قرأ غراي التقرير الذي قدّمه له أوريون، فازدادت عتمة عينيه السوداوين في لحظة.
كان التقرير حافلًا بالتفاصيل التي توثّق التغيّر الذي طرأ على سيلفيا خلال الأشهر الماضية، وكذلك أفعالها تجاه الأميرة.
وكانت تلك المعلومات قد جُمعت من استجواب الوصيفات والخادمات اللواتي كنّ مكلّفات بالقصر الخاص بالأميرة.
كانت سيلفيا قد أدخلت إلى القصر ما يُعرف بـ‘الطفل المُعنَّف‘، وبدأت تدريجيًا بتطويع فيفيانا ذات القلب الضعيف.
ولم يكن يتخيّل أن تلك الخادمة الصغيرة كانت واحدًا من هؤلاء الأطفال المعنَّفين.
في الإمبراطورية، كان وجود الأطفال المُعنَّفين محظورًا قانونًا.
صحيح أن بعض النبلاء قد يتحايلون على القانون، لكن أن يحدث هذا داخل قصره هو شخصيًا، فذلك أمر لم يخطر له على بال.
وكانت عضوة الديك ‘دايَن‘ تخفي كل هذا.
كاد يستغرب كيف بقيت حيّة كل هذه المدة بعد خيانتها له. كان ذلك دليلًا غير مباشر على عمق ولائها السابق له، لكنها لا بدّ أنها عاشت طويلًا وهي تبتلع الألم والمرارة بصمت.
قال أوريون بملامح يملؤها الغضب:
“تركت رسالة انتحار وتناولت السم. ماتت وكأنها نائمة.”
“وماذا عن تحليل الخط؟“
“تبيّن أنه خطّ سيلفيا فعلًا.”
هل يُعقل أن تكون سيلفيا قد أقدمت على كل هذا بدافع الطمع وحدها؟
كانت سيلفيا وصيفة والدته سابقًا، وكان يعرفها جيدًا.
لم تكن من عائلة فقيرة إلى حدّ أن تعميها قلادة عن عقلها.
فكيف تحوّلت امرأة كانت دومًا هادئة وحنونة إلى شخص جشع وعدواني، وكأن شخصيتها تبدّلت بالكامل؟
“فتّشوا عن كل ما يتعلّق بسيلفيا. دقّقوا في كل شيء دون استثناء.”
“نعم. وبالمناسبة، كبير الخدم يثني كثيرًا على الأميرة. يقول إنها أرسلت إليه رسالة في الوقت المناسب تمامًا.”
قال أوريون ذلك وهو يبتسم بعينيه، مشيرًا إلى التقرير.
قرأ غراي السطر الأخير فيه بعينيه:
[لقد تحقّقت كل هذه النتائج بفضل مساعدة الأميرة داليا.]
“صحيح. المشكلة أن هذا القصر الإمبراطوري أصبح هشًّا إلى درجة يحتاج فيها إلى مساعدة ضيفة. شغّلوا الجميع بلا استثناء.”
“…نعم.”
خرج أوريون وقد تدلّت كتفاه، وكأنّه ندم على فتح هذا الموضوع.
وضع غراي التقرير جانبًا، واستحضر صورة الأميرة.
بل، إن كان صادقًا مع نفسه أكثر، فقد بدا وكأنها استقرّت في زاوية من عقله، وراحت تطفو فجأة بين حين وآخر.
بعد أن أنقذت فيفيانا من البحيرة، ها هي الآن تنقذ فيفيانا وخادمة أخرى أيضًا.
كان ممتنًّا لمساعدتها، لكن جانبها الغامض لم يُكشف منه شيء بعد. ولن يستطيع التخلّص من التفكير بها إلا إذا فكّ لغزها.
* * *
انقلب القصر الإمبراطوري رأسًا على عقب.
المسؤولة عن القصر الخاص بالأميرة سرقت قلادة الأميرة، ثم تركت رسالة وانتحرت، وتبع ذلك تغيير شامل لكل من يعمل تحت إدارتها.
وانتشرت الشائعات انتشار النار في الهشيم بأن فتاة نبيلة من دولة أخرى كانت متورّطة في القضية.
لكن من جهة الإمبراطور، وكما جرت العادة، لم يصدر أي بيان رسمي بخصوص شؤون قصر الأميرة.
كانت داليا جالسة في حديقة قصر الكريستال، تحدّق بنظرة ضجرة في كومة بطاقات الدعوة المكدّسة على الطاولة.
زفرة واحدة. رشفة شاي. زفرة أخرى. رشفة شاي.
لم تكن تتخيّل أن تتلقى هذا الكم من الدعوات بعد أن اعتادت العيش بهدوء في القصر المنفصل داخل مملكتها، ثم تأتي إلى دولة بعيدة.
