✿ الفصل 38 ✿
تأكّدت هارت من أنّ الآنستين خرجتا في وقت الفجر ولاحظتُ أن الفارس كول لحق بهما بصمت.
وبما أنّ حذر كول كان في ذروته، رأت أن ملاحقتهما ستكون محفوفة بالمخاطر، فاختبأت خلف شجرة في حديقة قصر الكريستال وانتظرت بهدوء.
وبعد وقتٍ قصير، عادت الآنستان ومعهما الأميرة.
اتّسعت عينا هارت بدهشة فألقت نظرة سريعة خلف الأميرة، لكن الديك الذي كان يفترض أن يكون ملازمًا لها لم يكن في الأثر.
وحده كول الذي كان قد تتبّعهما عاد إلى داخل القصر دون أن يُحدث صوتًا.
‘لماذا جاءت صاحبة السموّ إلى قصر الكريستال في هذا الوقت؟ ولماذا لا يظهر الديك؟‘
رأت هارت أن رفع تقريرٍ أولًا أهمّ من التلصّص على حديثهم، فانطلقت مسرعة نحو مقرّ الإمبراطور.
لكن في تلك اللحظة، خرج ظلّ إنسان من قلب الظلام.
“هارت.”
كان ضوء القمر محجوبًا بالغيوم، فعمّ الظلام المكان لكن من الهيئة والصوت عرفت فورًا من يكون.
“داين؟“
“لديّ… طلب. اعتذري… لجلالة الإمبراطور…”
خرج صوت داين واهنًا، كأنه على وشك الانقطاع.
“ما الذي حدث بالضبط؟“
“هذا… آخر طلب… كُح…”
وفي تلك اللحظة، انقشعت الغيوم وظهر ضوء القمر الأبيض.
اتّسعت عينا هارت وهي ترى داين أمامها؛ كان صدر ثيابها مبلّلًا بالدماء.
وضعت داين منديلًا على فمها، ونظرت إليها بنظرةٍ متوسّلة.
“داين! لماذا… ماذا حدث لكِ؟“
حدّقت هارت فيها بوجهٍ شاحب عاجزة عن متابعة الكلام.
لم تكن قد رأت من قبل أعراض تقيّؤ الدم عند داين، لكنها كانت تعرف السبب.
لكي يصبح المرء من وحدة الديك السرّية التابعة مباشرة للإمبراطور، لا بدّ أن يقسم له بالولاء عبر السحر.
فإن خالف أوامره أو فقد إخلاصه وخانه يبدأ بتقيّؤ الدم ثم يموت.
ومع ذلك، لم يخف أحد من الديك من هذا القسم.
فمنذ اللحظة التي اختاروا فيها هذا الطريق، كانوا جميعًا مستعدّين للموت من أجل الإمبراطور.
ومن بينهم، كانت داين أشدّهم إخلاصًا له إلى حدٍّ يكاد يكون أعمى.
فلماذا داين؟
“كُح…”
تقيّأت داين الدم مرة أخرى، ثم جثت على ركبتيها ببطء.
“داين!”
“أعتذر… بلّغي…”
“لماذا فعلتِ هذا؟ لماذا! أيّ بلاغ هذا؟ بلّغيه بنفسك!”
حملت هارت دايم على ظهرها دون تردّد، وانطلقت راكضة إلى الأمام.
“كُح…”
شعرت بحرارة الدم تبلّل ظهرها.
“لا تموتي. وإن متِّ، فليكن ذلك بعد أن تنالي عفو جلالة الإمبراطور. إن متِّ هكذا، فسيكون موتكِ عبثًا.”
“آسفة…”
“التزمي الصمت فقط أيتها الخائنة!”
شدّت هارت على أسنانها، وبكل ما لديها من قوة دفعت قدميها لتندفع بأقصى سرعة ممكنة.
* * *
طَق. طَق طَق. طَق طَق طَق.
طرقت هارت نافذة غرفة الإمبراطور بإيقاعٍ منتظم.
“ادخلي.”
قفزت هارت إلى الداخل وسجدت أمام الإمبراطور ثم أنزلت داين بحذر إلى جانبها.
جثت داين على ركبتيها بوجهٍ شاحب، وشدّت جسدها بالقوة كي لا تسقط من شدّة الضعف.
“أمثُل بين يدي جلالة الإمبراطور.”
رفع الإمبراطور رأسه عن الأوراق التي كان يطالعها.
وعلى الرغم من أنّ صدر داين كان مغطّى بالدم، بدا كأن نظره البارد لم يلحظها أصلًا، بل انصبّ تركيزه كلّه على هارت.
“ما الأمر؟“
“صاحبة السموّ الأميرة زارت قصر الكريستال.”
رفعت هارت تقريرها وهي مركّزة على الإمبراطور.
“في هذا الوقت؟“
“نعم. ما إن رأيتُ صاحبة السموّ حتى أسرعتُ إلى هنا، لذلك لا أعرف التفاصيل بعد.”
“كُح…”
لم تعد دايان قادرة على التماسك، فانحنت إلى الأمام وتقيّأت الدم مجددًا.
رمقتها هارت بنظرةٍ مؤلمة، ثم انتظرت كلمات الإمبراطور بقلقٍ شديد.
تسلّل هواء بارد من النافذة المفتوحة، فخفّف من رائحة الدم التي ملأت الغرفة.
