1
في صباحٍ تغمره أشعة الشمس الصافية، سأل رجلٌ ذو شعرٍ أسود والذي بدأ كأنهُ يحتجز كل الضوء بعينيْن حزينتين:
“…هل أنتِ متأكدة حقًا أن الأمر لا بأس به؟”
ما انعكس في عينيه الزرقاوين العميقتين كالبحر كان فتاةً صغيرة ذات شعرٍ بلون زهرة القطيفة.
كانت بشرتها سمراء قليلًا، وعيناها الخضراوان الكبيرتان تلمعان بالحياة، وقد هزّت رأسها بابتسامةٍ منعشة يكفي النظر إليها ليشعر المرء بالانتعاش.
“نعم!”
عندما رأى الرجل تلك الابتسامة، اضطربت عيناه.
هل الأمر حقًا على ما يرام؟
أليس ما يفعله هو احتجاز شخصٍ ثمين كهذا بدافع أنانيته؟
أليس يجرؤ على الطمع في شعاع الشمس الذي مرّ عابرًا في حياته القذرة الرطبة كالمستنقع؟
رغم أنه يعلم أنه في النهاية يجب أن يتركها ترحل.
ارتجفت أهدابه الطويلة قليلًا، لكنه كبح مشاعره المضطربة بين الشعور بالذنب والرغبة، ثم فتح فمه ببطء.
“الآنسة ميليسا.”
بشفاهٍ مرتجفة، نطق بالكلمات التي طالما تاق إليها بحذر.
“هل… تتزوجينني؟”
وفي اللحظة التي تحركت فيها يده الكبيرة ببطء ليضع الخاتم في إصبعها البنصر النحيل—
بانغ!
اندلع صخبٌ في الطابق السفلي، وبدأت أصوات أقدام كثيرة تصعد عبر الدرج.
“لا، لا يمكنكم فعل هذا!”
“هذا وقاحة!”
حاول صاحب المقهى أن يمنعهم بشجاعة وهو يرتجف، لكن الفرسان دفعوه بعنف وصعدوا الدرج.
خطوة. خطوة. خطوة.
وفي لحظة، احتل الفرسان الطابق بأكمله بنظامٍ محكم.
وسط الجو المتوتر الذي جعل حتى صاحب المكان ينكمش مرتجفًا، تقدم رجلٌ إلى الأمام.
نظر العجوز ذو القامة المستقيمة، التي توحي بأنه متمرّس في السيف، إلى الرجل الطويل وقال بنبرة مذهولة:
“سيدي الشاب… كنت أشك، لكنني لم أتوقع حقًا أن أجدك في مكانٍ ناءٍ كهذا.”
قال الرجل ذو الشعر الأسود، الذي كان قبل لحظات يحدّق بالفتاة بعطف، وهو ينظر إلى العجوز ببرودٍ تام:
“مر وقت طويل، لينبرتون.”
ثم أضاف:
“تأخرت أكثر مما توقعت.”
“تأخرت؟”
تشوه وجه الفارس العجوز المدعو لينبرتون فجأة.
“لقد فتشنا العالم كله طوال عامٍ كامل! لكن أن نجد الدليل في هذه المدينة المتواضعة؟ عندما قيل إن مظهر الرجل الذي طلب خاتمًا من متجر المجوهرات هنا يشبهك، جئت مسرعًا على أملٍ ضئيل… لكن لماذا أنت هنا أصلًا—!”
قاطعه الرجل الذي دُعي “سيدي الشاب”، واسمه ديميوس، وهو يرفع يده اليسرى.
“هناك شيء يجب أن تعرفه.”
ثم قال بهدوء:
“لقد تزوجتُ.”
“…!”
اتسعت عينا الفارس العجوز الوقور حتى كادتا تخرجان من محجريهما.
ذلك السيد الشاب… تزوج هنا؟
بل ومن هذه المرأة؟
حدّق لينبرتون بحدة في الفتاة التي بدت جميلة لكنها ترتدي ملابس ريفية بسيطة، ثم أدار رأسه بعنف.
