2
شمّ… شمّ.
لا بدّ أن طبقَ اليوم يحتوي على الطماطم. نهضتُ من سريري بفعل الرائحة التي كانت تدغدغ أنفي منذ الصباح.
بما أنني كنتُ صاحبة النصيب الأكبر في العثور على هذا المنزل، فقد تنازل لي كايزار عن الغرفة. وبفضل ذلك، أصبحت الغرفة الوحيدة في هذا البيت من نصيبي، بينما تحوّل نصيب كايزار، بطبيعة الحال، إلى الأريكة القديمة في غرفة الجلوس.
ومع ذلك، لم يكن الأمر سيئًا. فالعيش هنا جعلني أتعلم الرضا بالقليل. يمكن القول إنني كنت أتجه نحو حياةٍ بسيطة تمامًا، حياةٍ قائمة على التقليل إلى الحد الأدنى. نتدبّر أمورنا بما هو موجود لدينا، ونستخدم ما هو متوفر لدينا. وبما أننا لم نكن في وضع يسمح لنا حتى بتوظيف خادمة واحدة، فقد كان علينا—أنا والدوق كايزار—القيام بجميع الأعمال المنزلية بأنفسنا.
ولأننا كنا مضطرين لتوفير أجرة عودة شخصين بالسفينة، كانت أوضاعنا المالية أكثر ضيقًا. وبحلول هذا الوقت، كنا قد قسّمنا الأعمال المنزلية بيننا بشكلٍ مثالي.
كان الطهي من نصيب الدوق كايزار. أما أنا، فكنت سيئة جدًا في الطبخ…
ذات مرة، عندما تذوّق الطعام الذي أعددته، وضع الدوق كايزار الملعقة بقوة وقال:
— هذا إهانة للمكوّنات. العبث بالطعام سيجلب لكِ العقاب، ميلينا.
كنت قد فكّرت حينها: «دعنا نرَ مدى براعتك إذًا»، لكنه انتهى به الأمر إلى إعداد طعام فاق توقعاتي بكثير. من كان ليتخيّل أن ما تعلّمه من الطهي خلال بضع رحلات تخييم سيصبح مفيدًا إلى هذا الحد؟ كل ما يتعلّمه المرء يجد له فائدة في يومٍ ما. تمامًا كما أصبحت لغة سييرين التي تعلمتها تحسّبًا للطوارئ المفتاح الأهم لبقائنا الآن.
فلو سلكتُ يومًا طريق الموت كما في القصة الأصلية، كنت أنوي الهرب إلى سييرين. حقًا، الحياة لا يمكن التنبؤ بها.
على أي حال، كنت أتولى التنظيف والغسيل باستثناء الطبخ، بينما تكفّل الدوق كايزار بالطهي وغسل الصحون وإخراج القمامة.
بعد أن اغتسلت ونزلت إلى الطابق الأول، كان الدوق كايزار قد أعدّ الطعام وكان ينتظرني.
“ميلينا، لديّ ما أود قوله.”
“ما الأمر؟”
جلستُ والتقطتُ الشوكة بشكل طبيعي. كان أرزًا مقليًا ممزوجًا بالطماطم. سهل التحضير، ومع ذلك كان لذيذًا. وبالنسبة لطعامٍ أشبه بطعام المخيّمات، فقد بدا عالي الجودة أيضًا. ربما كان ينبغي أن أوظّفه في مطعم بدلًا من عمله كمرتزق.
لا، ذلك كان سيضيع الأجر.
عمل المرتزقة يتضمن مهمات خطرة، وكان أكثر ربحًا بكثير.
وبينما كنت أملأ فمي بالطعام، تحدث الدوق كايزار بوجه بالغ الجدية:
“لا أعلم منذ كم يوم لم تقومي بالغسيل. لا أملك ملابس أخرج بها اليوم. عليّ أن أرتدي ما ارتديته بالأمس مرة أخرى. هل لي أن أسأل متى تخططين لغسل الملابس؟”
“كحّ!”
