✿ الفصل 30 ✿
بينما كان يتأمّلها عن كثب، ارتجفت رموشها الطويلة بخفّة، ثم ارتفعت جفناها ببطء.
كانت عيناها تبدوان عادةً بلونٍ بنفسجيّ فاتح، غير أنّ ضوء الشمس حين لامسهما أضفى عليهما مسحةً زرقاء سماوية، فبدتا بلونٍ غامض آسر.
حدّقت فيه بنظرةٍ ضبابية مثقلة بالنعاس فالتقت نظراتهما في الفراغ.
تشابكت أعينهما للحظةٍ صامتة.
“ يدي ليست وسادة يا آنسة.”
“آه !”
فتحت الأميرة عينيها على اتّساع، ونهضت فجأة من مكانها، ثم أخرجت منديلاً وأمسكت بيده وبدأت تمسحها بجدّ.
نظر إليها باستغراب، فاحمرّ وجهها خجلًا حتى صار بلون شعرها الورديّ الفاتح.
“ خشيتُ أن أكون قد سال لعابي عليها.”
ضحك غراي ضحكةً قصيرة دون أن يشعر.
“ اطمئني، لم يحدث ذلك.”
“ هذا جيد.”
تنفّست بعمق وهي لا تزال قابضةً على يده.
بدت يده الممسكة يدها بها أكبر من المعتاد هذا اليوم… أو لعلّ يدها هي الصغيرة.
وحين انتبه إلى نفسه وهو يقيس حجم يدها، تصلّب خطّ فمه فجأة.
مهما يكن، أليس من التهوّر أن يتعامل مع الأمر بهذه السهولة حتى وإن لم تظهر عليه أيّ أعراض عند لمسها؟
لم يرضَ عن نفسه هذا اليوم على وجه الخصوص.
“ يبدو أنّكِ تمسكين يد أيّ رجل دون تردّد.”
“ آه، أعتذر!”
ارتبكت وأفلتت يده على الفور.
لكن… ألم يكن الإفلات بهذه القسوة مبالغًا فيه؟
ارتفع أحد حاجبيه دون وعي تعبيرًا عن امتعاضه.
“ ما الذي تفعلينه ليلًا حتى لا تنامي، وتغفين في كلّ مكانٍ هكذا؟“
دارت عينا الأميرة يمنةً ويسرة واضحةً محاولتها لترتيب أفكارها.
“ أعاني الأرق.”
في الحقيقة، كانت تنام نومًا عميقًا، لكن داليا اختلقت العذر بابتسامةٍ محرجة.
كان الادّعاء بالأرق أهون من القول إنها تغفو في أيّ وقتٍ دون سبب.
“ فهمت. ألم تُحضري الدفتر اليوم؟“
راح يتفحّصها بنظراته، فمدّت يديها على اتّساع لتُريه أنّها لا تحمل شيئًا.
“ لا. انتهت لقاءاتنا الثلاثة المتّفق عليها، وربما يكون هذا آخر لقاءٍ منفردٍ لي مع جلالتك.”
“… هكذا إذن .”
“ لكن، لماذا استدعيتني؟“
“ ابدئي أوّلًا بما كنتِ ترغبين في قوله في اللقاء الثالث.”
“ حقًا؟ إذن آمل ألّا يكون هناك حدٌّ زمنيّ قدره خمس دقائق اليوم.”
“ ليكن.”
رأته يسند ظهره إلى الكرسيّ في استرخاء.
استجمعت داليا الأسئلة التي أعدّتها في ذهنها.
“ قلتَ في المرّة السابقة إن لونك المفضّل هو لون الفجر. هل يمكن أن تخبرني تحديدًا ما هو لون الفجر؟“
التقت عيناها مباشرةً بعيني الإمبراطور السوداوين.
‘ ما به؟ لماذا يحدّق هكذا؟ كأنّه سيخترق وجهي!’
“ تجاوزي السؤال.”
خرج الجواب من فمه بعد صمتٍ طويل من تحدّي النظرات.
نفخت داليا خدّيها امتعاضًا، لكن نظره هذه المرّة استقرّ طويلًا على شفتيها.
‘ ما هذا؟ تحدّث بالكلام، لا بالنظر!’
‘ يا إلهي… هل سال لعابي فعلًا وأنا نائمة؟‘
مسحت شفتيها سريعًا بالمنديل.
في مثل هذه المواقف، يجب تغيير مجرى الحديث!
“ ما رأيك بالنساء اللواتي يحببن الاعتناء بالحدائق؟“
“ شفاهكِ تتحدّث…”
وفجأةً، بدا أنّ الإمبراطور قد سدّ فمه بيده على عجل.
نظرت إليه داليا بوجهٍ مذهول.
“ وبماذا يفترض أن تتحدّث الشفاه غير بالكلام؟“
يا للجنون.
دون أن يشعر، سُلب بصره نحو شفتيها.
حين أنقذها بالتنفّس الاصطناعي كانت شفاهها باردة كالجليد، أمّا الآن فقد عاد إليها الدفء واكتست بلونٍ ورديّ جميل.
ما إن استعاد ذكرى ذلك اليوم الذي لامسها فيه حتى عجز عن صرف نظره عنها.
تجمّعت حرارة حارقة في جفنيه.
لقد فقدَ صوابه.
غطّى غراي عينيه بالكامل باليد التي كانت تحجب فمه قبل قليل.
