وضع البابا فنجان الشاي جانبًا، واستقبل إيريس التي زارته في مكتبه بنظرة مرحِّبة.
كانت ذات شعر وردي فاتح وعينين أرجوانيتين داكنتين، وقد ازداد جمالها إشراقًا مع مرور الوقت.
في المعبد، كانوا ينتقون الفتيات اللواتي تبدو عليهن منذ الصغر بوادر إظهار القوة المقدسة ويُربّونهن كمرشحات لمنصب القديسة.
كانت إيريس يتيمة، لكنها كانت أول من أظهر القوة المقدسة بينهن، كما أن نقاء قوتها فاق الجميع.
أما خُلقها فكان وديعًا رقيقًا، ولذلك كان لها كثيرون يتبعونها ويحبونها.
والأهم من ذلك، أنه رأى مؤخرًا حلمًا يتعلق بها.
في الحلم، كانت إيريس تحتضن شيئًا كما لو أنها تحميه، ومن حولها انتشر وهج ذهبي مقدس.
كان واثقًا أن الحاكم أخبره عبر ذلك الحلم أن إيريس هي القديسة التي طال انتظارها.
كانت قد بلغت سن الرشد هذا العام، وكان ينوي قريبًا أن يمنحها اسمه ويُعلنها رسميًا قديسة.
“قداسة البابا، جئت لأن لدي طلبًا أرجو أن تنظر فيه. أرجو إعادة النظر في مسألة منحي اسمًا.”
انحنت إيريس برأسها وتحدثت بصوت مرتجف.
“إيريس. ماذا تعنين بذلك؟“
أظلم وجهها الجميل بقلق واضح، ثم همست بصعوبة:
“أنا لا أريد أن أصبح قديسة…”
“ولِمَ؟“
سأل البابا بوجه لا يخفي عدم فهمه.
فأن يرثها اسمًا يعني أن يتيمة مثلها ستحصل على سلطة تعادل سلطة العائلة الإمبراطورية.
كان الآلاف—بل عشرات الآلاف—يتمنون نيل اسمه.
فكيف ترفضه؟ بل وترفض أن تصبح قديسة؟
بذل جهدًا ليمنع ملامحه من التصلب، وحدّق فيها بصمت.
لقد عاشت في المعبد منذ طفولتها، فكيف يكون لها حلم غير أن تكون قديسة؟
“أريد فقط أن أعيش حياة عادية. أن أغادر المعبد، وأتزوج، وأنجب أطفالًا… حياة بسيطة كهذه.”
عجز البابا عن الرد من هول ما سمع.
لقد ربّاها منذ صغرها كما لو كان يغرس في ذهنها فكرة واحدة لا غير.
فهل يعقل أنها حلمت بشيء غير القداسة؟
“ألا ترين أن أن تصبحي قديسة وتنفعين العالم أعظم شأنًا من الزواج؟“
قال ذلك محاولًا إقناعها، وعلى وجهه تعبير أبوي عطوف.
“…أعتذر يا قداسة البابا. إنني غير جديرة بأن أكون قديسة.”
“الزواج إذن… هل هناك من يميل إليه قلبك؟“
احمرّ وجه إيريس وهزّت رأسها.
“لا، لا يوجد.”
“حسنًا. اذهبي الآن. سأفكر في الأمر مليًّا.”
ابتسم لها ابتسامة ودودة مطمئنة.
“نعم. شكرًا لك.”
غادرت إيريس بوجه أكثر إشراقًا مما كانت عليه، وكأنها ظنت أن طلبها سيُستجاب.
وما إن خرجت، حتى استدعى البابا كبير المحققين.
“أيها المحقق الأكبر. حقق في تحركات إيريس الأخيرة.”
“هل ارتكبت إيريس خطأً ما؟“
سأل كبير المحققين بوجه مرتبك، إذ كانت طيبة إيريس مشهورة في أرجاء المعبد.
