✿ الفصل 107 ✿
* * *
بينما كان الإمبراطور في طريقه إلى حديقة القصر للقاء داليا، لفت نظره حقلٌ من الزهور الوردية.
هذا اللون… أفتح قليلًا من لون شعرها.
أم أن تلك الزهور في الجهة الأخرى أشبه به؟
توقّف غراي فجأة في مكانه.
‘ما الذي أفعله الآن؟‘
بدت له الفكرة التي خطرت بباله سخيفة إلى حدٍّ لا يُصدّق.
ومع ذلك، ظلّ بصره معلّقًا بحقل الزهور الوردية التي تستحضر صورتها دون استئذان.
“من الأفضل ألا أنظر أصلًا.”
رفع يده ليغطي عينيه محاولًا جاهدًا طرد أفكاره عنها.
لكن حين لم ينجح، زفر زفرة طويلة وسأل إيثان بصوت خافت:
“إيثان… كيف عرفتَ أنك تحب تلك الشابة؟“
عند السؤال غير المتوقع، اضطرب نَفَس إيثان قليلًا وهو يقف خلفه بصمت.
“… لم أعرف بكيفيةٍ خاصة. قلبي الذي لم يخفق يومًا إلا عندما أمسك السيف، خفق عندما رأيتها.”
وكما يليق بقائد الحرس المهووس بالسيف، شبّه حتى الحب بالسلاح.
“فقط… عرفت؟“
“نعم. إن لم أرها أشتاق إليها، وإن كنت أراها أشتاق إليها، وحتى الآن… أريد رؤيتها.”
كان اعترافه الهادئ صادمًا.
لم يتوقع غراي سماع مثل هذه الكلمات من رجلٍ لطالما بدا صلبًا كجذع شجرة.
أنزل غراي يده عن عينيه وارتسمت على شفتيه ابتسامة فارغة.
كان هناك شخصٌ يشبه هذا الوصف في حياته أيضًا.
شخص يشتاق إليه إن غاب، ويشتاق إليه حتى وهو حاضر.
أهذا… هو الحب؟
“هاه…”
تنهد بمرارة.
لا.
لا ينبغي أن يكون حبًا.
لا يجب أن يكون.
تماسك ثم استأنف السير.
ومع اقترابه من الحديقة، حملت الريح إليه صوتها الصافي.
رأى آني وكول يقفان قرب الأشجار الكثيفة.
وحين لاحظاه وكادا يحييانه، رفع غراي يده ليمنعهما، وفي تلك اللحظة تقدّم إيثان ووقف إلى جانبهما.
اقترب غراي بخطوات صامتة حتى لا تنتبه إليه.
وكلما اقترب منها، بدأ قلبه يخفق بسرعة متزايدة.
داعبت نسمة خفيفة شعرها الناعم، ورآها ترفع بيدها الصغيرة البيضاء شعرها الوردي إلى الخلف.
كانت عيناها البنفسجيتان الغارقتان في الفراغ تشعّان بلطفٍ غامض.
“أنا أحب صوت ليمون كطائر أيضًا، فلا تقلق.”
ليمون… ذلك الطائر الشفاف على الأرجح.
كان صوتها الدافئ وكأنها تواسي طائرًا محبّبًا على نحوٍ مؤلم.
“قلت لك، لستُ طفلة.”
حتى تذمّرها وهي تنظر إلى الفراغ كان لطيفًا حدّ الجنون.
رغم أنها كانت أمام عينيه، اشتاق إليها بجنون.
أراد أن يكون حاضرًا في كل ما تنظر إليه، في كل زاوية من عالمها.
اسودّت عيناه وهو يحدّق بها بعمق كأنه يحفر صورتها في روحه.
مدّ يده في الفراغ كأنه يريد الإمساك بها.
ارتجفت يده من شدّة الرغبة في امتلاكها.
حاول جاهدًا تجاهل مشاعره، أن يتظاهر بالجهل، أن يدير وجهه.
لكن لم يعد هناك مفرّ.
داليا.
هو يحبها.
في اللحظة التي اعترف فيها بذلك، خفق قلبه بألمٍ كاد أن يحطّمه.
كان بريقها مبهرًا إلى حدٍّ أعمى بصره، فأغمض عينيه ببطء.
لكن حتى مع إغماضهما، لم تختفِ صورتها وكأنها محفورة على شبكيته.
امتلأ صدره بحبها حتى كاد يختنق.
“هاه…”
ما إن فتح عينيه ونظر إليها مجددًا، حتى عاد نَفَسه إلى طبيعته.
كاد يسرّع خطاه ليعترف لها بكل شيء، حينها اجتاح ظهره فجأة ألمٌ لم يختبره من قبل.
تلاشى توازنه للحظة واستنشق هواءً فارغًا دون وعي.
“آه…”
كانت هذه أول مرة يؤذيه ذلك النقش الأسود.
كأن الألم يسخر من حالته، من رجلٍ كان قبل لحظات غارقًا في الحب.
فاق وعيه دفعة واحدة.
“لا تنسَ أنك مُحكومٌ بوقت.”
كأن النقش الأسود كان يهمس له بذلك.
