✿ الفصل 24 ✿
“آه…”
داهمها فجأة إحساسٌ مشؤوم واستقرّ الخوف في عيني داليا البنفسجيتين.
‘لا يجب أن يكون اليوم…’
اندفعت داليا بقلقٍ شديد نحو المكان الذي كان فيه ليمون.
وما إن شقّت طريقها بين الشجيرات حتى دوّى صوتٌ صاخب من الجانب.
تشابك! تشابك!
وحين أدارت نظرها نحو البحيرة، رأت يدًا بيضاء تخبط في الماء بعجز.
‘إذًا… هو فعلًا اليوم.’
استدارت داليا على عجل ونظرت نحو الجهة التي اختفى فيها الإمبراطور.
هل تلحق به الآن وتطلب المساعدة؟
“أنقذوني…”
لكن صوت الطفل الواهن قيّد قدميها في مكانهما.
وإن ذهبت خلف الإمبراطور وضاعت في الطريق، فماذا عن ذلك الطفل؟
هل ستتمكن أصلًا من اللحاق به وقد ابتعد إلى هذا الحد؟
تشابكت الأفكار في رأسها كخيوطٍ معقودة مع خوفٍ خانق من أن يموت شخص أمام عينيها.
هزّت داليا رأسها بعنف وصفعت خديها بقوة.
‘تماسكي. ركّزي على ما تستطيعين فعله الآن.’
تفحّصت ملابسها سريعًا.
إن نزلت إلى الماء بهذا الفستان الطويل، فستغرق حتمًا.
أسرعت بفكّ أزرار فستانها، ورفعت رأسها نحو السماء.
“ليمون، أنت تعرف الإمبراطور أليس كذلك؟ لقد غادر هذا المكان قبل قليل. أحضِره إلى هنا أرجوك.”
[بي بي.]
هزّ ليمون رأسه كأنه فهم ثم انطلق محلّقًا بعيدًا.
بعد أن نزعت فستانها، أخرجت رسالة روز التي كانت تحملها دائمًا في جيبها، ووضعتها تحت حجر كي لا تطير.
ثم وهي ترتدي قميصًا خفيفًا فقط، نظرت حولها بسرعة وجمعت الأغصان المتساقطة على الأرض، وربطتها معًا باستخدام الفستان.
تشابك! تشابك!
كان الطفل لا يزال يرفع رأسه فوق سطح الماء ثم يغيب من جديد.
أخذت داليا نفسًا عميقًا وضمت الأغصان المربوطة إلى صدرها وتقدّمت.
لامس ماء البحيرة البارد أطراف قدميها فاجتاحها شعورٌ قاسٍ بالقشعريرة وتيبّس جسدها تلقائيًا.
صفعت خدّها بيدها بقوة.
–دوم!
شعرت بألمٍ حاد وكأن فمها قد تشقّق، لكن الألم أجبر الخوف على التراجع فعادت قدماها للحركة.
لفّ الماء الأزرق المتماوج كاحليها، ومع تقدّمها ببطء ارتفع الماء حتى بلغ صدرها.
حاولت داليا ألّا تنظر إلى الأسفل وثبّتت بصرها على وجه الطفل الشاحب.
لكن ما إن فقدت قدماها ملامسة القاع حتى اسودّ كل شيء أمام عينيها للحظة.
عضّت داليا على باطن شفتيها بقوة.
ذلك الألم الحاد وطعم الدم الساخن في فمها دفعا الخوف بعيدًا.
ولحسن الحظ كما توقّعت، طفت الأغصان المربوطة بالفستان وحملت جسدها فوق الماء.
‘يكفي أن أوصل هذه الأغصان إلى الطفل.’
أخذت نفسًا عميقًا، وركّزت كل حواسها على وجه الطفل الذي كان لا يزال يتخبّط.
دفعت الماء بحذر بذراعٍ واحدة وكأن جسدها تذكّر تلقائيًا السباحة التي تعلّمتها في صغرها فتقدّمت.
اقترب صوت تخبّط الطفل شيئًا فشيئًا.
‘أستطيع…بل يجب أن أستطيع.’
‘كيف لي أن أنقذ العالم إن لم أتمكن حتى من إنقاذ طفلٍ واحد؟‘
كانت داليا تردّد ذلك في داخلها بلا توقف وهي تشقّ الماء.
‘قليلٌ فقط… خطوة أخرى.’
“أنقذوني…”
جاءها صوت الطفل من أمامها مباشرة.
مدّت داليا الأغصان نحوه بكل ما أوتيت من قوة.
وحين أمسك الطفل بها وهو يتخبّط، غاصت الأغصان فجأة تحت سطح الماء.
وفي تلك اللحظة، اختلّ توازن داليا التي كانت تمسك بالطرف الآخر.
أفلتت الأغصان بذهول.
“آه…”
من شدّة الارتباك فتحت فمها دون وعي فدخل الماء إلى حلقها.
أظلمت رؤيتها، واندفع الخوف الذي كانت تكبته في أعماقها ليخدش قلبها بلا رحمة.
ازداد ابتلاعها للماء وهي تتخبّط وقد استولى عليها الذعر.
“اغغغ…”
اختنق نفسها ودوّختها الرؤية وبدأ جسدها المتشنّج يهبط ببطء.
