“هاه! لأن جلالة الإمبراطور يُحسن إليكِ تظنين نفسكِ شيئًا؟ أنتِ لستِ سوى امرأة تافهة حُبست في القصر الملحق. كم كان احتقارهم لكِ في مملكتكِ عظيمًا حتى قضيتِ حياتكِ كلها حبيسة هناك؟“
تلألأت عينا يوفـرون بسمّية وهي تضع أظافرها الحادة على وجهها.
“هل قصّ الشعر وحده لا يكفي؟ ما رأيكِ؟ إن قلتُ إنكِ خدشتِ وجهي ألن يكون ذلك أكثر صدمة؟“
“توقفي! لديّ كرة تسجيل!”
قالت داليا بسرعة قبل أن تمضي الأخرى في إيذاء نفسها أكثر.
اتسعت عينا يوفـرون بدهشةً وهي تحدّق فيها.
“…ماذا؟“
“كل ما قلتِه وفعلتِه حتى الآن يتم تسجيله. لذا توقفي عن إيذاء نفسكِ من أجل كذبة.”
ومع استمرار كلمات داليا، تبدّل وجه يوفـرون إلى صدمةٍ خالصة وارتعشت نظراتها وهي تتفحصها بسرعة.
“كذبة… وليس في يديكِ شيء…”
“الأميرة تيارا أهدتني إياها.”
سقط المقص من يد يوفـرون المذهولة.
لو كانت تيارا، فليس مستبعدًا أن تُصغّر شيئًا بالسحر.
“أفهم أنكِ أردتِ أن تصبحي إمبراطورة. لكن هل تظنين أنكِ إن حطّمتِني بكذبة ستحصلين على ذلك المقام؟ لا. الحقيقة ستنكشف يومًا ما. لذا كفّي عن تدمير نفسكِ. إن توقفتِ الآن فسأتكفل أنا بأمر كرة التسجيل.”
لم تكن داليا تعلم أن ما يجري هنا يُبثّ مباشرة في الحديقة الخلفية، لكنها أرادت أن تمنح يوفـرون فرصة أخيرة.
“…ماذا تعرفين أنتِ؟ ماذا تعرف واحدة مثلكِ حتى تُسدي النصائح؟ نعم، كما في ذلك اليوم! قلتِ إن جلالة الإمبراطور يُعجب بالمرأة التي تعتني بالحديقة؟ وها أنتِ الآن ترتدين العقد الذي أهداه لكِ!”
كانت تصرخ بهستيريا، ثم راحت تهزّ رأسها بعنف، وفجأة مدّت يدها بعينين دامعتين متوسلتين.
“آه… لا… سموّ الأميرة داليا، أرجوكِ سامحيني.”
“…….”
“أرجوكِ، أعطيني كرة التسجيل. لن أفعل هذا مجددًا. انظري، لقد قصصتُ شعري هكذا. فقط سامحيني هذه المرة.”
انهمرت الدموع من عينيها الكبيرتين.
نظرت إليها داليا بقلق.
تقلباتها العاطفية المتسارعة أوحت بأنها بحاجة ماسّة إلى علاج.
“آنسة يوفـرون، لنهدأ أولًا—”
“آآآه! لماذا ظهرتِ في الإمبراطورية؟ لماذا؟ لماذا أغويتِ جلالة الإمبراطور؟ أمثالكِ يجب أن يختفوا من أمام عيني!”
صرخت وهي تسدّ أذنيها كأنها لا تطيق حتى سماع صوتها.
لكن ما هي إلا لحظة حتى رفعت رأسها فجأة، وكانت عيناها الحمراوان تتأججان غضبًا.
اندفعت نحو داليا ملوّحة بأظافرها كأنها تريد أن تخدشها.
ارتمت داليا إلى الأرض لتتفادى الهجوم.
وحين رفعت بصرها، رأت يوفـرون تلتقط المقص من جديد.
تغيّر اتجاهه… نحوها هذه المرة.
كانت داليا تحاول مراعاتها لأنها بدت مريضة، لكن توجيه المقص نحوها تجاوز كل الحدود.
نهضت بسرعة واتخذت وضعية الدفاع عن النفس التي علّمها إياها كول.
“آنسة يوفـرون، ما سيحدث الآن دفاعٌ مشروع.”
“اختفي من أمامي!”
أمسكت يوفـرون المقص بكلتا يديها واندفعت.
لكن حين لم تتراجع داليا بل تقدّمت نحوها ارتسمت الدهشة على وجه يوفـرون.
هوَت داليا بحافة يدها بقوة على معصمها.
