في هذه الأثناء، أغمضت داليا عينيها بإحكام فجأةً، إذ خطرت لها فكرة أن ذلك الإمبراطور قد يحتسب هذا اللقاء العابر أيضًا كلقاءٍ ثالث.
“لماذا أغلقتِ عينيكِ يا ليا؟“
“دخل الغبار في عيني—”
“هذه المرة أيضًا، لا تجعليه محسوبًا يا آنسة.”
“ظننتُ أن الغبار دخل عيني، لكن يبدو أنه لم يكن كذلك.”
بدّلت داليا موقفها بسرعة، وارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة.
عندها، التفت الأشخاص الثلاثة المحيطون بها إليها في آنٍ واحد.
رفعت داليا ذقنها بوجهٍ وقح قليلًا.
‘لماذا؟‘
تنهدت آني بعمق، أما إيثان فشدّ على أسنانه حتى برزت عضلات فكه وكأنه يكبح شيئًا ما.
وحده الإمبراطور كان ينظر إليها بنظرة غير راضية.
“يبدو أن لديكِ موهبة بارعة في إضحاك الناس يا آنسة.”
“أنا في الأصل شخصٌ مُضحك—”
“كنتُ أقولها على سبيل التلميح الساخر.”
“بل على سبيل التهكّم.”
قال الإمبراطور وآني ذلك في الوقت نفسه.
“آه، هكذا إذًا. على كل حال، صحيح أنني شخصٌ مُضحك.”
أجابت داليا بوجهٍ هادئ.
وحين أومأت آني برأسها كأنها توافق، حرّك إيثان رأسه هو الآخر حركةً طفيفة.
نظر غراي إليهما بامتعاض.
‘هل يحيط بهذه المرأة دائمًا أشخاصٌ يدلّلونها إلى هذا الحد؟ ألهذا أصبحت روحًا حرّة هكذا؟ ولكن… لماذا إيثان أيضًا؟‘
عاد بصره ليستقرّ على تلك الآنسة ذات الابتسامة البريئة.
قبل قليل، لامس جسده جسدها.
في المرة السابقة حين رآها تسقط، لم تتحرّك يده قيد أنملة.
وكان ذلك طبيعيًا؛ فبالنسبة له لمس امرأة أمرٌ لا يمكن أن يحدث.
لكن في اللحظة التي رآها فيها تسقط عن المنصّة، سبق جسده عقله فانطلق لإنقاذها وضمّها بين ذراعيه.
كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
وحتى وهو يحملها لم يشعر بالانزعاج كما كان يشعر حين يلامس نساءً أخريات.
لماذا؟
ما الذي تكونه هذه المرأة؟
وقبل أن يجد جوابًا، سمعها تطلب من إيثان الخروج في موعد.
كانت امرأة لا يمكن رفع العين عنها لحظةً واحدة.
“لماذا تريدين شرب الشاي مع إيثان؟“
“همم، همم…… تعزيز العلاقات؟“
وبعد تفكيرٍ طويل، تمتمت بتردّد.
ارتعشت حاجبا غراي.
هل ستسعى هذه المرأة إلى تعزيز العلاقات مع جميع رجال العالم؟ ألا يكفيها هو وحده، فتضمّ القائد لواند وإيثان، بل وحتى أولئك الفرسان هناك الذين كانوا يتدرّبون؟
“ستفعلين مع الآخرين ما فعلتِه معي؟“
انخفض صوت غراي حتى بدا خطيرًا.
فتحت داليا فمها بدهشة وعجزت عن الرد.
‘لماذا يتكلم بهذه الطريقة؟ حين يقولها هكذا، يبدو وكأن بيننا علاقة ما.’
وفي الواقع، كانت آني التي أساءت الفهم إلى جوارهما قد فتحت عينيها على اتساعهما.
“ستفعلين مع الآخرين ما فعلتِه معي مرتين؟ رغم أنكِ لم تفعليه معي للمرة الثالثة بعد؟“
كلما واصل كلامه، ازداد احمرار وجه آني وأخذت تتفحّص من حولها لترى إن كان هناك من يسمع.