فتحت عينيها بصعوبة داخل الماء الداكن، فرأت الطفل معلّقًا بالأغصان.
هذا مطمئن… هذه المرة تمكّنت من إنقاذه.
شعرت داليا وكأنها تهوي بلا نهاية، تغرق أعمق فأعمق، إلى القاع.
بارد…
أمي…
الماء باردٌ جدًا…
أغلقت داليا عينيها ببطء.
* * *
كان غراي يسير وملامحه غارقة في التفكير.
لم يكن يجهل أن آنسة حديقة الزهور الوردية تخاف الماء، بل كان يعرف ذلك حتى قبل أن تصرّح به بنفسها.
ففي اللحظة التي لامست فيها عيناها البنفسجيتان سطح البحيرة، رأى كتفيها الصغيرين يرتجفان ارتجافة خفيفة.
كانت تقبض على يديها بإحكام وتحاول بكل ما أوتيت ألّا تنظر إلى البحيرة.
فلماذا إذن ألحّت على المجيء إلى هنا رغم هذا الخوف؟
ومن ملاحظته لانشغالها بتفحّص المكان على عجل، بدا أن قولها إنها تبحث عن شيء لم يكن كذبًا.
“آه!”
في تلك اللحظة، توقّف أوريون فجأة في مكانه وهو يتقدّمهم، بعد أن سقط غصنٌ صغير فوق رأسه.
نقر إيثان لسانه بخفّة، وكأنه يقول ما كل هذا الفزع من غصن؟
استأنف أوريون السير بوجهٍ محرج، لكن هبّة ريحٍ مفاجئة جعلت ورقة شجر تلتصق بوجهه مباشرة.
“هل الشجرة مغرمة بي إلى هذا الحد؟“
تذمّر وهو ينزع الورقة عن وجهه ويخطو خطوة أخرى، لكن ريحًا أقوى هبّت مجددًا.
ارتفعت أوراق الشجر اليابسة من الأرض، وأخذت تدور في الهواء.
دار الهواء والأوراق من حولهم معيقين طريقهم…
كأنهما يقولان توقّفوا.
“لماذا تهبّ الرياح فجأة هكذا؟ كأنها تمنعنا من الذهاب… ها؟ إلى أين تذهب؟ مولاي!”
تحوّل هذيان أوريون إلى ذهول حين رأى الإمبراطور يستدير فجأة ويعود في الطريق الذي جاء منه.
مرّ به إحساسٌ مشؤوم.
كان عليه أن يأتي بها، حتى لو اضطر إلى جرّها معه.
أسرع غراي في خطاه، وهو يلوك ندمًا متأخرًا.
شعر بإيثان يلحق به بسرعة من الخلف.
كما اندفع أوريون خلفهما وهو يصرخ بصوتٍ عالٍ.
“مولاي! لماذا تركض فجأة؟ هاه… هاه…”
‘أأركض؟ أنا؟‘
تساءل غراي في نفسه، لكنه لم يُبطئ سرعته.
ما إن شقّوا الأغصان الطويلة ووصلوا إلى المكان السابق، حتى أخذ ينظر حوله بسرعة.
لا أحد.
وصل أوريون أخيرًا، يلهث بشدّة.
“هاه… هاه… آنسة هيردلان قد غادرت-“
“اصمت!”
قاطع إيثان كلامه على عجل، وفي تلك اللحظة تلاقى نظر غراي وإيثان بعد أن أدركا ما يحدث.
اندفع الاثنان مسرعين نحو مصدر الصوت.
تشابك! تشابك!
وعندما اتجهت أنظارهما إلى البحيرة رأيا فيفيانا تمسك بالأغصان المربوطة.
وبجانبها لفت نظرهما شعر الآنسة الوردي، وهو يغوص شيئًا فشيئًا تحت سطح الماء.
أظلمت الدنيا أمام عيني غراي في لحظة، وانقطع نَفَسه فجأة فقبض على عنقه.
“صاحبة السموّ الأميرة!”
استعاد غراي وعيه بصعوبة على صرخة أوريون ونزع سترته على الفور.
كان إيثان قد ألقى بالفعل سيفه وسترته معًا.
قفزا غراي وإيثان في البحيرة في آنٍ واحد.
اتجه إيثان بسرعة نحو الأميرة، بينما غاص غراي برأسه تحت الماء بحثًا عن الآنسة التي غرقت أسفل السطح.
‘لماذا؟ لماذا بحقّ السماء؟‘
‘امرأة تخاف الماء إلى هذا الحد… كيف دخلت إليه أصلًا؟‘
بحث عنها بيأس، لكنها لم تكن في مرمى بصره.
خرج غراي إلى السطح ليلتقط أنفاسه، ثم غاص مرة أخرى.
أعمق…
أعمق من ذلك.
وفجأة، في الماء الداكن كسماء الليل، لمح جسدًا أبيض يتوهّج بخفوت يطفو وحيدًا.
مدّ غراي يده بكل ما يملك من قوة نحوها.
كانت يدها الصغيرة البيضاء المدفوعة بضغط الماء على وشك أن تلامسه… أو تكاد.
أمسك بها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
https://t.me/+B1LRT5sCzNwxN2U0
التعليقات لهذا الفصل " 24"