انتقل نظر الإمبراطور الخالي من المشاعر إلى داين لبرهة، ثم عاد إلى هارت.
“هارت، هل هناك أيّ من الديك في فترة راحة حاليًا؟“
“كلوي ستعود قريبًا بعد إتمام مهمتها.”
“إذًا، إلى أن تعود كلوي، ستتولّين أنتِ أمر الأميرة مؤقتًا. توجّهي أولًا إلى قصر الكريستال، وافهمي الوضع، ثم ارفعي تقريرًا.”
“أمتثل للأمر.”
انحنت هارت بعمق ثم نهضت.
وعلى الرغم من أنّ عينيها كانتا تتّجهان مرارًا نحو دايم، فإنها قطعت تردّدها وغادرت عبر النافذة مسرعة.
وبعد أن أُغلقت النافذة، خيّم الصمت على الغرفة وامتلأ الجوّ برائحة الدم النفّاذة.
اتجه بصر الإمبراطور ببطء نحو داين.
رفعت داين جسدها بالقوة مرة أخرى، والتقت عيناها بعينيه.
انحنت برأسها بخشوع ثم تقيأت دمًا مجددًا.
كانت تحاول بصعوبة أن تُبقي جفنيها، اللذين كانا يثقلان شيئًا فشيئًا مفتوحين.
“أ… أعتذر… كُح…”
نظر غراي بلا اكتراث إلى داين المرتجفة وهي تعتذر.
خيانة أحد أفراد الديك… متغير لم يخطر بباله قط.
لقد عاش وهو يعلم أن عمره محدود، فصقل مهاراته في المبارزة ليحمي نفسه من الاغتيال.
وتعمّد تناول السموم بجرعات صغيرة ليكوّن مناعة ضد التسميم.
وعاش عمره كلّه حذرًا من الناس لا يمنح قلبه لأحد أكثر مما ينبغي.
لكن الديك الذي أنشأه وبذل فيه كل جهده… لعلّه وثق به.
فقد كان قسم الولاء المربوط بالحياة نفسها قسمًا لا يمكن نقضه.
ومع ذلك، ظهر خائن.
استقر نظره الحاد على وجه داين الملطخ بالدم.
في الأصل، كان ينبغي أن تموت فور شروعها في تقيؤ الدم. لكنها كانت لا تزال صامدة، ما يعني أن ولاءها له لم ينقطع بعد.
خائنة تحمل ولاءً في قلبها.
“هل لديك ما تقولينه؟“
رفعت نظرها إليه.
“أنا… غغ… لم أخن… جلالتك…”
حاولت أن تتابع كلماتها بصوت مبحوح يختنق بالدم.
“يبدو الأمر كذلك. بدليل أنك ما زلتِ على قيد الحياة.”
رغم نبرته الخالية من المشاعر، ارتسم على وجه داين أثر من الارتياح.
«يكفيني أن… تعرف… ولائي—»
“لكنّكِ ستموتين قريبًا.”
قاطعها غراي ببرود.
رفعت داين جفنيها المثقلين بصعوبة، وحدّقت بالإمبراطور.
أول مرة رأته كانت في زقاق خلفي تعيش فيه على التسوّل.
كانت مطروحة على الأرض بعدما ضُربت لأنها سرقت خبزًا من لصوص خبز.
حينها ظهر هو.
كان وليّ العهد آنذاك، ورغم أنه كان يرتدي ثيابًا عادية، بدا متلألئًا على نحوٍ أعمى الأبصار.
كان أول نور تراه في حياتها في ذلك الزقاق المظلم.
الوجود الوحيد الذي يمكنها أن تقسم له بالولاء حتى الموت.
كانت تعشقه بإخلاص.
هو وحده الإمبراطور الأوحد لهذه الإمبراطورية.
ومع أن الألم الذي كان يلتهم جسدها جعل وعيها يتلاشى تدريجيًا، فإن هذه الفكرة وحدها ازدادت صفاءً في ذهنها.
“هل أدركتِ ذلك؟ أنني أنوي توريث العرش للأميرة الإمبراطورية.”
ابتلعت داين الدم المتجمع في فمها وأومأت برأسها ببطء.
مضت أكثر من ثلاث سنوات منذ تعيينها في قصر الأميرة.
وعلى الرغم من أن الإمبراطور كان ظاهريًا يتجاهل الأميرة، فإن داين كانت تعلم أنه يعتني بها أكثر من أي أحد.
لكنها ظنّت ذلك مجرد عاطفة قرابة.
إلى أن بدأ الإمبراطور بتعليم الأميرة علوم الحكم.
في اللحظة التي أدركت فيها ذلك، لم تعد الأميرة مجرد ابنة دم، بل صارت خصمًا يطمع في العرش.
كيف لها أن تجلس على عرش إمبراطور لووسيفون؟
وهكذا تحوّلت الأميرة في قلب ديَن إلى وجود يجب إزالته.
لذلك لم ترفع تقريرًا، حتى بعدما تغيّرت سيلفيا فجأة وكأنها شخص آخر.
كانت تعلم أنها بذلك تنتهك قسم الولاء، ومع ذلك تعمّدت إغفال تلك الجزئية في تقاريرها.
حتى بينما كانت أحشاؤها تلتوي داخل جسدها، وتبصق الدم ظلّت تؤمن بصواب عقيدتها.
وفي عيني داين الآفلتين، لم يبقَ سوى هوسٍ واحد…
إلا وهو الإمبراطور.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 38"