في تلك الأثناء، انفتح الباب على مصراعيه وظهر وجه القائد لواند الهادئ.
وما إن رآها حتى اتسعت عيناه قليلًا دهشة.
“الآنسة ليا؟“
“مرحبًا إيها القائد لواند.”
“ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟“
“لديّ طلب أودّ تقديمه لك. كنت على وشك أن أقول إنني أعرف القائد، لكن هذا الكاهن قاطعني ولم يترك لي مجالًا للكلام.”
اتجهت نظرة لواند الحادة نحو الكاهن الذي شحب وجهه.
“لـ… لم تقولي ذلك.”
هزّ الكاهن رأسه نافيًا.
“أنا متأكدة أنني قلت إن لي معرفةً هنا.”
ابتلع الكاهن ريقه بصعوبة.
صحيح أنها قالت ذلك، لكنه افترض تلقائيًا أنها تكذب؛ فكم من الناس يدّعون معرفة الكهنة الكبار؟
صرف لواند انتباهه عنه ونظر إلى داليا.
“ما سبب قدومك؟“
“الطفلة مريضة. أعتذر بشدّة، لكن هل يمكنك أن تطلب من أحد الكهنة الكبار علاجها؟ وسأدفع أيّ تبرّع تطلبه.”
تصلّبت ملامح لواند.
كان من المعتاد أن يعالج الكهنة رفيعو الرتبة النبلاء مقابل التبرعات، لكن سماع كلمة “تبرع” منها جعل طعمًا مرًّا يملأ فمه.
حوّل نظره نحو الطفلة.
“هل هي هذه؟“
“نعم.”
تفحّص لواند موني، فانكمشت الطفلة بخوف.
زيّ خادمة القصر الإمبراطوري، وجه مكدوم، كاحل ملتوي، وآثار سوط على الساق.
“لقد تعرّضت للضرب.”
بردت ملامحه فجأة.
نظرت داليا إلى موني بصمتٍ ونظرةٍ يملؤها الأسى.
“أدخلوها إلى الداخل.”
“شكرًا جزيلًا.”
أمر لواند معاونه باستدعاء كاهنٍ رفيع، ثم قادهم إلى غرفته.
وبعد دخولهم الغرفة المرتبة والنظيفة، وضع كول موني على السرير.
لكن موني انتفضت فجأة وحاولت النزول إلى الأرض.
“لا أستطيع الاستلقاء في مكان كهذا. ستتّسخ الملاءات.”
فقد كانت قد تدحرجت في غبار غرفة العقاب أيامًا عدة، ومن الطبيعي أن تتّسخ الأغطية سريعًا.
“لا بأس يا موني. إن اتّسخت سنغسلها.”
قالت داليا بلطف وهي تربّت على رأسها لتهدئتها.
عندها أمسكت موني رأسها بكلتا يديها.
“آنسة، لم أغسل شعري منذ زمن. إنه متّسخ. لا تلمسيني.”
لكن داليا أمسكت يدها الموضوعة على رأسها وأنزلتها بهدوء.
“موني، تذكّري كلامي جيدًا من الآن فصاعدًا. لا بأس أن أربّت على رأسك، لكن ليس مقبولًا أن تتحمّلي الألم وتدّعي أنك بخير. لذلك، لا تقولي دائمًا إنك بخير، اتفقنا؟“
“…لماذا أنتِ لطيفة إلى هذا الحد؟ أنا مجرد طفلة من دار أيتام، لا قيمة لي.”
قالت موني وهي تنظر إلى داليا بعينين دامعتين.
“فقدانك لوالديك ليس ذنبك، فلماذا تكونين بلا قيمة؟ أنتِ موني، وهذا يكفي.”
ومن الخلف، كان لواند يستمع إلى تلك الكلمات، فأغمض عينيه بهدوء.
إذ اندفعت إليه ذكريات طفولته فجأة.
* * *
حين دُفع الصبي جانبًا بدعوى أنه قذر، امتدّت إليه يدُ أحدهم.
نظر الصبي إلى تلك اليد الناعمة الممدودة نحوه، ثم أدار رأسه بعناد.
لم يكن ينبغي الوثوق بمثل هذا الشفقـة بسهولة.
خرج من فمه تذمّرٌ خشن:
“تسك! هذا النوع من المعاملة طبيعي. الكبار كلهم هكذا. يعاملون الأيتام بخشونة. لذلك يجب أن نعتاد على الأمر.”
لكن العينين اللتين كانتا تنظران إلى الصبي ذي العينين الزرقاوين المتمرّدتين كانتا مفعمتين بالحنان، وكذلك الجواب الذي عاد إليه:
“فقدانك لوالديك ليس ذنبك، فلماذا تعتبر ذلك أمرًا طبيعيًا؟“
* * *
فتح لواند عينيه فجأة، ثم أعاد تلك الذكرى الطافية إلى أعماق صدره.
