رفعت موني ذراعها على نحوٍ انعكاسي لتغطي وجهها خوفًا من أن تتلقى ضربة أخرى.
وعند رؤية ذلك المشهد، اشتعل الغضب في عيني داليا.
لم يعد في وسعها الاحتمال أكثر.
أمسكت باليد التي كانت ستضرب موني وجذبتها بقوة نحوها، فاقترب وجه سيلفيا المذعور فجأة.
وحين أفلتت يدها، اختلّ توازن سيلفيا فأخذت تتلوى وحدها قبل أن تسقط جانبًا.
جلست سيلفيا على الأرض وهي تحدّق في داليا بنظرات حادة وقاسية.
“تبا! أمسكوا بهذه المرأة! حالًا!”
الفرسان الذين كانوا يقفون متفرجين بلا اكتراث على ما يجري، أمسكوا مقابض سيوفهم بملامح ضجر.
في تلك اللحظة، تقدّم كلٌّ من كول وآني في آنٍ واحد ووقفا أمام داليا ليحموها.
“إياكم أن تتحركوا بتهوّر.”
قال كول ذلك وهو يشهر سيفه مبتسمًا ابتسامة ناعمة لا تنسجم مع نظرته الباردة.
“يبدو أن في هذه الإمبراطورية كثيرين يجهلون معنى الفروسية.”
قالت آني ذلك بابتسامة فاترة وهي تلوّح بمروحتها برفق.
وبينما استمرّ التوتر بين الطرفين، دوّى صوت حازم:
“توقّفوا!”
كانت فيفيانا التي كانت تقف في الخلف قد نهضت من مكانها وتقدّمت لتأمر الفرسان.
لكن الفرسان ترددوا، يراقبون ردّة فعل سيلفيا بدلًا من الامتثال لأوامر الأميرة.
“أسرعوا وأمسكوهم!”
صرخت سيلفيا وهي تنهض من مكانها وتضرب الأرض بقدمها غيظًا.
وعندما همّ الفرسان بالتحرك على مضض، اندفعت فيفيانا إلى الأمام وفتحت ذراعيها على اتساعهما أمامهم.
“هذا قصري! وعليكم أن تطيعوا أوامري!”
في تلك اللحظة، سُمع صوت شخصٍ لم يكن في الحسبان:
“هاها هاها هاه. هذا صحيح. ما دام قصر صاحبة السمو الأميرة، فيجب تنفيذ أوامرها.”
عند سماع صوت الشيخ الخافت وهو يتكئ على عصاه، تجمّد جميع من في القصر الإمبراطوري في أماكنهم.
“ر… رئيس الخدم!”
قالت سيلفيا ذلك بدهشة، ثم أسرعت إليه وانحنت احترامًا.
أن يظهر رئيس الخدم فجأة هنا… لم يكن أحد يفهم ما الذي يحدث.
“مر زمن طويل يا رئيسة الوصيفات.”
“نعم، يشرفني لقاؤك بعد طول غياب.”
“ولكن، لماذا لا تُنفَّذ أوامر صاحبة السمو الأميرة؟“
حدّق رئيس الخدم بعينيه المجعّدتين فيها دون أن يطرف له جفن.
“هذا غير صحيح. نحن بالطبع نطيع أوامر صاحبة السمو. لكن أولئك النبلاء الغرباء اقتحموا القصر فجأة وتسببوا بهذه الفوضى، ولم أفعل سوى أن أمرت الفرسان بطردهم.”
قالت سيلفيا ذلك بوجهٍ ممتلئ بالادعاء والظلم.
“أحقًا؟ ما أعرفه يختلف قليلًا عما تقولين.”
“ماذا تعني بكلامك هذا…؟“
نظرت إليه سيلفيا بعينين مضطربتين.
تجاهلها رئيس الخدم، وراح ينظر حوله بحثًا عمّن أرسل إليه الرسالة صباحًا.
وأخيرًا، التقت عيناه بعينيها.