[ أوهانا : بموت معاه حق تبلع ولا تشتغل 😂]
كِدت أختنق من وابل الملاحظات. أخذتُ كأس الماء الذي قدّمه لي وشربتُ منه، أتمتم بصوت خافت.
حان دوري لأنكمش.
“كنتُ مشغولة، مشغولة حقًا. وكنت أنوي القيام بذلك مساء اليوم على أي حال.”
“هاه. حتى وإن كنتِ مشغولة، سيكون أفضل لو خصّصتِ بعض الوقت. فهذا جزء من اتفاقنا، في النهاية.”
قال الدوق كايزار ذلك بوجه غير راضٍ. نظرتُ إلى تعابيره الحازمة، ونفختُ شفتيّ قليلًا وأنا أجيب:
“أنا آسفة. سأفعل ذلك بالتأكيد.”
هاه، حقًا. سأفعل. قلت إنني سأفعل.
・ 。゚ ✧ : * . ☽ . * : ✧ ゚。 ・
بينما كان الدوق كايزار يعمل كمرتزق، حصلتُ أنا على وظيفة في مخبز.
كان أكبر مخبز في المدينة، وتصادف أنهم كانوا يبحثون عن موظف لقاعة البيع. الميزة الجيدة في العمل بالمخبز هي أنك إذا بقيتَ حتى وقت الإغلاق، يمكنك أخذ الخبز الذي لم يُبع. وكان الخبز الذي أحصل عليه بهذه الطريقة يساعد كثيرًا في تقليل مصاريف الطعام.
في الواقع، تقدّمتُ للوظيفة واضعةً ذلك في الحسبان منذ البداية.
أما الدوق كايزار، فقد حصل على عمل في أكبر فرقة مرتزقة عند الميناء. وبعد أن تحقّقوا من مهارته في المبارزة بالسيف، قاموا بتوظيفه رغم علمهم بضعفه في اللغة.
وقبل أن أذهب إلى عملي في المخبز، مررتُ مع الدوق كايزار على مقر فرقة المرتزقة.
كانت لوحة الإعلانات في الطابق الأول من مقر الفرقة مليئة بعقود المهام، وكان بحاجة إلى من يترجمها له. فالدوق كايزار لم يكن عاجزًا عن التواصل فحسب، بل لم يكن يعرف حتى كيفية قراءة لغة هذا البلد.
وبعد أن اعتدتُ إلى حد ما على الأمور خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، أصبح العاملون عند المنضدة يحيّونني أيضًا.
تبادلتُ معهم حديثًا خفيفًا، ثم أخذتُ أتفحّص لوحة الإعلانات.
بعد ذلك اخترتُ مهمةً بدت لي مما يمكنه إنجازها بمفرده. وبما أن الدوق كايزار لا يستطيع التواصل بالحديث، كان من الصعب عليه العمل ضمن فريق مع الآخرين.
لذا استبعدتُ أي مهمة تتطلّب حماية شخص ما، أو تلك التي تستلزم الاحتكاك بالكثير من الناس.
تنهدتُ بعمق.
صحيح أن هذا النوع من المهام يدرّ مالًا أكثر، إذ إن العمل الجماعي يكون عادة أكثر صعوبة وبالتالي أعلى أجرًا. كان ذلك مؤسفًا بعض الشيء، لكن لا حيلة لنا. اخترتُ مهمة مناسبة ولوّحتُ بيدي للدوق الأكبر كايزار، ثم أمسكتُ بعقدَي مهمةٍ في يدي.
“بين هذه وهذه، أيّهما تفضّل؟ التي على اليمين مهمة إبادة وايفرن. عددها الإجمالي ثلاثة، وقد ظهرت قرب قرية مجاورة. أما هذه على اليسار… فهي مهمة جماعية، لكنها تحتاج إلى شخصين فقط. عليك أن تصطحب شخصًا واحدًا لا غير…”
“سأختار التي على اليمين.”
ضممتُ شفتيّ وحدّقتُ في الدوق كايزار.
“إلى متى ستظلّ تتجنّب ذلك؟ أجر هذه المهمة أعلى بكثير.”
“اليمنى.”