“لقد راودها حلم لا يمكن أن يتحقق. امنعوها من الخروج واحبسوها حتى إعلانها قديسة رسميًا.”
“أطيع الأمر.”
* * *
“لو كنت أعلم أنها ستُحسن الهرب إلى هذا الحد، لكنت كسرتُ ساقيها على الأقل.”
همس البابا وهو ينظر إلى لوحة لها، وقد صبغت شعرها الوردي بالأحمر وعاشت متخفية في قصر مملكة فويفرن.
انحنى كبير المحققين الواقـف خلفه بوجه يعتصره الذنب، إذ كان هو من أضاعها.
“حققوا بدقة في موت إيريس.”
“نعم.”
ألقى البابا نظرة باردة أخيرة على اللوحة.
“لنعد الآن.”
لقد استخلص كل ما يمكن استخلاصه من هنا. وحان وقت التحرك.
ابنتها التي تركتها خلفها… الأميرة داليا فويفرن.
بما أنها ابنة قديسة، فلا بد أن تكون لها موهبة استثنائية.
أُعلن عن زواجها من إمبراطور لوسيفون، لكنها لم تتزوجه بعد.
كان اختطاف إمبراطورة لوسيفون أمرًا عسيرًا، لذا كان لا بد من إحضار الفتاة بأي وسيلة قبل إتمام الزواج.
* * *
كان كاين واقفًا أمام لوحة تجمع والديه في صورة واحدة.
كان يمرّ يوميًا أمام لوحات الملوك السابقين ويتأمل آثارهم آملًا أن يستطيع أن يقتفي خطاهم ولو قليلًا، فبذل جهده لذلك.
لكن نبوءة احتمال دمار العالم التي سمعها من خلال حلم أخته داليا قلبت كل شيء.
يا له من شعور بالعبث والفراغ آنذاك.
كل تلك الليالي التي سهرها، وكل الجهود التي بذلها من أجل المملكة… لأي غاية كانت؟
ومع ذلك، لم يكن بوسعه الاستسلام لليأس.
كما أن داليا وعدت بالزواج من رجل لا تحبه من أجل منع دمار العالم، كان عليه هو أيضًا أن يحمي فويفرن ويحمي داليا.
ولهذا ظلّ متيقظًا لتحركات إمبراطورية كيزيا والإمبراطورية المقدسة لهالين.
لكن… كيف لم يعلم بدخول البابا إلى المملكة؟
“كيف تمكّن البابا من الوصول إلى هنا أصلًا؟“
قال قائد الحرس الملكي بوجه متجهم وهو يقدّم تقريره:
“يُقال إنه أبرز عند الحدود هوية مزوّرة مسجَّلًا كتاجر. ولأنه كان برفقة رجل مسن وآخر في منتصف العمر، لم يُثر ذلك الشكوك، فسمحوا لهم بالدخول.”
كانت العربة التي تقلّ البابا تشق طريقها مسرعة عائدة نحو الحدود. وقد علم حرس الحدود لاحقًا بهويته الحقيقية، لكن من ذا الذي يجرؤ على إيقاف البابا؟
فمنصبه بحد ذاته يمنحه حق زيارة أي دولة، إذ إن أتباع الحاكم منتشرون في شتى البلدان.
غير أن فويفرون وحدها كانت تُخضع زيارات الكهنة لرقابة صارمة داخل القصر الملكي.
فقد تقدّم كبار الكهنة بطلبات زيارة عدة مرات، لكنها كانت تُقابَل بالرفض المهذّب.
لكن من كان ليتوقع أن يأتي البابا الذي لا يقل شأنًا عن إمبراطور دولة إلى فويفرن بعربة متواضعة وبهوية مزيفة؟
لا بد أنه توقّع أن يُرفض طلبه لو تقدم به رسميًا، فاختار هذا الأسلوب.
