✿ الفصل 56 ✿
“لا أتذكّر طفولتي جيدًا في كثير من الأحيان.”
“ماذا؟ هل نسيتِ تلك اللحظة المهمة التي التقيتِني فيها؟“
“أليس من الممكن أنها نسيت لأنها لم تكن بتلك الأهمية؟“
رمقت تيارا بنظرة باردة آني على نبرتها الهادئة والمتزنة.
“لا تعجبني هذه المرأة. حتى في طفولتنا، عندما أردتُ أن آخذ الأميرة معي كانت هي من أوقفني.”
“وقد قلتُ لكِ حينها بوضوح، أليس كذلك؟ إن الأميرة ليست دمية جميلة، ولا يمكن أخذها بهذه السهولة.”
قالت آني ذلك بهدوء، فنفخت تيارا باستهزاء.
ومن خلال حديثهما، بدا أن الأميرة الإمبراطورية في صغرها كانت تعامل داليا كأنها دمية جميلة وتريد أخذها إلى الإمبراطورية، لكن آني هي التي منعتها.
“على أي حال، أنا من أمرتُ وقتها أن نصبح صديقتين.”
“وأظنني قلتُ لكِ أيضًا بوضوح إن الصداقة لا تكون بالأوامر.”
كانت كلمات آني صريحة ومباشرة، فاشتعلت تيارا غضبًا.
“أنتِ!”
“لماذا تنادينني؟ يا صاحبة السمو الإمبراطوري؟“
أجابت آني بلا اكتراث، فالتفتت الأميرة الإمبراطورية إلى داليا بوجه ممتعض.
“أيتها الأميرة! هل يجوز لوصيفتك أن تتحدث معي بهذه الطريقة؟“
“بما أنها صديقتي، فمن الطبيعي أن تقف إلى جانبي. ثم إن سموّك قلتِ إنك تريدين أن تكوني صديقتي، أليس كذلك؟ إذن صديقتي هي صديقة سموّك أيضًا.”
“لا أريد!”
“ولا أنا أريد!”
ارتشفت داليا الشاي على مهل وهي تبتسم.
‘ربما… هاتان الاثنتان متوافقتان أكثر مما يبدو.’
* * *
كانت داليا تتلفّت أمام مقر إقامة إمبراطورية هالين المقدسة.
يبدو أن أمر إمبراطورية كيزيا مرّ بسلام بفضل الأميرة تيارا، لكن ما يقلقها هو موقف إمبراطورية هالين المقدسة.
ولهذا جاءت لتلتقي بقائدهم لواند، أعلى شخصية شأنًا هناك.
وبعد قليل، خرج لواند من مقر الإقامة ولمحها واقفة في الظل فتلألقت عيناه بدهشة.
“تحياتي ايتها الأميرة داليا.”
“مرحبًا يا سعادة القائد.”
ابتعدت آني وكول عنهما بخفّة وفطنة.
“عدتِ تنادينني بالقائد مرة أخرى.”
قالها بابتسامة مريرة.
“كنتُ قد أخفيتُ عنك أنني أميرة، فخشيتُ أن تكون منزعجًا، كما قلقتُ من أن يساء فهم الأمر من جانب إمبراطورية هالين المقدسة.”
قالت داليا ذلك بصراحة.
نظر إليها لوآند وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
“لقد عرفتُ مكانتكِ منذ البداية، لذا فأنتِ لم تخدعيني قط.”
“آه… هذا صحيح. لكن كيف عرفتَ أنني أميرة؟ لم أخرج من القصر المنفصل قط، وحتى في مملكتي لا يعرفونني.”
حدّق لوآند في وجهها المتسائل.
هل تجهل الأميرة أنها كبرت محتفظة بملامح طفولتها نفسها؟ أم لعلها لا تتذكره هو؟
هبّت في صدره فجأة نسمة فراغ.
لقد أراد نسيان ماضيه، لكنه يبدو أنه لم يكن يريد أن يُنسى من قبل الأميرة تحديدًا.