* * *
[تحية طيبة يا سعادة رئيس الخدم.
أنا ليا هيردلان. أبعث إليك هذه الرسالة على عجل لأن لدي أمرًا بالغ الأهمية.
لقد سرقت مربية صاحبة السمو الأميرة العقد الذي يُعدّ من متعلقات الإمبراطورة الراحلة، كما أنها تمارس الاضطهاد بحق صاحبة السمو. أرجو منكم التفضّل بالحضور إلى قصر الأميرة لكشف الحقيقة.]
* * *
حين انحنى رئيس الخدم قليلًا تعبيرًا عن امتنانه، ردّت داليا التحية بأدب مماثل.
ورغم كونها نبيلة من دولة أخرى، إلا أنها كانت شخصًا يُبعث على بالغ الشكر.
فبعد إنقاذها لحياة صاحبة السمو الأميرة، ها هي تهتم حتى بما غفل عنه هو نفسه.
عاد رئيس الخدم بنظره إلى سيلفيا، فانفرجت التجاعيد حول عينيه وبرزت نظرة حادة كالسيف.
“يا رئيسة الوصيفات، قيل إنك اختلستِ العقد الذي قدّمته الإمبراطورة الراحلة لصاحبة السمو الأميرة، أليس كذلك؟“
“ماذا؟ مـ… ما هذا الكلام؟ لا، لم يحدث شيء من هذا القبيل أبدًا.”
قالت سيلفيا ذلك وهي تنكمش وتهزّ رأسها.
‘كيف عرف رئيس الخدم بذلك؟‘
شعرت بظهرها يبتلّ بالعرق البارد.
“حسنًا إذن. هل تسمحين لي بتفتيش غرفتك؟“
“لماذا تفعل هذا فجأة؟ أنت تعلم يا سعادة رئيس الخدم أنني أحب صاحبة السمو أكثر من أي أحد!”
احتجّت سيلفيا متظاهرة بالبراءة.
“أتشعرين بالخوف؟“
“لا، تفضّل وفتّش كما تشاء.”
رفعت سيلفيا رأسها بتصلّب.
بل كان ذلك أفضل لها.
فهي لا تثق بأحد، ولذلك كانت تحتفظ بعقد الأميرة دائمًا معها.
وإن لم يُعثر عليه في الغرفة، فستتمكن من الادعاء بأنها تعرّضت لافتراء وبصوتٍ أعلى.
وبإشارة من رئيس الخدم، بدأ خدم القصر الرئيسي الذين رافقوه بتفتيش غرفة رئيسة الوصيفات.
وبعد وقتٍ طويل، عادوا خاليي الأيدي.
نظرت سيلفيا إلى رئيس الخدم بوجهٍ واثق وقالت:
“ألا تصدّق براءتي الآن؟“
في تلك الأثناء، كانت داليا ترفع نظرها إلى السماء.
إذ إن ليمون كان قد حلّق فجأة، وأخذ يدور باستمرار فوق رأس سيلفيا، وكأنه يشير بوضوح إلى أن هذه المرأة هي الجانية.
ابتسمت داليا نحو السماء لشُكـره، ثم تقدّمت بخطوات هادئة باتجاه رئيس الخدم.
“سعادة رئيس الخدم، قد يكون عقد صاحبة السمو الأميرة في حوزة تلك المرأة.”
“َمـ… ما الذي تتفوهين به؟!”
صرخت سيلفيا بصوتٍ حاد وقد ارتسم الخوف واضحًا على وجهها.
أشار رئيس الخدم بذقنه، فانقضّت وصيفات القصر الرئيسي الواقفات خلفه وسحبن سيلفيا إلى غرفتها.
“لا، أرجوكم! لا تفعلوا هذا! صاحبة السمو، أنقذيني!”
وبعد وقتٍ قصير، عادت إحدى وصيفات القصر الرئيسي وهي تحمل عقدًا من الياقوت، وعرضته على رئيس الخدم.