“ما الذي فعلته بالضبط، سيدي الشاب؟!”
“الزواج.”
“لم أقصد هذا! قبل كل شيء، الزواج غير المصرّح به باطل—!”
وبينما كان يصرخ، انفتحت أمامه ورقةٌ واحدة ترفرف في الهواء.
كانت استمارة تسجيل زواج مختومة بختم عمدة المدينة المستقلة التي كانوا فيها.
ترك ديميوس لينبرتون المتجمد كالصخر، ثم مدّ يده بأدب نحو ميليسا.
“هل نذهب، زوجتي؟”
“آه، نعم!”
أمسكت ميليسا بيده وتبعته نحو الدرج.
تلقى الفرسان الذين كانوا يحتلون السلم نظرة ديميوس الباردة، فتراجعوا على عجل ملتصقين بالجدران والدرابزين.
وبينما كان الرجل والمرأة ينزلان ببطء بين الفرسان، ظل أحد الفرسان يحدق بهما بذهول قبل أن يستعيد وعيه أخيرًا ويركض نحو لينبرتون.
“سـ… سيدي القائد! ماذا نفعل الآن؟”
“…هاه.”
تنهد لينبرتون أخيرًا بعدما بدا وكأن تحجره قد زال.
وعندما نظر من النافذة، رأى الاثنين يتجهان نحو العربة التي أُعدت لإحضار السيد الشاب.
السيد ديميوس.
وتلك المرأة الغريبة بجانبه.
كان ديميوس وهو يرافقها إلى العربة يحمل تعبيرًا لم يره لينبرتون طوال السنوات الماضية.
ابتسامة دافئة يكسوها ضوء الشمس، ونظرة ناعمة في عينيه.
كان الأمر أشبه—
بالصبي الذي كان عليه في الماضي.
“…على أي حال، أحضروهما.”
نطق لينبرتون بذلك دون وعي ثم ارتجف قليلًا. لكنه سرعان ما رسم ابتسامة مريرة وأغلق عينيه بعمق.
“فهو حلمٌ سينكسر قريبًا على أي حال.”
* * *
“…همم؟”
هممم؟
كنت أتأمل العربة التي تسير بثباتٍ شبه خالٍ من الاهتزاز بدهشة، ثم أملت رأسي وأنا أنظر من النافذة.
بحسب ما أخبرني به ديميوس، فإن عائلته مجرد عائلة نبيلة تمتلك إقطاعية صغيرة ومنزلًا لا أكثر.
لكن—
“نحيّي السيد الشاب.”
عندما رأيت الخدم المصطفين أمام البوابة الرئيسية ينحنون دفعةً واحدة، فتحت فمي من الدهشة.
إذ اتضح أن تلك العائلة ليست سوى عائلة الدوق الأكبر الوحيدة في هذه البلاد.
حينها تذكرت حديثًا قديمًا بيني وبين ديميوس.
‘لدينا فقط إقطاعية واحدة.’
لكن تلك “الإقطاعية” كانت أرضًا شاسعة تكاد تعادل دولة.
‘ولدينا بيت واحد فقط.’
لكن ذلك “البيت” كان قلعة ضخمة لا يمكن احتواؤها بنظرة واحدة.
هل هذا ما يسمونه زواجٌ إحتيالي؟
“يا إلهي.”
وضعت يدي برفق على قلبي الذي بدأ يخفق بسرعة.
هذه أول مرة أتزوج عن طريق الاحتيال… لذلك أشعر ببعض التوتر.
كم شخصًا في حياته قد يتعرض لزواجٍ احتيالي، بل ويُسحب إلى عائلة الدوق الأكبر كما لو أنه خُطف؟
من شدة حماسي لهذه التجربة الجديدة، ضغطت على خديّ المتوردين.
في تلك اللحظة فُتح الباب، ونزل ديميوس أولًا من العربة.
“هل تعطينني يدك؟”
“آه، نعم!”