حتى الفرسان بدوا وكأنهم يرمقونهم بنظراتٍ خاطفة أثناء التدريب.
نظرت داليا إلى آني بعينين مظلومتين، وصرخت في داخلها.
‘آني، ليس هذا ما تظنينه. لم نفعل شيئًا.’
“جلالتك حين تتحدث بهذه الطريقة، يسيء الناس الفهم……”
“سوء فهم؟ أي سوء فهم؟“
سأل الإمبراطور وهو يرفع أحد حاجبيه.
“تقول الثانية والثالثة هكذا، فيسيء الجميع الفهم.”
“وهل قلتُ شيئًا خاطئًا؟“
“لا، كلامك ليس خاطئًا، ولكن……”
أشارت آني بعينيها لداليا وكأنها تطلب منها أن تشرح الحقيقة سريعًا.
هزّت داليا رأسها بسرعة لآني بمعنى “لا“، ثم صحّحت كلامها وهي تنظر إلى الإمبراطور.
“نحن كنّا نعزّز العلاقات، لا أكثر.”
“صحيح. نحن الاثنان معًا كنّا نعزّز العلاقات.”
شدّد الإمبراطور على كلمة “الاثنان“، فاهتزّت عينا آني كالعاصفة.
“ليا…….”
“آني، لا، ليس كذلك. حقًا ليس كذلك!”
“ما الذي تفعلينه على وجه الأرض؟“
“أنا مظلومة حقًا!”
“يبدو أن لدى الآنستين الكثير لتقولاه، لذا سأكتفي بالانصراف الآن.”
استدار غراي ببطء تاركًا الآنستين خلفه.
وعندما رأى التعبير المرتبك على وجه آنسة حقل الزهور الوردية، شعر وكأن الضيق الذي في صدره قد انقشع دفعةً واحدة.
وتبعه إيثان بصمت.
وأثناء توجههما نحو ساحة التدريب، وقعت عيناه على فرسانٍ يكشفون عن الجزء العلوي العاري من أجسادهم.
مسحهم غراي بنظرةٍ باردة.
“إيثان. احرص على أن يرتدوا زيّ التدريب دائمًا.”
“نعم.”
“ثم، لماذا تحاول هي التقرب منك؟“
“لا أعلم أنا أيضًا.”
عند إجابة إيثان الجافة، توقّف غراي فجأةً والتفت إليه.
لماذا تحبّه النساء إلى هذا الحد؟
أبسبب وجهه؟ جسده؟ أم لأنه يجيد استخدام السيف؟
“لِمَ لا نتبارز قليلًا، بعد طول انقطاع.”
“نعم…….”
كان الإمبراطور هو الخصم الوحيد الذي لا يستطيع هزيمته.
ارتجفت كتفا إيثان ارتجافةً خفيفة، ثم بدأ يستعدّ للنزال بعينين تحملان نظرة استسلام.
* * *
قاعة الاستقبال.
أخفى رايان توتّره، ونظر إلى الأمام بابتسامةٍ هادئة. وأمامه كان يجلس إمبراطور إمبراطورية لووسيفون بوجهٍ مسترخٍ.
“رايان هيدرلان من مملكة فويفرن، يشرفني لقاء جلالة إمبراطور لووسيفون.”
“مرحبًا بك أيها الكونت هيدرلان. لقد وصلتنا الهدايا على خير وجه. إن نبيذ مملكة فويفرن وكريستالاتها يفوقان الجواهر قيمةً.”
كانت مملكة فويفرن الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك الكريستال، فضلًا عن كونها أشهر منتجٍ لأفخر أنواع النبيذ.
ولهذا جرى إعداد كريستالات من أعلى جودة ونبيذ فاخر، وقطرات الإلهة كهديةٍ لاحتفال تأسيس الدولة.
“يسرّني أن الهدايا قد نالت رضاكم.”
