رفع سبيد رأسه من أعلى السلم الخشبي ذي الطابقين حيث كان ينفض الغبار عن الكتب ونظر إلى الأسفل.
كان كاهن أشيب الشعر يمدّ عنقه إلى الخلف ليراه.
“نعم سيدي الكاهن.”
نزل سبيد بهدوء فابتسم له الكاهن برضا.
“سمعتُ أنك مجتهد، لكنك فُقت التوقعات. تعمل منذ الصباح الباكر.”
“هذا واجبي.”
“اليوم عليك أن تنظّف غرفة الكتب المقدسة داخل مكتبة النور. تعلم جيدًا أنه لا يُسمح لأيّ كان بالدخول إليها، أليس كذلك؟“
“نعم. سمعتُ أن قداسة البابا وعددًا محدودًا فقط يُسمح لهم بالدخول.”
“صحيح. في الأصل لا يُسمح لك أيضًا. لكن الكاهن المسؤول عنها لا يزال مريضًا ولم يحضر، لذا ستتولى التنظيف بدلًا عنه. إنه مكان لا يُسمح بدخوله بسهولة، فاحرص على سلوكك.”
في أعمق ركن من مكتبة النور، كان هناك باب خشبي قديم تظهر عليه آثار القرون.
باب يعود لمئات السنين موصد بقفلٍ محكم كأنه يرفض أن يطأه أي إنسان.
أخرج الكاهن مفتاحًا برونزيًا متآكلًا من جيبه وفتح الباب.
“مفتاح هذا المكان لا يحمله سوى أنا وقداسة البابا والمحقق الأكبر. لذلك كلما احتجت إلى التنظيف هنا، احرص على أن تأتي إليّ لأعطيك المفتاح.”
“نعم.”
دخل سبيد خلف الكاهن الذي فتح الباب على مصراعيه.
كانت الغرفة مضاءة بضوء خافت صادر عن أحجار مضيئة وأصغر مما تخيّل.
في نهايتها منصّة بارتفاع قامة رجل تعلوها كتب سميكة بلغ عددها نحو ثمانية مجلدات.
“اكنس الغبار عن الأرض أولًا، ثم امسح أغلفة الكتب المقدسة بقطعة قماش جافة، وينتهي عملك.”
“مفهوم.”
“إذن ابدأ. سأراقب عملك اليوم.”
“نعم.”
بدأ سبيد يكنس الأرض بحذر.
بدا المكان نظيفًا للغاية، كأنه يُنظَّف يوميًا.
وفجأة—
“تُنظَّف باكرًا اليوم.”
رفع سبيد رأسه على صوتٍ غريب.
“تحيةً لقداسة البابا.”
انحنى الكاهن احترامًا فسارع سبيد هو الآخر بالتحية.
“تشرفت بلقاء قداسة البابا.”
“لم أرك من قبل.”
خفض سبيد جسده وقال:
“أنا سبيد، أعمل مؤقتًا في مكتبة النور.”
“آه، إذًا أنت الكاهن سبيد. ارفع رأسك.”
قال البابا ذلك بنبرة ودودة.
رفع سبيد وجهه ببطء.
مضى أكثر من عامين على عمله في المعبد، لكنها المرة الأولى التي يقابل فيها البابا فاشتد توتره.
“سمعتُ أنك تتبع تعاليم الإله بإخلاص.”
“أعتذر.”
انحنى فورًا معتقدًا أنه ارتكب خطأ.
ابتسم البابا بخفة.
“يا للعجب، كان ذلك مديحًا. هل أبدو مخيفًا إلى هذا الحد؟“
قال الكاهن بجانبه:
“إنها المرة الأولى التي يلتقيك فيها، لذا يبدو عليه الارتباك.”
“أيها الكاهن سبيد، أحتاج الآن إلى قراءة الكتاب المقدس. هل تؤجل التنظيف إلى وقت لاحق؟“
“نعم.”
“إذن سنعود لاحقًا يا قداسة البابا.”
غادر الكاهن أولًا وتبعَه سبيد بعد أن جمع أدواته، لكنه ألقى نظرة جانبية على البابا وهو يتفحّص الكتاب المقدس.
وقبل أن يخرج، لحقه صوت البابا:
“أيها الكاهن سبيد، يبدو أننا سنلتقي كثيرًا.”
“أرجو أن أحظى برعايتك مستقبلًا.”
انحنى بأدب وغادر.
وظل البابا يحدّق في ظهره مليًا.
* * *
في وقتٍ متأخر من الليل.
دخل سبيد غرفة الكتب المقدسة خلسة بعد أن ألقى على نفسه تعويذة إخفاء.
كان قد سرق المفتاح من الكاهن أثناء نومه.
ترددت كلمات البابا في ذهنه:
‘يبدو أننا سنلتقي كثيرًا.’
ما الذي قد يجمع البابا بكاهن مبتدئ مثله مرارًا؟
لا يعلم مدى قدرات البابا، لكن إن كان قد اكتشف أنه جاسوس، فلن تتاح له فرصة أخرى سوى الليلة.
تقدم سريعًا نحو آخر كتاب مقدس كان البابا يتصفحه.
لكنه حين فتحه، وجد الصفحات فارغة تمامًا… بلا حرف واحد.
‘تعلم أن الكتب المقدسة لا يستطيع قراءتها أيّ كان، أليس كذلك؟‘
تذكّر كلمات أحد الكهنة المتوسطين.