إنها ذكرى لا يجوز له استحضارها.
ولا يليق به أصلًا أن يستدعي صورة ذلك الشخص.
وفي تلك اللحظة، جاءه صوتٌ حذر من جانبه:
“أم… سيدي القائد لواند؟ يشرفني لقاؤك على هذا النحو، لكن… ألا يبدو أننا التقينا من قبل؟“
في الحقيقة، كان لواند يتعمّد منذ البداية تجاهل النظرات الحارّة التي شعر بها، لكن حين سُئل مباشرة، اضطر أخيرًا إلى أن يلتفت ويقابل النظر.
كانت عينا كول العميقتان بلونهما الكهرماني الداكن تلمعان بالفرح.
“…أنتَ أخي، أليس كذلك؟“
( قصده بأخي انه كان أخوه في دار الايتام يعني مو اخوه بالمعنى الحرفي )
“لا.”
أجاب لواند ببرود، ثم أعاد نظره إلى الأمام.
“آه، أعتذر.”
قال كول ذلك وهو يفرك مؤخرة عنقه بحرج، لكنه لم يستطع أن يصرف نظره عن القائد.
القصة الأسطورية عن الرجل الذي كان من عامة الشعب، ثم أصبح سيّد السيف، وورث اسم قائد الفرسان المقدسيين، كانت مشهورة حتى في مملكة فويفرن.
ولهذا كان كول يُعجب به من بعيد، رغم أنه لم يره من قبل. وكان ينتظر يوم لقائه بفارغ الصبر بعد أن سمع أن الأميرة طلبت منه نزالًا.
لكن… أهذا الرجل هو القائد لواند حقًا؟ ولماذا يشبه إلى هذا الحد ذلك الأخ الذي نشأ معه في دار الأيتام؟
ذلك الأخ كان قد تُرك في دار الأيتام منذ ولادته، ولم يكن له اسم، فكان يُنادى دائمًا بـ“أنـتَ” أو “أخي” أو “أوبا“.
ثم، بعد أن التحق كول بالعمل في القصر الملكي، انقطعت أخباره تمامًا.
هل أخطأ في النظر؟ أم أن لواند لا يريد بعد الآن الاعتراف بروابط الماضي؟
كانت آني الواقفة إلى الجانب تراقب التوتر بينهما بعينٍ فاحصة.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل المعاون والكاهن الرفيع بسرعة.
قاد لواند الكاهن إلى جوار السرير.
“أيها الكاهن، أرجو أن تتولّى العلاج.”
“بالطبع. إنه طلبك يا سيدي القائد.”
ضمّ الكاهن الرفيع يديه فوق جسد موني الممدّد، وبثّ فيها القوة المقدّسة.
انتشر في الغرفة بريق ذهبي متلألئ—كانت تلك هي الطاقة المقدسة.
عاد لون وجه موني المكدوم إلى طبيعته، ثم بدأ كاحلها الملتوي يستقيم ببطء.
اتّسعت عينا داليا وهي تتابع المشهد.
كانت قد التقت بالعديد من الأطباء المشهورين بسبب مرضها المستعصي، لكنها لم ترَ كاهنًا من قبل.
فقد كانت والدتها تعارض ذلك دائمًا، بحجة أن القوة المقدسة لا تنفع إلا في الإصابات الجسدية.
لكن رؤية العلاج بهذه الطريقة أمام عينيها جعلتها تشعر بدهشة عميقة.
مسح الكاهن عرقه بعد أن أنهى العلاج، ثم ابتسم لموني بلطف.
“يا صغيرتي، هل تودّين أن تحاولي المشي الآن؟“
نزلت موني بحذر من السرير، ولمست الأرض بقدمها برفق.
لا ألم.
فتحت عينيها على اتساعهما غير مصدّقة، ثم أخذت تنحني مرارًا شاكرةً كل من في الغرفة.
“لا يؤلمني! شكرًا لكم، شكرًا جزيلًا!”
“هذا مطمئن يا موني.”
رفعت موني رأسها، فاستقرّت عيناها البرتقاليتان على داليا دون أن ترمش.
وتذكّرت فجأة اليوم الذي التقت فيه بالآنسة للمرة الأولى.
* * *
“في هذا الوقت من كل يوم سأجلب لك الحلوى هنا. وحتى يوم عيد التأسيس، سأكون أنا حظّك الجيد.”
* * *
الحظّ.
كلمة لم يكن لها معنى في حياة من وُلد يتيمًا مثلها.
لكنها الآن باتت تعرف معناها جيدًا.
كانت الآنسة حقًا الحظّ الذي جاءها أخيرًا.
“شكرًا لكِ…يا آنستي…”
قالت موني ذلك وهي تنتحب، ثم ارتمت تعانق خصر داليا مطلقةً الدموع التي كانت تكبتها طوال ذلك الوقت.
التعليقات لهذا الفصل " 43"