أخفى لوآند مرارته وابتسم ابتسامة باهتة.
“حاولي أن تخمّني كيف عرفتُ.”
“ماذا؟“
“كما تعرفتُ عليكِ من النظرة الأولى، سأمنحكِ الفرصة لتتعرفي عليّ.”
“حسنًا… فهمت.”
هزّت داليا رأسها موافقة على من وعي.
“لن يصدر عن إمبراطوريتنا أي اعتراض على قدومكِ إلى إمبراطورية لووسيفون، فلا تقلقي من هذه الناحية.”
“شكرًا لك يا سعادة القائد.”
“هل لي أن أطلب منكِ أن تناديني باسم روآند فقط؟“
“نعم. روآند.”
حين رآها تبتسم له بتلك الإشراقة، شعر وكأن شمسًا دافئة أشرقت في صدره الخاوي.
لعلّه يستطيع بهذه الطريقة أن ينسى الماضي… ويبدأ بداية جديدة.
* * *
كان غراي يحمل تقريرًا وهمّ بالدخول إلى حديقته، حينها لمح فارس الأميرة المرافق ووصيفتها.
“تحياتي لجلالة الإمبراطور.”
دخل بعد التحية، فرأى الأميرة نائمة وهي منطرحة على الطاولة.
متى أصبحت حديقته مكانها المخصّص لقيلولة النهار؟
جلس قبالتها يتفحّص التقرير، ثم ألقى نظرة عليها وهي ما تزال غارقة في النوم.
أهناك من ينام بهذه الكثرة؟ أتعاني أرقًا… أم أن في جسدها علّة ما؟
ارتعشت رموشها الطويلة في تلك اللحظة ثم انفتحت عيناها ببطء لتحدّق به عينان بنفسجيتان غامضتان.
“جلالتك… هل تعطيني يدك؟“
وقبل أن يجيب، جذبت يده دون استئذان ووضعتها فوق يدها.
“يبدو أنكِ أخذتِها بالفعل.”
“أعتذر.”
“تعتذرين أولًا… ثم تتكلمين بعد ذلك؟“
“نعم… اههُـم.”
تثاءبت داليا طويلًا، وما زالت مستلقية على الطاولة وهي تنظر إليه.
كان في هيئتها شيء من الاسترخاء والحرية، كقطة تتمتع بدفء الشمس.
قالوا إنها عاشت في القصر المنعزل فحسب، ومع ذلك كانت مختلفة تمامًا عن أميرات الممالك الأخرى.
تجاهلها للهيبة والوقار اللذين يُفترضان في أميرة كان منعشًا على نحوٍ غريب.
أم هل لأنه هو نفسه أصبح مرتاحًا معها؟
“لماذا لا ترغب يا جلالتك في الزواج؟“
“لا أحب لمس النساء.”
“لكنك تلمسني الآن.”
رفعت الأميرة اليدين المتشابكتين وكأنها تعرضهما أمامه.
كانت يدها الصغيرة مطمورة تحت يده، لا تُرى ولا يُحسّ منها إلا دفء ناعم تحت كفّه.
“صحيح. الأميرة تدخل حديقتي كما تشاء، وتأخذ يدي وتلمسها كما يحلو لها.”
فتحت الأميرة عينيها على اتساعهما ونهضت فجأة بجسدها.
“أنا لم ألمسها، رفعتُ فقط يد جلالتك ووضعتها على ظهر يدي.”
انخفض بصر غراي إلى اليدين المتشابكتين.
“أليس هذا لمسًا؟“
“هذا أشبه بتجربة لخلق المناعة فحسب.”
أجابت بصوت حاسم.
“وهل تجري الأميرة مثل هذه التجارب مع أيّ كان؟“
شعر غراي بأن زاوية فمه تكاد ترتفع، فشدّ على نفسه وأعاد نظره إليها.
هزّت رأسها وكأنها تقول ‘ما هذا الكلام؟‘
“جلالتك لستَ أيّ أحد.”