‘تسك.’
نقر بلسانه في داخله.
هل كان المقصود أن لا يقرأها سوى أشخاص مميزين كالبابا وكبار الكهنة؟
بهذا يكون قد فشل في مهمته.
تردد للحظة، ثم مزّق الصفحة الأخيرة من الكتاب وأخفاها في صدره.
لا يستطيع قراءتها الآن، لكنه سيجد طريقة حين يعود.
خرج من الغرفة متسللًا، لكنه أثناء عودته إلى غرفته لمح المحققين يتجهون إليها.
‘إذن… انكشف أمري.’
استدار بسرعة ليغادر المعبد لكنه توجّه أولًا إلى المطبخ الذي أثار شكوكه.
ليتحقق مرة واحدة فقط.
كان قد تأكد مسبقًا من وجود سرداب تحت المطبخ، وكان فرسان المعبد يحرسون بابه.
أشعل سبيد بخورًا منوّمًا فأغرقهم في نومٍ هادئ ثم فتح الباب.
اندفعت رائحة نتنة خانقة تكاد تشلّ حاسة الشم.
دخل أعمق وهو يغطي أنفه ثم اتسعت عيناه حين رأى ما في الداخل.
“ما هذه الأشياء…؟ يجب أن أبلّغ فورًا!”
كانت تعويذة الإخفاء على وشك الانتهاء.
أسرع بالخروج من السرداب، لكن صوتًا حادًا دوّى خلفه:
“متسلل!”
كان يتفادى فرسان المعبد بصمت حين انحلّت عنه تعويذة الإخفاء.
“هناك!”
“أطلقوا!”
صفير حاد—
اشتعل ظهره ألمًا بعدما أصابه سهم.
ورغم ذلك، انطلق سبيد بكل ما تبقى لديه من قوة.
كان عليه أن يُبلغ الإمبراطور بما رآه.
* * *
فجّرت الآنسة يوفـرون نفسها.
وبفعل الانفجار العنيف، اختفت من الوجود دون أن يخلّف جسدها أثرًا.
صحيحٌ أن هدفها كان أميرةً من مملكة أخرى، لكن وقوع انفجارٍ كهذا داخل القصر الإمبراطوري أمرٌ جلل يمكن اعتباره خيانة عظمى.
أصدر الإمبراطور أمرًا بفرض الحصار على أسرة الدوق يوفـرون، وفتح تحقيقٍ شامل في القضية.
أما الدوق، فانحنى خاضعًا وأبدى تعاونًا كاملًا مع التحقيق.
كان عليه أن يثبت أن أسرته لا علاقة لها بما جرى.
لم يكن وقت الحزن على ابنته التي ربّاها بعناية؛ فالأولوية الآن إنقاذ العائلة من خطر الزوال.
ولم تمضِ حتى أربعٍ وعشرين ساعة على اتهام الآنسة يوفـرون للأميرة داليا زورًا، حتى وقعت هذه الحادثة، فعمّت الفوضى أوساط النبلاء.
من أين حصلت الآنسة يوفـرون على مثل ذلك المتفجّر؟ مهما بلغ طمعها في منصب الإمبراطورة، أكانت ستقدم على محاولة قتل أميرة مملكة أخرى؟
كان الأمر كفيلًا بإشعال نزاعٍ دولي.
ومع تصاعد المخاوف من احتمال انقطاع التجارة مع مملكة فويفرن، ارتفعت أسعار الكريستال والنبيذ في وقتٍ وجيز إلى مستوياتٍ غير مسبوقة.
* * *
داخل مكتب الإمبراطور.
ألقى غراي التقرير على الطاولة بعنف.
“أتطلبون مني أن أصدّق هذا؟ يظهر فجأة رجلٌ مشوّه الوجه بحروق، ويدلي بشهادةٍ يقول فيها إن من أمر بإطلاق السهام المشتعلة في أرض الصيد كانت الآنسة يوفـرون ثم ينتحر؟ ويُعثر في غرفتها على ذلك الجذر الذي أُطعم للحصان؟ وكل ما استهدف الأميرة يتبيّن أنه من تدبير الآنسة يوفـرون وحدها؟“
أجاب مساعده:
“لا نعلم من يقف خلف ذلك، لكن يبدو أن هناك من يعتزم تحميل الآنسة يوفـرون المسؤولية كاملة. نحن نحقق في جميع تحركاتها الأخيرة.”
لم يُعثر على أي أثرٍ للسائس ولا لأولئك الذين أطلقوا السهام المشتعلة في أرض الصيد، ما جعل تعقّب الفاعل مستحيلًا.
غير أن الآنسة يوفـرون لم تكن سوى نبيلة عادية.
لا بدّ أنها تركت أثرًا ما.
نظر غراي بعينين باردتين إلى التقرير الملقى على مكتبه، ثم قال بصوتٍ حازم:
“حتى لو كانت قد لُفِّق لها الاتهام، فهذا لا يمحو ذنوبها. آمر بإجراء تحقيقٍ شامل في أسرة يوفـرون وبتوقيع أقسى العقوبات بحقهم.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
فعالية / تقولو وش شاف سبيد ؟ ارمو توقعاتكم!
مع العلم ان مشاركتكم لتوقعاتكم تفرحني وتخليني اترجم دفعات كبيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 83"
اتوقع شاف مختبر تجارب يصنعون فيه الوحووش او لقا جثة وحش