سألتها كورين وبنبرةٍ تحمل جسًّا مبطنًا، فأجابت لورا بصراحة:
“نعم.”
“يا إلهي! إذن فذلك الخبر صحيح فعلًا؟ يا لها من مفاجأة، أهنئكِ من قلبي!”
قالت كورين ذلك وهي تصفّق بيديها مبتسمةً على اتساعها.
“عفوًا؟ أيّ خبر تقصدين؟“
سألت لورا بوجهٍ مرتبك.
هل تقصد كونها أصبحت وصيفةً لصاحبة السموّ الأميرة؟
لكن تعيينها الرسمي وصيفةً لم يمضِ عليه سوى يومٍ واحد، فكيف ينتشر الخبر بهذه السرعة؟
“يؤسفني أنكِ لم تخبرينا بشيء، مع أن هناك ما يستحق التهنئة بيننا.”
“صحيح، نبارك لكِ حقًا.”
تتابعت عبارات التهنئة من بقية الشابات.
“شكرًا… لكم.”
ولأن من كنّ يؤذينها في السابق بدَون وكأنهن يهنئنها بصدق، تلقّت لورا الكلمات بوجهٍ شارد.
“يبدو أن الأخبار السعيدة كثيرة اليوم. آنسة سورينا ستصبح وصيفةً لصاحبة السموّ الأميرة، وآنسـة أندير ستتزوج قريبًا.”
قالت إحدى الشابات ذلك وهي تصفّق مبتسمةً ابتسامةً ذات مغزى نحو لورا.
“بل إن زواج آنسة أندير أَولى بالتهنئة من منصب وصيفة الأميرة، أليس كذلك؟“
قالت كورين ذلك بنبرةٍ لطيفة، غير أن شعورًا دنيئًا بالشماتة كان واضحًا فيها.
“أنا… سأتزوج؟“
حدّقت لورا في الشابات ووجهها شاحب كليًّا.
هل انتشر خبر تلقيها عرض الزواج من ذلك الكونت؟
“يا للعجب، هل تتنصلين الآن بعدما تلقيتِ التهاني؟ أنتِ ستتزوجين البارون هوريمان، أليس كذلك؟ وذلك الفستان أيضًا هدية منه.”
قالت كورين بسخرية، فانفجر الجميع بالضحك.
احمرّ وجه لورا بشدة.
لقد رفضت العرض فور قبولها العمل وصيفة، فكيف تحوّل الأمر إلى شائعة كهذه؟
وضعت يديها على صدرها محاولةً تهدئة قلبها المرتجف، لكن مع استمرار الضحك المهين راحت يداها ترتعشان توترًا.
وبجهدٍ كبير، تماسكت ونظرت إلى كل واحدةٍ منهن على حدة، ثم قالت بحزم:
“لا، لن أتزوج.”
“أوه! إذن لم تتلقي خطاب زواج من البارون هوريمان؟“
رمشت كورين بعينيها متصنّعة البراءة.
أخفت لورا يديها المرتجفتين خلف ظهرها، وحاولت الحفاظ على هدوئها.
“تلقيتُ العرض، لكنني رفضته.”
“لا داعي للخجل يا آنسة. صحيح أن هذا زواج البارون الرابع، لكنه ليس زواجَ ضِرار، أليس كذلك؟“
رغم لهجتها اللطيفة، كانت نظرات كورين مليئةً بالاستخفاف، وتبعها ضحك باقي الشابات.
أغمضت لورا عينيها بإحكام ثم أخذت نفسًا عميقًا.
لم تعد وحدها الآن.
وإن عجزت عن مواجهة هؤلاء، فكيف ستتمكن من خدمة صاحبة السموّ الأميرة لاحقًا؟
فتحت عينيها مجددًا، ونظرت إلى كورين بنظرةٍ هادئة وقالت:
“آنسة سورينا، لماذا تصرّين على مضايقتي هكذا؟ هل أسأتُ إليكِ في شيء؟“
“يا للعجب، ما هذا الكلام؟ أنا فقط أهنئكِ لأنكِ أخيرًا ستتزوجين بمن يناسب مستواكِ. لا تتصورين كم كان يضايقني رؤيتكِ في ساحة التدريب في كل مرة. كيف تجرؤين على الطمع بقائد الحرس الإمبراطوري؟“
حدّقت كورين في لورا بنظرةٍ شرسة.
عندها فقط أدركت لورا سبب إصرار كورين على إيذائها طوال الوقت.
“أنا لا أطمح إليه، إنما أحترمه فحسب.”
“همف، بالطبع.”
شمخت كورين بأنفها وهي تفكّر في طريقةٍ جديدة لمضايقتها، حينها شعرت بحركةٍ خلفها.
“آنسة أنف الكلب! يا لها من مفاجأة، لقد مضى وقت طويل!”
رفعت كورين يدها لا شعوريًا نحو أنفها، ثم سحبتها بسرعة والتفتت.
“أنتِ!”
“ها نحن نلتقي مجددًا هنا.”
رمقت داليا الجمع بنظرةٍ آمرة تطلب منهم التنحي.
وحين لم يتحرك أحد، شقّت آني طريقها بينهم بالقوة، ووسّعت المجال.
تراجعت الشابات وقد ارتسمت على وجوههن علامات الذهول، وهن ينظرن إلى آني وداليا.
أما الاثنتان، فلم تكترثا، بل تقدمتا حتى وقفتا أمام لورا وتحدثتا إليها بلطف.
“فستانكِ اليوم جميل جدًا يا آنسة أندير.”
انحنت لورا شاكرةً بعينيها.
“شكرًا لكما.”
“لكن لماذا يحيط الجميع بكِ مرةً أخرى؟ هناك الكثير من المأكولات الشهية على الطاولات. اذهبن وتذوقنها. فآنسة أنف الكلب تتمتع بحاسة شم قوية، وستستمتع بالطعام أكثر من غيرها.”
“مهلًا! لماذا تصرين على مناداتي بآنسة أنف الكلب؟ هل تسخرين مني الآن؟!”
ارتجف جسد كورين من الغضب وهي تحدّق في داليا بنظرةٍ قاتلة.
“الغريب أن من التفت عندما قلتُ ‘آنسة أنف الكلب‘ لم تكن سوى أنتِ. فكيف أكون قد سخرتُ منكِ؟“
التعليقات لهذا الفصل " 47"