تسلّم رئيس الخدم العقد بنظرة يملؤها الأسى، ثم توجّه به نحو الأميرة.
“صاحبة السمو، أعتذر. يبدو أنني وثقت برئيسة الوصيفات أكثر مما ينبغي. كان يجب أن أتحرّى الأمر بدقة أكبر.”
ثم انحنى أمام الأميرة الصغيرة وقدّم لها العقد.
“لا بأس… الخطأ خطئي أنا.”
قالت فيفيانا ذلك وهي تمسك العقد بحذر.
لم تستوعب بعد أن عقد والدتها قد عاد أخيرًا إلى يديها.
كانت قد رمت العقد في البحيرة، رغم أنه لم يكن سوى تقليد، معتقدة أن ذلك هو السبيل الوحيد لإنقاذ موني.
كان ينبغي ألا تتخلّى عنه بهذه السهولة، وكان عليها أن تأمرهم منذ البداية بألا يؤذوا موني.
تدفّق الندم المتأخر في صدرها حتى صار ألمًا خانقًا.
“هذا ليس ذنب سموّكِ. كل ما عليكِ هو أن تعبّري عمّا تريدينه.”
قال رئيس الخدم ذلك بلطف مشجّع.
كما اقتربت داليا منها وأرسلت إليها نظرة دافئة مليئة بالدعم.
تحرّكت شفتا فيفيانا بتردّد، ثم جمعت شجاعتها ونطقت أخيرًا:
“أزيحوا من أمامي كل من عصى أوامري.”
“أمركِ مطاع.”
أجاب رئيس الخدم بصوتٍ جهوري وهو ينحني احترامًا.
عندها اندفع عدد كبير من فرسان القصر الإمبراطوري الذين كانوا ينتظرون خارج القصر إلى الداخل، وقاموا باعتقال جميع العاملين في قصر الأميرة دون استثناء.
“نحن مخطئون!”
“لا نعرف شيئًا!”
“ارحمونا أرجوكم!”
وفي تلك اللحظة، سُحبت سيلفيا التي كانت تُقتاد على يد وصيفات القصر الرئيسي، حتى أُلقيت على ركبتيها أمام الأميرة.
“سموّكِ، أنا مذنبة. لقد أعماني الطمع.”
أغلقت فيفيانا عينيها بقوة وأدارت وجهها عنها.
تشبّثت سيلفيا ببكاءٍ عند قدميها.
“سموّكِ، أرجوكِ… لن أطلب الصفح بعد الآن. كل ما أرجوه أن تسمحي لي بأخذ شيءٍ واحد فقط من متعلّقات سيدتي السابقة. رسالةٌ منها كانت قد أعطتني إياها لأنها كانت تقدّرني. تلك الرسالة وحدها تكفيني.”
كانت سيدتها السابقة هي الإمبراطورة الراحلة، وقد كانت علاقتها بسيلفيا وطيدة كعلاقة الأختين.
تردّدت فيفيانا، لا تدري ما الذي ينبغي عليها فعله، فألقت نظرة حولها.
كان كلٌّ من رئيس الخدم وداليا ينظران إليها بعينين توحيان بأن أي قرار تتخذه سيكون مقبولًا لديهما.
حدّقت فيفيانا بصمت في سيلفيا التي كانت تنظر إليها من أسفل بملامح يائسة، وتذكّرت كم كانت تعاملها بلطف حتى قبل أشهر قليلة.
‘يا مُرضعتي… كيف تغيّرتِ إلى هذا الحد؟ وكيف انتهى بنا الحال هكذا؟‘
“…حسنًا. اذهبي إلى غرفتك وخذيها.”
“نعم، شكرًا… شكرًا جزيلًا.”
هتفت سيلفيا بامتنان، ثم أفلتت ذراعيها من أيدي وصيفات القصر الرئيسي واتجهت نحو غرفتها.
التعليقات لهذا الفصل " 41"