“لماذا الحياة هكذا يا آني؟“
كانت ضفيرتا شعرها الوردي تتأرجحان يمينًا ويسارًا كلما هزّت رأسها بعصبية.
أجابت آني الجالسة قبالتها وهي تملأ فنجانها بهدوء:
“الحياة أصلًا لا تسير كما نخطّط لها.”
“الدعوات تصل كل يوم. ألا يبدو وكأنني أصبحت محطّ الأنظار؟ كنت أنوي فقط تزويج الإمبراطور ثم الاختفاء بهدوء! آااه!”
كانت آني الوصيفة المخلصة التي توقعت عند كلمة ‘كنز المملكة‘ بتنهيدة مبهمة، قلقة من أن يصيب داليا أي أذى من ان يسمعها شخص ما.
أمسكت داليا فنجانها مجددًا بملامح كئيبة.
“ألا توجد امرأة جميلة إلى حدّ أن يقع الإمبراطور في حبها من النظرة الأولى، ورحيمة بما يكفي لترعى الشعب كله؟ لا بدّ أن تكون بهذه المواصفات لتصلح إمبراطورة، أليس كذلك؟“
ابتلعت آني عبارة ‘هل هذا تعريف بنفسك؟‘ بصمت، وأمسكت فنجانها، لكنها فجأة التقت نظراتها بكول، الذي كان يقف على مسافة قريبة للحراسة.
في تلك اللحظة، دخلت الحديقة خادمة تحمل طبق الحلوى وبطاقة دعوة أخرى.
“آنستي، وصلت دعوة جديدة.”
“حسنًا، اتركيها هنا واذهبي.”
هزّت داليا رأسها وكأنها لا تريد حتى النظر إليها.
“نعم.”
ابتسمت الخادمة بخفة وانسحبت.
فتحت آني بطاقة الدعوة الذهبية اللامعة أولًا.
“ومن هذه المرة؟“
“إنها الماركيزة ماري ساندو. عمّة جلالة الإمبراطور. تقول إنها ستقيم حفلة شاي خاصة للآنسان من الوفد الدبلوماسي ونبيلات الإمبراطورية فقط.”
أشرقت ملامح داليا، وسارعت بنظرها إلى البطاقة.
“هذا هو! سأذهب فورًا.”
“حقًا؟ لقد رفضتِ كل الدعوات الأخرى، أليس كذلك؟“
“لأنني كنت أحتاج إلى مكان أستطيع فيه رؤية عدد كبير من النساء دفعة واحدة، لا إلى تلك التجمعات عديمة الفائدة! هناك سأبحث عن شريكة مناسبة للإمبراطور! آه… تُرى هل سألتقي هناك أيضًا بتلك النبيلات اللواتي رأيتهن في ساحة التدريب يومها؟“
عبست داليا وشدّت شفتيها إلى الأمام، وكأن الفكرة لم ترق لها كثيرًا.
“أسرة الكونت سورينا ستُحسَم قضيتهم قريبًا. وعلى الأرجح ستدرك تلك النبيلة قريبًا من الذي عبثت به خطأً.”
رفعت آني زاوية فمها بابتسامة ماكرة أشبه بابتسامة الأشرار.
“أنا سعيدة جدًا لأنك في صفي يا آني.”
قالت داليا ذلك بنبرة دلع وهي تشدّ على يد آني، وقد سرت قشعريرة خفيفة في جسدها.
وفي تلك اللحظة—
“يبدو أن الجميع هنا؟“
دخلت الأميرة إلى قصر كريستال وبرفقتها موني، وتبعتهما فارسة نحيلة القوام تحمل سيفًا.
“تشرفنا برؤيتكِ يا صاحبة السمو.”
نهضت داليا وآني في آنٍ واحد وقدّمتا التحية.
“لا داعي لمثل هذه الرسميات بعد الآن. هل تسمحان لي بالانضمام إليكما لشرب الشاي؟“
“بالطبع.”
أجابت داليا بوجهٍ بشوش، بينما بادرت آني بإفساح مكانها لها.
“سأجلب أنا الكرسي.”
عندها رفعت داليا نظرها بتأنٍّ نحو الفارسة، وقد شدّ انتباهها صوت بدا لها مألوفًا.
كانت صاحبة شعر بني داكن يصل إلى منتصف ظهرها، مشدودًا إلى الخلف في ربطة واحدة، فيما كانت غرتها الكثيفة تغطي نصف وجهها، فلا يظهر منه سوى شفتيها الحمراوين.
وبينما تتبع داليا بنظرها، بادرت فيفيانا بتقديم الفارسة:
التعليقات لهذا الفصل " 44"