“ جلالتك؟“
لبّى نداءها وهو لا يزال يحجب عينيه.
“ واصلي الحديث. رأسي يؤلمني.”
خيّم ظلٌّ على وجه داليا.
كانت تعلم أنه لا يحبّ النساء، لكن هل يصل الأمر إلى إصابته بالصداع لمجرّد طرح سؤالٍ يتعلّق بهنّ؟ وهل هذا الرجل قادر فعلًا على الزواج؟ لا بدّ أن يتزوّج… لا خيار آخر.
نظرت إليه بقلق، واستحضرت السؤال الذي كتمته في صدرها طويلًا.
في الحقيقة، كانت تتساءل عنه منذ اللحظة الأولى التي التقته فيها.
وبما أنّ هذا اللقاء قد يكون الأخير بينهما، فلا بدّ أن تسأله الآن.
“ جلالتك، ما رأيكم في نهاية العالم؟“
أنزل الإمبراطور يده ببطء، وأخذ يتفحّصها كما لو كان يحاول سبر أعماقها.
“ هل تسألين بجدّية؟“
استنشقت داليا نفسًا عميقًا، ثم أومأت برأسها بوجهٍ حازم.
“نعم .”
“ هل تعرفين شيئًا عن الوحوش الشيطانية؟“
سألها غراي بنبرةٍ حادّة وهو يحدّق في عينيها البنفسجيتين.
“ وما هي الوحوش الشيطانية؟“
مالت الأميرة برأسها قليلًا وبدا وجهها بريئًا صافيًا.
“ لا تعرفين الوحوش الشيطانية؟ حقًا؟“
« نعم. ما هي؟»
‘ حقيقة.’
قبل وقتٍ قصير فقط، كان قد رأى عبر التسجيل المرئي مخلوقًا يُدعى وحشًا شيطانيًا، وهو كائن لم يسمع به ولم يره من قبل قط.
ومع ذلك، كان سؤالها يدور حول نهاية العالم.
أيمكن أن تكون هاتان المسألتان غير مرتبطتين تمامًا؟
لكن فحص الحقيقة أكّد أن جوابها صادق.
“ ما السؤال الذي طرحته؟“
“ نهاية العالم. هل لديك أيّ معلومات عنها؟“
سألت داليا بحذر وهي تراقب تعابير وجهه، غير أنّ غراي لم يكن يعرف الجواب هو الآخر.
هل يمكن أن تكون تلك المخلوقات الجديدة هي السبب في نهاية العالم؟
كان ظهور تلك المخلوقات في الوقت الراهن سرًّا تامًا.
ما حقيقتها بالضبط؟ كم عددها؟ إلى أيّ حدٍّ يعرف عنها إمبراطورية هالين المقدّسة؟ ولماذا يسعون للإمساك بها حيّة أصلًا؟
أسئلة كثيرة بلا إجابة.
“ لا أدري.”
أجاب غراي بردٍّ مبهم، وهو يراقب ردّة فعلها.
“ كما توقّعت.”
هزّت الأميرة رأسها بوجهٍ خائب.
“ لكن دعيني أسألك أنا. لماذا خطر لك فجأة السؤال عن نهاية العالم؟“
“ مجرد افتراض. إن انتهى العالم، سيموت جميع من أحبّهم… وهذا مخيف.”
ارتجفت عينا الأميرة البنفسجيتان بقلق.
أيعقل أن تقلق إلى هذا الحدّ لمجرّد تخيّل؟ بل زادت شكوكه تجاهها.
“ يبدو أنّ خيالكِ واسع جدًا يا آنسة.”
“ ألا تخاف أنت يا جلالة الإمبراطور؟“
نظرت إليه بوجهٍ مستغرب وكأنها لا تصدّق جوابه.
“ الموت لا يُخيفني.”
منذ أن ظهر ذلك الرمز الذي يدلّ على عمره المحدود على ظهره، كان يتساءل كلّ عام هل أموت هذا العام؟ وكيف ستكون نهايتي؟
كان يقترب من الموت خطوةً خطوة، وقد أعدّ نفسه لذلك منذ زمنٍ بعيد.
“ وماذا عن موت من تحبّهم؟“
من يحبّهم… لم يخطر في باله أحد على الفور.
ربما فيفيانا، باعتبارها من العائلة.
“ ذلك… قد لا يعجبني.”
“ أليس كذلك؟ إذن، لنفترض. لو استطاع جلالتك منع نهاية العالم، هل ستفعل ذلك؟“
سألت الأميرة بحماس وقد أضاءت عيناها.
“ أتقولين إن لديّ القدرة على إيقاف نهاية العالم، لا مجرّد حماية الإمبراطورية؟“
وحين ردّ عليها بسؤالٍ يحمل في طيّاته الاستغراب، أومأت برأسها بقوّة.
“ نعم! افتراضًا فقط!”
“ سأفكّر في الأمر حينها.”
انحنت داليا برأسها بخيبة أمل.
كان رجلًا صعب المراس حقًا.
“ والآن جاء دوري، أليس كذلك؟ كيف عرفتِ أن الأميرة سقطت في البحيرة؟“
تلألأت عينا الإمبراطور بنظرةٍ حادّة.
ابتلعت داليا ريقها وهي تراقب ملامحه بحذر.
إذًا… لهذا السبب استدعاها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 30"