أمسكت بيده القوية التي كانت تسندني ونزلت ببطء، وفجأة تشققت ملامح الخدم الجامدة.
كانوا ينحنون بدقة كأنها مقاسة بمنقلة، لكن عيونهم اتسعت وأفواههم انفتحت بدهشة.
وبينما كنت أتساءل إن كان هناك خطب ما، قادني ديميوس بابتسامة في عينية ناعمة تكاد تذيب القلب.
“من هنا.”
“آه، حسنًا.”
رفعت طرف تنورتي الطويلة غير المعتادة بيدٍ واحدة وبدأت أمشي مسرعة.
إذن… سأقابل عائلة السيد ديميوس أخيرًا.
شعرت وكأن قلبي سيقفز من صدري.
وأخيرًا، عندما دخلنا من البوابة الرئيسية للقلعة، ظهر أمامي فضاءٌ هائل مزين بالكامل بالرخام الأسود.
“…واو.”
هذه أول مرة أرى مكانًا مدهشًا كهذا.
في الخارج كانت شمس الصيف الحارقة تسطع، لكن داخل القلعة كان الهواء باردًا.
ربما لأن النوافذ كلها مغطاة بستائر سوداء، ولأن القلعة مبنية من جدران حجرية سميكة.
‘إنه منعش.’
يبدو أنهم صنعوه عمدًا مثل مخزنٍ للجليد!
وبينما كنت أعجب باختلاف عائلة الدوق الأكبر فعلًا، انطلق صوتٌ منخفض من أعلى الدرج.
“ديميوس.”
كان صوتًا هادئًا لكنه قوي بما يكفي ليهز القلعة بأكملها، فارتجفت كتفاي دون وعي.
خطوة.
خطوة.
خطوة.
اقتربت خطوات ثقيلة ومهيبة ببطء.
وأخيرًا، عندما رسم الضوء الداخل من الباب خطًا رفيعًا على وجهه كندبة—
“…!”
حبست أنفاسي وأنا أحاول تهدئة قلبي الذي كاد يقفز خارج صدري.
شعر أبيض مرفوع بإحكام، وعصابة سوداء على إحدى عينيها.
ندوب عميقة محفورة في كل جزء مكشوف من جلدها.
ونظرة حادة توحي وكأنها قادرة على قتل من أمامها في أي لحظة.
‘إذن هذه هي الدوقة الكبرى!’
انبهرت بكاريزمتها الطاغية التي لا تظهر إلا في الروايات.
إنها تبدو رائعًة هكذا في الصيف… فكيف سيكون في الشتاء؟
بينما كنت أتخيل والدته بوقار وهي تقف وسط عاصفة الثلج مرتدية معطف فرو سميك—
خرج صوت بارد من فم الدوقة الكبرر المسنة.
“ديميوس.”
كان صوتها الخشن الحاد كفيلًا بخفض حرارة القلعة الباردة أصلًا عدة درجات.
‘واو… أصبح الجو أبرد.’
وبينما كنت معجبة بهذا الإحساس المنعش، تصلبت ملامح ديميوس التي كانت ناعمة نحوي قبل لحظة.
“مر وقت طويل منذ أن رأيتكِ.”
ثم قال بعد لحظة، وكأنه ينطق بكلمة لا يرغب بها إطلاقًا:
“…أمي.”
“ما هذا؟”
تجاهلت الدوقة الكبرى كلامه، ووجهت نظرها نحوي.
ارتجفت عينا ديميوس قليلًا وتقدم خطوة للأمام كأنه يريد الوقوف أمامي.
وفي اللحظة نفسها ابتسمت ابتسامة عريضة وقلت:
“تشرفت بلقائكِ، أمي!”
“…أمّي؟”
ارتفعت عيناها الحادتان أكثر، وردّ صوتها ببرودة قاطعة:
“من قال إنني أمكِ؟”
Chapters
Comments
- 2 منذ 4 ساعات
- 1 منذ 4 ساعات
- 0 - المُقدمة. 2025-12-13
التعليقات لهذا الفصل " 1"