تطاير المقص بعيدًا من أثر الضربة.
كانت عينا يوفـرون المتسعتان من الصدمة على بُعد شبرٍ منها.
أمسكت داليا بطرف فستانها اندفعت إلى داخل نطاقها ثم طرحتها أرضًا بحركة قلبٍ سريعة.
“آآه—!”
أطلقت يوفـرون صرخة قصيرة قبل أن ترتطم بالأرض وتتمدد فوقها.
* * *
في تلك الأثناء، كانت الآنسات في الحديقة الخلفية قد شاهدن المشهد بأكمله وقد شحبَت وجوههن.
“ما الذي حدث للتو—؟“
“أن تتدبّر أمرًا كهذا لتلفّق تهمة لسموّ الأميرة…! أمعنى ذلك أن شعرها المشعث في المرة السابقة كان تمثيلية أيضًا؟“
“لقد خُدعنا بها تمامًا طوال هذا الوقت.”
تدفقت الكلمات من أفواههن بلا توقف.
— آآآه! آآه!
ظهرَت الآنسة يوفـرون عبر كرة التسجيل وهي ممسكة بالسجادة، تمزقها وهي تصرخ بحرقة وسخط.
كان صراخها أشبه بعواء وحشٍ جريح.
“هذا مقزّز… لا أريد البقاء هنا أكثر.”
“وأنا كذلك.”
لقد سقطت زهرة المجتمع الراقي… وسقطت سقوطًا قبيحًا.
استدارت الآنسات على عجل متلهفات لنقل هذا الخبر الجديد إلى الآخرين.
وخلفهن، كان هناك من يحدّق في المشهد المعروض داخل كرة التسجيل باهتمامٍ بالغ، لكن لم يلحظ أحد وجوده، إذ كانت عقولهن مشغولة بنشر الشائعة الجديدة.
* * *
داخل العربة، كانت داليا تحدّق في الإمبراطور الجالس قبالتها.
حين صعدت العربة عائدةً إلى القصر الإمبراطوري بعد ترك الآنسة يوفـرون وهي تُحدث الفوضى، وجدت الإمبراطور في الداخل.
ولهذا اضطرت الأميرة تيارا وآني إلى ركوب عربة أخرى تتبعهما.
“أعلم أنني وسيم، لكن ليس إلى هذه الدرجة، أليس كذلك؟“
قال الإمبراطور ذلك بابتسامة ماكرة وهو يرفع طرف عينه.
“لم أكن أنظر لذلك السبب. كنت أتساءل لماذا جاء شخص مشغول مثلك إلى هنا.”
“بفضلكِ، حظيتُ بمشهدٍ ممتع للغاية.”
مال برأسه قليلًا إلى الجانب، وضحك بخفة.
“تلمّح بطريقة ساخرة مجددًا، أليس كذلك؟“
نظرت إليه داليا بريبة.
قبل صعودها إلى العربة، أخبرتها آني أن ما جرى في الغرفة كان يُبث مباشرة عبر كرة التسجيل. وكانت داليا من دون علمها، على وشك أن تعد الآنسة يوفـرون كذبًا بأنها لن تكشف التسجيل.
حسنًا، في النهاية انهار ذلك الوعد حين هاجمتها يوفـرون.
“لا. هذه المرة أنا جاد. أحسنتِ.”
“أنا بارعة في كل شيء أصلًا.”
قالت داليا ذلك بفخرٍ واضح، فارتسمت ابتسامة على شفتي الإمبراطور.
لكن سرعان ما تبدل تعبيره إلى الجدية وحدّق فيها بعينين ثابتتين.
“داليا.”
“…نعم؟“
فاجأها صوته الخافت، فتأخرت لحظة قبل أن تجيب.
لم يكن في العربة سواهما.
لم يكن هناك داعٍ للتظاهر بالمودة أمام الآخرين، ومع ذلك حين ناداها باسمها هكذا، احمرّ وجهها من الارتباك.
شعرت بقلبها يخفق بقوة حتى خُيّل إليها أن صوته يُسمع بجانبها مباشرة.
‘نعم، هذا فقط لأنني تفاجأت حين ناداني باسمي. لهذا يخفق قلبي هكذا.’
“لقد تعاملتِ مع الأمر ببراعة اليوم، لكن إن واجهتِ خطرًا مستقبلًا، فابذلي قصارى جهدكِ للهروب أولًا. مفهوم؟“
“مفهوم.”
وبدا أنه راضٍ عن استجابتها السلسة، إذ أراح ظهره إلى المقعد بهدوء.
التعليقات لهذا الفصل " 80"