ العصيان، فجرّبي. إن عرضتِ أمام الناس خاتمة عجوزٍ قبيحةٍ سكرى بالسلطة، فسيكون في ذلك عبرةٌ حسنة.”
تجمّدت إليز، عاجزةً عن النطق أمام سلاطة لسانه الحادّة.
رمقها راينر بنظرة ازدراء أخيرة، ثم استدار نحو النافذة.
“اسحبوا تلك المرأة حالًا.”
ما إن نطق بأمره البارد، حتى اندفع الخدم وأمسكوا بذراعي إليز.
“اتركوني! كيف تجرؤون على لمس جسدي!”
استدار راينر بنظرةٍ جليدية.
كان مشهد إليز وهي تُسحَب جرًّا على أيدي الخدم بالغَ البؤس.
وقف راينر عند النافذة يراقب، فساوره شعورٌ بالفراغ.
بدت له نفسه مثيرةً للسخرية، إذ أمضى ما يقرب من عشرين عامًا يخشاها ويسعى لاسترضائها.
لكن الأمر آنذاك لم يكن بيده.
كان طفلًا صغيرًا، ضعيفًا، لا ينال كفايته من الطعام، يتعرّض يوميًا للإهانات والضرب.
وفوق ذلك…
‘أنقذوني! الباب مقفل! الجوّ حارٌّ جدًّا!’
‘أمّي! أمّي!’
قبض راينر يده بقوة، مستعيدًا جرائم إليز التي لا تُغتفر.
في اللحظة التي شهد فيها موت أمّه بعينيه، تحطّم قلبه تحطّم إلى أشلاء، وانغلق إلى الأبد.
‘ما زال الطريق طويلًا قبل أن أردّ الصاع صاعين.’
لم يكن إبعاد إليز كما تُحمَل الأمتعة كافيًا لإشباعه.
استدار راينر بهدوء.
كان المكتب، الذي عمّه الفوضى قبل قليل، قد عاد مرتبًا بعناية.
“هاري.”
تقدّم المساعد عند نداء سيّده.
وعلى الرغم من الضجّة قبل قليل، بدا وجه راينر صافِيًا على نحوٍ لافت.
لقد حان وقت الاستعداد لوراثة لقب الدوق…
“حضِّر أوراق الزواج.”
“حسنًا، سأباشر فورًا بتحضيرات الوراثة… نـ، نعم؟“
زواج، فجأة؟
شكّ هاري في أذنيه أمام هذا الأمر غير المتوقَّع.
ابتسم بخفّة وهزّ رأسه.
“آه، المعذرة سيدي. لعلّي أسأت السمع بسبب الإرهاق…”
“لا، سمعتَ جيدًا.”
اتّسعت عينا هاري دهشةً.
ألم يكن راينر ينفر من مجرّد ذكر الزواج؟
ثم إنه لم يره يومًا مع امرأة أصلًا.
“ومَن التي ستتزوّجها، يا ترى؟“
“سيسيليا فانينغ.”
“نـ، نعم؟“
شهق هاري لا إراديًا.
ابتسم راينر بخفّة وربت على كتفه.
“ما كلّ هذا الذهول؟ أنت سمعتَ بالأمر قبل أيام.”
“آه.”
تذكّر هاري حينها حديث الزواج التعاقدي بين سيسيليا وراينر.
كان قد نسيه مؤقتًا بسبب فوضى إليز.
‘لا أقصد أن أكون زوجتك الحقيقية. تزوّجني لثلاث سنوات فقط، ثم أرحل بلا شوائب.’
كان اقتراحها الجريء، وهي امرأة رقيقة كالغزال لا يظهر عليها أدنى تهيّب، مثيرًا للإعجاب.
كما أدهشه أنها كانت على درايةٍ بتفاصيل عن ماريانا لا يعرفها إلا القليل.
ومع ذلك، ظلّ قبول راينر لعرضها أمرًا غير متوقَّع.
سأل هاري بحذر.
“إن سمحتَ لي بسؤالٍ جريء… هل ستُقدِم حقًا على هذا الزواج؟“
“ثلاث سنوات من التحرّر من اهتمام الآنِسات غير المتزوّجات.
أليست قيمةً كافية؟“
أومأ راينر بخفّة نحو رزمة الرسائل المتكدّسة على جانب المكتب.