حبّ… لشخصٍ يعيش على مهلة؟
هل سيتوسل إليها أن تبقى إلى جانبه لحظة موته؟
هل سيطلب منها أن تعيش عمرها كله وهي تشتاق إليه؟
هل سيجبرها على تحمّل البكاء بسببه؟
لا.
أبدًا.
لم يستطع احتمال فكرة أن تتألم أو تبكي بسببه.
برد صدره الذي كان مشتعلًا بحبها.
كان عليه أن يدفن هذا الشعور في أعماقه… وينساه.
“شخص سيّئ الطالع؟“
“سيّئ الطالع… وصف دقيق.”
كان سيئ الحظ فعلًا، إلى درجة أن يكتشف الحب في اللحظة التي يجب أن يتخلى عنه فيها.
ابتسم لها ابتسامة باهتة وهو ينظر إليها.
لماذا تبدو جميلة إلى هذا الحد اليوم؟
عيناها البنفسجيتان حين ترفعان النظر إليه، وشفاهها الوردية… كل شيء فيها كان مغريًا.
قبل لحظات قرر نسيانها، وها هو يعود ليطمع بها حتى الجنون.
‘لمن تزيّنت هكذا أصلًا؟‘
ارتعش كتفاها وهي تتجنب نظره.
“لماذا تتفادين نظري؟ كأنك تفعلين أمرًا لا ينبغي عليك فعله.”
هل ستقابل قائد الفرسان لوآند؟
أليسا مقرّبين إلى حد مناداة بعضهما بالاسم؟
بدلًا من مراقبته، كان الأجدر به أن يطرده من الإمبراطورية منذ زمن.
أو… عليه أن يكتشف ذلك “النموذج المثالي” الذي ذكرته، ويُبعده عن محيطها بالكامل.
“بالمناسبة، لم أسمع بعد عن نموذجك المثالي.”
“ماذا؟ النموذج المثالي؟“
نظرت إليه داليا بعينين متسعتين وكأنها لا تفهم ما يقول.
“ذاك الذي قلتِ إنني لا يمكن أن أكونه. من هو؟“
حدّقت به بدهشة ثم أدارت عينيها.
هل من الصواب أن تتحدث عن نموذجها المثالي أمام الرجل الذي تحبه؟
لا… بل هذه فرصة! فرصة لإخفاء مشاعرها عنه!
حاولت داليا أن تذكر النموذج الذي فكرت فيه سابقًا، لكن عقلها لم يستحضر سوى الإمبراطور.
وسامته المبهرة.
صدره العريض الذي منحها الأمان.
يداه الكبيرتان الدافئتان.
وصوته العميق الذي يدغدغ أذنها.
“لماذا لا تتكلمين؟“
سأل بنبرة ضيق.
سارعت إلى محو صورته من رأسها واستحضرت كائنًا قريبًا منها… ذكرًا.
“همم… أولًا، يكون كبيرًا. قويًّا، سريع الجري، صوته جهوري—”
“انتظري. هل هذا وصف نموذجٍ مثالي حقًا؟“
قاطعها وهو ينظر إليها بريبة.
“نعم! نبيل، سريع، قوي، وكاريزمي! هذا هو نموذجي المثالي!”
“نبيل وسريع وقوي وكاريزمي؟ سمعتُ هذا الوصف من قبل. أليس هذا… حصانًا؟“
‘تبًا. ذاكرته قوية فعلًا.’
تجنبت داليا نظرته الحادة وهي تلسع شفتيها من الداخل.
“أنا… أحب الخيول كثيرًا.”
“إذًا، نموذجك المثالي هو شخص يشبه الحصان؟“
“…… نعم.”
أومأت داليا برأسها ببطء.
“سيكون من الصعب إبعادهم جميعًا.”
تمتم بتلك الكلمات، فرفعت داليا رأسها إليه بملامح متحيّرة.
“ماذا؟“
“إذًا، من الشخص الذي ستقابلينه اليوم؟“
حين غيّر الإمبراطور مجرى الحديث، عادت داليا تفتّش في رأسها بسرعة.
من سأقابل اليوم؟
نظرت بعينين مستنجدة نحو آني، لكنها كانت بعيدة جدًا.
‘آه… لا بأس، لا يهم.’
“صاحبة السمو الأميرة تيارا. لم أرها منذ فترة.”
“وتضعين مكياجًا فقط لتقابليها؟“
تسلل الشك إلى صوته.
“الأميرة جميلة جدًا، وأردتُ أن أبدو جميلة أنا أيضًا—”
“أنتِ الأجمل.”
كانت داليا تتكلم دون تفكير، لكن كلمات الإمبراطور جعلتها تعجز عن الرد، فحدّقت فيه بصمت.
تحت نظرته التي بدت وكأن العالم بأسره لا يضم سواها، شعرت أنها يجب أن تقول أيّ شيء، ففتحت فمها أخيرًا:
“… شكرًا على الإطراء؟“
ما إن خرجت الكلمات حتى شعرت بسخافتها، فغطّت فمها بسرعة.
فضحك الإمبراطور ضحكة عالية.
لم تكن تلك الابتسامة المصطنعة التي اعتاد إظهارها، بل ضحكة صادقة جميلة جعلت صدرها يمتلئ بدفءٍ لطيف، فابتسمت بدورها وهي تضحك معه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 107"