انحنى رايان بعمق، وحين رفع رأسه، كانت نظرة الإمبراطور الحادّة خلف ابتسامته البراقة تخترقه وكأنها تراه من الداخل.
“لكن، هل أتيتَ وحدك؟“
“نعم. نظرًا لأن وقت جلالتك أثمن من الذهب، فقد حضرتُ وحدي سعيًا للقاءٍ سريع.”
“هذا غير متوقّع على نحوٍ لافت.”
نظر رايان إليه بعينين حائرتين، إذ لم يفهم مغزى كلامه.
“أخشى أنني لستُ ذكيًا بما يكفي لفهم مقصد جلالتك.”
“أليس هذا الموضع فرصةً طبيعية ليعرّفني المرء على أخواته الصغيرات؟“
عند سؤال الإمبراطور الذي بدا وكأنه عفوي، خفّض رايان بصره قليلًا وابتلع ريقه الجاف.
“لا أزال لا أفهم ما تقصده.”
ثبت نظره على الأرض متّبعًا سياسة التظاهر بالجهل.
“ففي العادة، تحضر الوفود من الدول الأخرى برفقة الأميرات أو بنات النبلاء عند المثول بين يديّ. أما أنت، فقد جئتَ وحدك.”
وكان قصده، ألا يوجد سبب لجلبك أخواتك ضمن الوفد؟
حينها فقط رفع رايان بصره، وارتسمت على وجهه ابتسامة ودودة توحي بأنه لم يكن يقصد ذلك أبدًا.
ومع توضيح الإمبراطور للأمر بهذا اللطف، لم يعد بوسعه التظاهر بالجهل.
“في الحقيقة، كان الجميع حزينين جدًا لعدم تمكنهم من لقاء جلالتك. لكن إحدى أخواتي كانت تعاني من وعكة—”
“وعكة؟ أيّ آنسة كانت متوعكة؟“
تبدّل الجوّ الهادئ للإمبراطور فجأة.
أظهر رايان احترافه فأخفى ارتباكه.
“جلالتك، هل تعرف أخواتي؟“
“سبق أن التقيتُ بهن.”
“هكذا إذًا. هاهاها.”
سال العرق البارد على ظهره، لكنه حافظ على ملامح هادئة مستغلًا الابتسامة لكسب بعض الوقت.
كيف ومتى التقى الإمبراطور بها؟ ومن التي التقاها؟
‘أرجو ألا تكون الأميرة.’
“إذًا، أيّهما؟“
“أختِ الصغرى ليا.”
شدّد رايان عمدًا على كلمة “أختِ الصغرى“.
كان عليه أن يمنع انكشاف هويتها بأيّ ثمن.
“كانت بخير حتى يوم أمس، أهو أثر سقوطها؟“
كان في طريقة سؤال الإمبراطور وهو ينهض قليلًا عن ظهر الكرسي مسحةُ استعجال.
“هل سقطت ليا؟“
سأل رايان بدهشة ثم لمّا لمحت عينا الإمبراطور وميض شكّ ارتسمت على وجهه ابتسامة محرجة.
“يبدو أنها لم تُصب بأذى حينها.”
استعاد الإمبراطور هدوءه، وأسند ظهره مجددًا إلى الكرسي.
“لقد نشأت ليا بحرّيةٍ كبيرة، لذا أخشى أنها قد تكون قد أساءت التصرّف أمام جلالتك.”
كان يودّ الإسراع إلى مقرّ الإقامة للاطمئنان على صحة الأميرة، لكن وجوده أمام الإمبراطور فرض عليه الالتزام بواجبه الدبلوماسي.
“يبدو أنكم مقرّبون رغم كونها من الفرع الجانبي.”
حمل صوت الإمبراطور المنخفض مسحةَ فضول.
“نعم. إنها فتاة محبوبة.”
ابتسم رايان بصدقٍ خالٍ من التكلّف وهو يستحضر صورة الأميرة.
وكان الإمبراطور يراقب ذلك المشهد بعناية.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 21"