كان الجواب مرضيًا على نحوٍ غير متوقّع، فشدّ على يدها برفق من دون أن يؤلمها.
“إذن… هل يحقّ لي أن أُجري هذه التجارب متى شئت؟“
“هاه؟ ذ… ذلك ليس المقصود.”
اهتزّت حدقتاها البنفسجيتان ارتباكًا.
“إلى أيّ حدّ يُسمح لي؟“
حدّق فيها بنظرة حارّة، وراح يمرّر إبهامه ببطء على معصمها. فاتسعت عيناها البنفسجيتان بدهشةً.
“خ… خمس دقائق! انتهت الخمس دقائق!”
نهضت فجأة ووجهها محمرّ، ثم ركضت مبتعدة على عجل.
وبقي وحده في الحديقة ترتسم على شفتيه ابتسامة منعشة.
أنزل نظره إلى التقرير، ثم قبض يده مرة أخرى وكأن الدفء ما يزال عالقًا بها.
* * *
كانت داليا نائمة وتتصبّب عرقًا باردًا وتئنّ وهي تهزّ رأسها نفيًا.
[بي بي.]
ارتعب ليمون فأمسك شعرها بمنقاره وراح يشدّه.
فتحت داليا عينيها ببطء، ونظرت إليه بنظرة غائمة لم يزل أثر النوم عالقًا بها.
تسلّل إحساس الليل المعتمً من خلف الستائر.
أغمضت عينيها بإحكام مرة أخرى.
ظلّ مشهد الوحوش السوداء التي كانت تتساقط كالمطر في الحلم عالقًا في بصرها كأثرٍ باقٍ.
كان الحلم ذاته يتكرر دائمًا… ويظل مؤلمًا في كل مرة.
[بي بي. بي بي.]
حين أخذ ليمون يزقزق بإلحاح، فتحت عينيها من جديد.
كان الطائر الصغير يطير أمامها بملامح قلقة.
رفعت داليا جسدها مستندة إلى رأس السرير، وبسطت يدها.
فحطّ ليمون بهدوء على كفّها.
وما إن مسحت برفق على زغبه الناعم، حتى بدأت يدها المرتجفة تهدأ تدريجيًا.
“ليمون… هل تعلم؟ قد ينهار العالم. وحينها سيموت الجميع.”
كانت تلك أول مرة تتحدث فيها عن نهاية العالم.
كان صدرها مكتومًا، وكانت ترغب في أن تفضي بما في قلبها لأيّ كان.
[بي بي بي بي.]
هزّ ليمون رأسه وكأنه ينفي ذلك.
“وأنا أيضًا أتمنى ألا يكون صحيحًا. لكن لكي لا يحدث ذلك، يجب على الإمبراطور أن يتزوج. وكلما رأيتُ الأحلام، شعرتُ أن الوقت ينفد. هذا ما يخيفني.”
حتى بعد أن استيقظت، خُيّل إليها أن صرخات الناس ما تزال ترنّ في أذنيها.
هل يعقل أن تضيّع الوقت هكذا، وهي تحاول التقرب من الإمبراطور وعلاج نفوره من النساء؟
أليس الأفضل أن تصارحه بكل شيء وتطلب مساعدته؟ أن تقول له إن كل ما عليه فعله هو الزواج؟
“ليمون… هل أخبر جلالته؟ أقول له إن عليه الزواج لمنع دمار العالم؟“
[بي بي.]
أومأ ليمون برأسه كأنه يشجعها.
“ألن يظنني امرأة مجنونة؟“
[بي بي بي بي.]
هزّ ليمون رأسه بقوة نافيًا.
“شكرًا لك يا ليمون.”
فركت داليا خدّها بزغب ليمون الناعم، فأطلق زقزقة صافية كأنه يدغدغ.
وبصوت ليمون النقيّ الذي تردّد قرب أذنها، استطاعت داليا أن تدفن صرخات الكابوس عميقًا في صدرها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 56"