كانت رسائل غزلٍ أرسلتها انسات بريسيل.
بعضهنّ كنّ يبعثن رسالة كلّ يوم، وأخريات تجرّأن على المجيء إلى باب القصر.
“إن كان هذا رأيك…”
كان هاري هو الآخر قد سئم تلك الآنسات المتعلّقات براينر.
رتّب الرسائل فوق المكتب بعناية.
كانت تلك الرسائل، التي كُتبت بجهدٍ كبير، مآلها قريبًا أن تُلقى حطبًا في الموقد.
ألقى هاري نظرةً خاطفة على راينر.
“ومع ذلك، بما أنك ستتزوّج، ألا تحاول أن تحسن العشرة معها…”
“لا.”
قاطعه راينر بصوتٍ منخفضٍ حاسم.
“إن كان لا بدّ من زواجٍ على أيّ حال، فالأفضل أن نأخذ ما نحتاجه وننهي الأمر بنظافة.”
“نعم.”
أطرق هاري رأسه بهدوء.
جلس راينر من جديد إلى مكتبه، وأسند ظهره إلى الكرسيّ وذراعيه معقودتان، وأغمض عينيه بتراخٍ.
طفَت في ذهنه تلقائيًا عينان خضراوان.
سيسيليا فانينغ.
عاد إليه ذلك الشعور الغريب بالضيق الذي انتابه أول مرة جلس فيها أمآمهآ.
“… حسنُ العشرة، حقًا.”
تمتم راينر دون وعي، وهو يقطّب جبينه قليلًا.
توقّف هاري متفاجئًا.
“نعم؟“
“لا شيء.”
فتح راينر عينيه واستقام في جلسته.
عاد وجهه، وكأن شيئًا لم يكن، إلى ملامح راينر هايز التي تنال ثناء الإمبراطورية بأسرها.
“سأحتاجها غدًا فورًا، فابدأ بتحضير عقد الزواج من الآن.”
****
في اليوم التالي.
وبفضل سرعة هاري، أُعدّ عقد الزواج بين سيسيليا وراينر في الحال.
عاد راينر إلى فندق سيمور، وقدّم الوثائق إلى سيسيليا.
“يبدو أنني دوّنتُ جميع البنود اللازمة، لكن ألقِي نظرة بنفسك.”
تناولت سيسيليا الأوراق وشرعت تقرؤها بتأنٍّ.
「 1. يلتزم راينر هايز وسيسيليا فانينغ بالحياة الزوجية مدة ثلاث سنوات من تاريخ العقد.
2. تُمنَح سيسيليا فانينغ، بصفتها دوقة هايز، جميع الصلاحيات، ويُسمَح لها بممارستها بحرية.
3. يلتزم راينر هايز بتبنّي إيفان مارتش خلال ستة أشهر من تاريخ العقد.
4. لا يتدخّل راينر هايز حين تقوم سيسيليا فانينغ بـ‘تهذيب‘ إيفان مارتش وزوجته ‘باسم الأم‘. 」
أومأت سيسيليا برضا.
وكان أكثر ما أرضاها هو البند الرابع الذي اقترحته مسبقًا.
‘تهذيب إيفان وروزينا باسم الأم…’
حتى وهي تقرأه، بدا لها التعبير طريفًا على نحوٍ خاص.
أمسكت سيسيليا بريشة الحبر من جديد.
“هل لي أن أضيف بندًا واحدًا؟“
“ما هو؟“
“يتعلّق بالحالة الذهنية التي ينبغي علينا، أنا وأنت، الالتزام بها خلال هذا الزواج.”
وكتبت في أسفل الصفحة آخر بند.
「 5. لا يُقحِم راينر هايز وسيسيليا فانينغ مشاعرهما الشخصية أثناء تنفيذ العقد. 」
ضاقت عينا راينر قليلًا وهو يقرأ البند الجديد.
فبادرت سيسيليا بالشرح أمام نظرته الملتبسة.
“فالإنسان قد تختلف مشاعره مع الوقت. لكن لا ينبغي للمشاعر الشخصية أن تُفسِد العمل. حين ندوّن ذلك صراحةً، سنفكّر مرةً إضافية كلما طغت العاطفة. على سبيل المثال، إن تشاجرنا…”
التعليقات لهذا الفصل " 10"