لأنّه لَمْ يَعثر بعدُ على الإجابة.
كلّ ما عليه فعله هو معرفة سبب تمكّن تلك المرأة من دخول حديقة الإمبراطور.
في تلك اللحظة، أدارت الخادمة رأسها، فبان وجهها كاملًا.
‘لِمَ هذه الخادمة؟’
توقّف نظر غراي البارد عليها لوهلة، ثمّ انصرف.
“ماذا تنظر؟”
“لا شيء. هيا بنا.”
حجب غراي نظرة أوريون المتلصّصة من الخلف، وتقدّم يسير من جديد.
* * *
كان الغروب قد حلّ، وبدأ القصر الإمبراطوري يكتسي تدريجيًّا بلونٍ ذهبيٍّ دافئ.
“آه…”
رفعت داليا رأسها نحو السماء، وزفرت زفرةً عميقة، ثمّ تابعت السير.
انشغالها بالحديث مع موني حتّى نسيت ليمون، وكان ذلك هو الخطأ القاتل.
إنْ لَمْ تعُد سريعًا، فمن المؤكّد أنّ آني ستوبّخها.
كيف لقصرٍ بهذا الاتّساع أنْ يخلو من أيّ شخصٍ مارّ؟
نظرت يمينًا ويسارًا، لكنّ الطرق كانت متشابهةً إلى حدٍّ جعلها تشعر وكأنّها تدور في المكان ذاته مرارًا.
كانت تعرف أنّها سيّئة الاتّجاهات، لكن أليس هذا مُبالغًا فيه قليلًا؟
وبينما كانت تلوم نفسها، شدّت كتفيها المترهّلين عن عمد.
سأجده مهما كان!
وما إنْ خطت خطوةً واثقة، حتّى رأت من بعيد وجهًا مألوفًا.
“مولاي الإمبراطور!”
رغم أنّها لَمْ تلتقه سوى مرّة واحدة، إلّا أنّ رؤية شخصٍ تعرفه وهي تائهة كادت تُبكيها من شدّة الفرح.
أشرق وجه داليا، واندفعت تركض نحوه بحماس.
لكنّها لَمْ تنتبه للحجر في طريقها، فاصطدمت به فجأة.
“آه!”
ما الذي تحتاجه الآن؟
الهبوط الصحيح.
استحضرت داليا سريعًا ما تعلّمته من كول.
لامس كتفها الأرض، ثمّ دارت بظهرها وخصرها بسلاسةٍ تامّة، قبل أنْ تثني ركبتها وتنهض دفعةً واحدة.
الحمد لله، لَمْ أُصَب بأذى.
تصفيق. تصفيق.
رفعت رأسها بدهشة عند سماع التصفيق، فرأت يدًا كبيرةً أمامها.
وحين رفعت بصرها أكثر، وجدت قائد الحرس الإمبراطوري يمدّ يده بتردّد، وكأنّه كان يحاول مساعدتها.
تلاقت أعينهما، فاهتزّت عيناه الزرقاوان الداكنتان بارتباك.
ابتسمت داليا ابتسامةً لطيفة، وانحنت قليلًا.
“شكرًا لكَ.”
أومأ الرجل بتحفّظ، ثمّ تراجع بصمت.
في تلك الأثناء، صفق الرجل ذو الشعر الأحمر الواقف خلف الإمبراطور مرّةً أخرى بإعجاب.
“هذا مُذهل.”
“لا شيء يُذكَر.”
قالتها بتواضع، لكنّها شعرت بالفخر لأنّ مهارتها نالت إعجابهم.
سأخبر كول بذلك لاحقًا.
وبينما كانت تبتسم، تلاقت عيناها فجأة بعيني الإمبراطور.
كان يحدّق بها بنظرةٍ متجهّمة، وقبضته مشدودة.
هل ارتكبتُ خطأً؟
“أتشرّف بلقاء الإمبراطور.”
قالتها بسرعة، وكأنّها تُقدّم نفسها طوعًا للمساءلة.
لكنّ الرجل الأحمر الشعر تدخّل بدلًا عنه.
“حقًّا مذهل. كيف لآنسةٍ ترتدي فستانًا أنْ تمتلك مثل هذه المهارة—”
وقبل أنْ يُكمِل، تلقّى ضربةً قويّة في خاصرته من قائد الحرس.
“أوخ! لماذا؟”
تجاهل غراي الضجّة خلفه، ومسح داليا بنظرةٍ واحدة.
“أنتِ مجدّدًا في حقل الزهور.”
“ماذا؟”
سألت بدهشة، لكنّه لَمْ يُجب، بل ألقى نظرةً سريعة على شعرها ثمّ غيّر الموضوع.
“على أيّ حال، ألمْ تقولي إنّكِ دبلوماسيّة رسميّة؟”
ارتبكت داليا، واستنشقت نفسًا متوتّرًا، ثمّ ابتسمت ابتسامةً محرجة.