وكأنه لم يسمع كلمة مما قلت، أجاب الدوق كايزار بصوت منخفض. حقًا، أهذا وقت العناد الآن؟ كل هذا لأنك لا تستطيع التواصل وتريد العمل بمفردك!
“… بالتأكيد، التي على اليمين.”
آه، يا له من عنيد…
وبشيء من الأسف، صفعتُ ورقة المهمة المستبعدة وأعدتها إلى اللوحة بصوتٍ مسموع. ثم سلّمتُه الورقة التي اختارها وتوجّهتُ إلى المنضدة.
“كايزار يريد هذه.”
“ثلاثة وايفرن؟ وهل يستطيع التعامل معها بمفرده؟”
“نعم. لحسن الحظ، كان كايزار من بين أبرز الفرسان في رويكارون. لن تكون مهمة صعبة.”
“تسك تسك. لو كان يستطيع التحدّث قليلًا فقط، لأمكنه تولّي مهام أكثر. من المؤسف أن تُهدر مهارة بهذا المستوى.”
“أشعر بالأمر نفسه، لكن ماذا بوسعنا أن نفعل؟”
وأثناء حصول الدوق كايزار على ختم فرقة المرتزقة على ورقة المهمة، أخذتُ أتفحّص المكان من حولي.
في الحقيقة، كان هناك سببٌ لقدومي إلى هذه الفرقة بالذات.
فقد أخبرنا البحّارة الذين أنقذونا أن هذه الفرقة هي حلقة الوصل مع سفينة التهريب.
وقيل إن البحّارة الذين يصعدون إلى سفينة التهريب يعتمدون على هذه الفرقة من المرتزقة. وبما أن عبور بحر الوحوش خطر بحد ذاته، فإنهم يصطحبون عددًا كبيرًا من المرتزقة معهم، ويحرصون دائمًا على توظيف أفراد من هذه الفرقة تحديدًا.
حتى إنني سمعت أن فرقة المرتزقة «الوردة الحمراء» راكمت ثروتها من خلال ذلك.
حتى الآن، لم ألحظ وجوهًا غريبة أو أمورًا مريبة.
متى سيصلون؟ بالطبع، ليس من السهل القدوم إلى هنا من رويكارون. وبينما أنقر لساني بأسف، سمعتُ الدوق كايزار يناديني.
“ميلينا.”
“ماذا؟”
“سأوصلكِ إلى الطريق. هيا.”
“حسنًا، دوق كايزار.”
وأثناء سيرنا معًا، جعلته يتدرّب على قراءة اللافتات، لكن تقدّمه كان ضئيلًا على نحوٍ يثير الدهشة.
واو، هل تصلّب عقله حقًا؟ مع أنه بارع إلى حد مذهل في استخدام السيف، ويتمتّع بقدرة استثنائية على وضع الاستراتيجيات، كما أن كفاءته المهنية معروفة. أهذا ما يُسمّى بالذكاء الجسدي الفطري؟ أن يكون متميّزًا فقط فيما يتقنه؟
وعندما حدّقتُ في الدوق كايزار بنظرة غريبة، تحدث بصوت منخفض:
“أنا فارس عظيم، وسيد عائلة لورنسيا.”
“وماذا في ذلك؟”
هل هذا هو المهم الآن؟ وأنت لا تستطيع حتى حفظ المفردات! أليست الانشغالات مجرّد ذريعة؟ أنا أيضًا مشغولة.
“… لكن هذه أول مرة أتلقّى فيها نظرة مهينة إلى هذا الحد. سأحفظ خمس كلمات اليوم.”
“سبع.”
“… ستّ.”
تنهدتُ دون وعي. كيف يحاول دائمًا تقليص العدد ولو بواحدة! حدّقتُ فيه ثم أومأتُ
برأسي.
“حسنًا.”
على الأقل احفظ تلك الستّ. إكرامًا للجهد الذي بذلته في إعداد دفتر المفردات لك!
═══∘ ° ❈ ° ∘═══
ترجمة : أوهانا
الانستا : han__a505
التعليقات لهذا الفصل " 2"