“أتقول إنه اكتفى بالنظر إلى هذه اللوحة ثم غادر؟“
“نعم، جلالتك. قال إن له صلة قديمة بجلالة الملك الراحل حين كان وليًا للعهد، وطلب وقتًا للقاء منفرد. أعتذر يا جلالة الملك، لم يخطر ببالنا قط أنه سيغادر بهذه السرعة.”
قال الخادم الذي رافق البابا ذلك وهو يرتجف.
حوّل كاين نظره مجددًا إلى اللوحة.
كان والده بملامحه الوقورة ووالدته بابتسامتها اللطيفة يمسكان بأيدي بعضهما.
منذ عهد والده، بدأ التشدد في ضبط زيارات الكهنة.
ووفقًا لتقرير الخادم، فقد رغب البابا في رؤية هذه اللوحة تحديدًا بسبب علاقته القديمة بوالده عندما كان وليًا للعهد.
لا بد أن للبابا غاية من مجيئه إلى المملكة، لكن اكتفاءه بالنظر إلى هذه اللوحة والعودة أمر يثير الريبة.
ما الذي في هذه اللوحة تحديدًا؟
وفجأة، اتجه بصره إلى والدته.
كان الشعر الأحمر في اللوحة مصبوغًا.
لون شعرها الحقيقي كان ورديًا… تمامًا مثل داليا.
كانت والدته دومًا حنونة عطوفة، لكنها حين يُسأل عن ماضيها، كانت تتهرب بإجابة يغلّفها الحزن.
لم يشك قط في الأمر من قبل.
لكن… أيمكن أن يكون ماضي والدته مرتبطًا بالإمبراطورية المقدسة لهالين؟
هل كان البابا من المقربين إليها إلى حد أنه تعرّف عليها بمجرد رؤية اللوحة؟
“أرسلوا إلى جهاز الاستخبارات. ليُحققوا في جميع تحركات البابا منذ ثلاثين عامًا وحتى اليوم، وليُرفع إليّ تقرير مفصّل.”
“أمرك.”
* * *
نزلت داليا من العربة.
كان هذا هو اليوم الذي وعدت فيه بزيارة قصر الأميرة لتحدث فيفيانا عن مهرجان التأسيس.
لكن، بينما كانت تتجه إلى الداخل، توقّف نظرها عند رجل مسن.
كان شيخٌ يستند إلى عصاه يحمل باقة من الزهور واقفًا أمام قصر الأميرة.
“من يكون ذلك الرجل أمام قصر الأميرة؟“
“لا أدري… من عساه يكون؟“
قالت آني التي كانت قد نزلت من العربة قبلها ذلك وهي تنظر إليه أيضًا.
في تلك اللحظة، خرج فارس من قصر الأميرة واقترب من الشيخ.
“سيدي الفيكونت. لقد أبلغتني الوصيفة أنها لا ترغب في مقابلتك. يُرجى منك العودة.”
“إذن، فلتوصلوا إليها هذه الزهور على الأقل.”
تنهد الفارس بعمق وهز رأسه.
“حتى الزهور رفضت استلامها. سيدي فيكونت هوريمان، إن واصلت المجيء هكذا وبلغ الأمر سموّ الأميرة، فستوبخك بشدة.”
“في سني هذا، قد يكون موعد رحيلي إلى السماء غدًا أو بعد غد. فلا أخشى أن أُوبَّخ من سموّ الأميرة. كح… كح…”
انفجر ضاحكًا، ثم داهمه السعال.
“يبدو أن صحتك ليست على ما يرام، يُستحسن أن تكفّ عن المجيء.”
“لا أستطيع. سأعود غدًا.”
أمالت داليا رأسها بحيرة، ثم نظرت إلى آني التي كانت تقف بوجه بارد متجهم.
“آني، لماذا يبدو اسم ذلك الفيكونت مألوفًا لي؟“
“لأنه اسم مألوف فعلًا. إنه الرجل الذي تقدّم لخطبة الآنسة لورا أندير.”
“ماذا؟!”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 99"