“نعم. دبلوماسيّة رسميّة.”
“لكنّكِ تبدين دائمًا مرتاحةً ومسترخية.”
“يقولون إنّ لديّ متّسعًا من الراحة—”
قاطعها غراي بحدّة.
“كان ذلك تعبيرًا ساخرًا.”
خفضت داليا بصرها ببطء.
إذًا هو يسخر.
رفعت رأسها مجدّدًا، وردّت بهدوء.
“آه، فهمت. لكن في الحقيقة، أنا مرتاحة وفارغة بالفعل.”
“فه!”
غطّى الرجل الأحمر فمه بسرعة، بينما شدّ قائد الحرس فكّه بقوّة.
هل يُعقَل أنّ الدبلوماسي لا يجوز أنْ يكون مرتاحًا؟
“حسنًا. بما أنّ الدبلوماسيّة المريحة والفارغة هنا، فما الذي تفعلينه بدل العمل؟ لأنّكِ من فرعٍ جانبيٍّ للعائلة؟”
واصل غراي استجوابها بنبرةٍ باردة.
بدأت داليا تفكّر بسرعة، محاولةً الظهور بمظهرٍ يليق بالدبلوماسيّة.
“كنتُ أعمل.”
“على ماذا؟”
“على فهم أجواء الإمبراطوريّة، وتعلّم ما قد يفيد مملكتي—”
“إذًا، هل تُعلنين أمام الإمبراطور أنّكِ تمارسين نشاطًا استخباراتيًّا؟ أهذا إعلان حرب؟”
ابتسم غراي ابتسامةً جميلة، لكنّها كانت قاسية، وقاطعها في منتصف حديثها.
“ماذا؟ إعلان حرب؟ لا أبدًا. كلّ ما رأيتُه حتّى الآن هو تنسيق حدائق القصر.”
قالت ذلك بسرعةٍ ودهشة.
نشاط استخباراتي؟ ما إنْ يتزوّج الإمبراطور حتّى لَن تطأ هذه الإمبراطوريّة مجدّدًا.
توقّفت نظرة غراي عند تعبيرها المظلوم.
“يا آنسة، رائحتكِ ما زالت طازجة.”
“هل تفوح منّي رائحة؟”
قرّبت داليا كمّها من أنفها، لكنّها لَمْ تشمّ شيئًا.
“تعبيرًا مجازيًّا عن قلّة الخبرة—”
“-تقصد أنّك تسخر. نعم، هذه أوّل مرّة أعمل فيها فعلًا.”
أسرعت في إكمال حديثه.
ارتفع أحد حاجبي غراي.
مهما قال، ترتدّ كلماته. ما هذه المرأة؟
استدار حين شعر باهتزازٍ خلفه.
كان أوريون يكمم فمه بكلتا يديه وكتفاه تهتزان، بينما كان إيثان يمسك سيفه بقوّة، وعضلات فكّه مشدودة.
إنْ استمرّ في الحديث معها، فسيُسحَب إلى إيقاعها.
“إذًا، لماذا ناديتِني؟”
تلألأت عيناها كأنّ نجومًا انغرست فيهما.
“آه! بخصوص الوعد السابق.”
“وعد؟”
“قلتَ إنّك ستُلبّي طلبي إنْ لبّيتُ طلبك. لكنّك غادرتَ مسرعًا بسبب اجتماع.”
“آه، صحيح.”
“هل يمكنني أنْ أطلب الآن؟”
“تفضّلي.”
“التقِ بي ثلاث مرّات فقط!”
ابتسمت داليا له بألطف ما لديها.
إنْ التقيا ثلاث مرّات، فقد تتقرّب منه قليلًا.
فلو طلبتْ منه فجأةً أنْ يتزوّج، لاعتبرها مجنونة.
الأفضل أنْ تبني علاقة، ثمّ تعرف ذوقه، وتُدبّر لقاءً مناسبًا.
في المقابل، بردت نظرة غراي.
ظنّها مختلفةً قليلًا، لكنّه كان مخطئًا.
النساء يردن منه شيئًا واحدًا فقط.
هو نفسه.
كان يعلم جيّدًا أنّه وسيم، ويملك السلطة والثروة.
ومنذ صغره، لَمْ تتوقّف النساء عن ملاحقته.
حتّى النساء اللواتي دسّهنّ الإمبراطور السابق في فراشه بالمئات.
شيئًا فشيئًا، نما نفوره من النساء.
صار يشعر بالغثيان وعدم الارتياح لمجرّد لقائهنّ.
كيف له أنْ يتزوّج، وهو يكاد يتقيّأ من مجرّد اللمس؟ بل إنّ الأمر يصل أحيانًا إلى ظهور طفحٍ جلديّ.
وفجأةً، توقّف غراي عن التفكير.
وأعاد نظره إلى آنسة حقل الزهور أمامه.
‘لكن… لماذا أستطيع التحدّث مع هذه المرأة بشكلٍ طبيعي؟’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"