“جلالتك، هذه أول مرة تستدعيني إلى مكتبك بهذه الطريقة. هل من أمرٍ ما؟“
حدّق غراي في الماركيزة بصمت.
كان قد أجرى تحقيقًا دقيقًا مع أفراد العائلة الإمبراطورية وفرسان الحرس، لكنه فشل في تتبّع أداة التواصل.
لذلك قرر أن يستدعي أفراد العائلة الإمبراطورية واحدًا تلو الآخر ويستخدم بنفسه قدرة كشف الحقيقة.
وكانت أول من اختارها هي الماركيزة ماري سوندو.
ففي حال أصابه أو أصابت فيفيانا مكروه، كانت هي أكثر من يملك احتمال الجلوس على العرش.
في الواقع، منذ أن أصبح إمبراطورًا، اعتاد كل عام أن يستدعي أفراد العائلة الإمبراطورية بحجة الاطمئنان عليهم، ويُجري عليهم كشف الحقيقة سرًا تحسبًا لوجود من يضمر نوايا خبيثة.
وكانت الماركيزة حتى هذه اللحظة من الذين اجتازوا الاختبار دون تغيير.
لكن رغم ذلك، لم تكن حتى هي بمنأى عن الشك، رغم أنها لطالما اعتنت به وبفيفيانا بإخلاص.
نظر غراي إليها بعينين هادئتين ولم يُجب عن سؤالها مباشرة، بل طرح سؤالًا آخر:
“يا ماركيزة، هل تعرفين سيلفيا التي كانت مرضعة فيفيانا؟“
“نعم بالطبع. لم أكن لأتخيل في أسوأ أحلامي أنها قد تفعل أمرًا كهذا. لا بد أن صدمة صاحبة السمو عظيمة… وقلبي يتألم لذلك أيضًا.”
قالت ذلك وهي تخفض رأسها قليلًا بملامح حزينة.
راقب غراي تعابيرها بعناية.
إن كان هذا كله تمثيلًا، فهي ممثلة بارعة بحق.
“هل كنتِ قريبة من سيلفيا؟“
“نعم. هل يُعدّ كوننا كنّا مقرّبتين أمرًا إشكاليًا؟“
سألت بوجهٍ متفاجئ.
“لا. لا يمكن أن يكون القرب وحده سببًا للمساءلة.”
نظر إليها غراي بهدوء.
فالسرّ متى ما تسرّب يصعب احتواؤه.
وكونها من العائلة الإمبراطورية، لم يستبعد احتمال أن تكون على علمٍ ببعض أسرار القصر.
ولهذا، واصل طرح الأسئلة دون أن يُشعرها بأيّ سؤال استخدم فيه قدرة كشف الحقيقة.
“يا ماركيزة، كم أداة تواصل تملكين؟“
“واحدة فقط.”
“هل سبق وأن أعطيتِ أداة تواصل لسيلفيا؟“
هزّت الملركيزة رأسها بنفي وقد تصلّبت ملامحها.
“لا.”
‘حقيقة.’
“إذًا، هل أعطيتِ أداة تواصل لآنسة يوفْرون؟“
“لا.”
كان غراي قد استخدم قدرة كشف الحقيقة بالفعل، لذا راقب أدق تعبيرات وجهها دون أن يفوته شيء، لكن ملامحها لم تتغير.
“حسنًا. يمكنكِ العودة الآن.”
“إذًا استدعيتني بسبب أداة التواصل. يبدو أنهما وُجدتا بحوزة هذين الشخصين. فهذه الأدوات لا يمتلكها سوى العائلة الإمبراطورية وفرسان الحرس.”
وبما أنه سألها عنها بشكل مباشر، أدركت هي أيضًا مغزى الاستجواب فورًا.
“نعم.”
“أن تشكّ بي أمرٌ صائب جلالتك. من يجلس على العرش لا ينبغي له أن يثق بأحد.”
قالت ذلك بابتسامة ناعمة.
“كنت أعلم أنكِ ستتفهمين.”
“بالطبع. أفهم كل شيء. هل من أمرٍ آخر ترغب في قوله؟“
“لا. يمكنكِ الانصراف.”
“حسنًا. إذًا أستأذن.”
انحنت ماري احترامًا، ثم غادرت المكتب.
أمام الباب، كان يقف مساعد الإمبراطور وقائد الحرس، فبادلتهم التحية بنظرة، ثم سارت في الممر.
خطوة… ثم خطوة.
كانت تمشي بحذرٍ في كل خطوة تخطوها.
وحين ابتعدت مسافة كافية عن الإمبراطور، ارتسمت ابتسامة رضا خفيفة على طرفي شفتيها الحمراوين.
* * *
“ماري، هل ترغبين في أن تصبحي إمبراطورة؟“
سأل الإمبراطور الراحل بنبرة ساخرة وقد ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
“ماذا؟ لا، أبدًا. ما دام أخي وليّ العهد موجودًا، فكيف لي أن أجرؤ على التفكير في أمر كهذا؟“
في تلك اللحظة، تحوّل نظره الذي طالما كان عطوفًا إلى نظرة حادّة.
شعرت ماري وكأن الظلام قد خيّم أمام عينيها.
كان إحساسها قويًا بأنه يرى ما في قلبها كله.
“أ… أنا دائمًا صادقة أمامك يا والدي.”
قالت ذلك وهي تخفض رموشها لتخفي ارتجاف عينيها.
“منذ اللحظة التي يعتلي فيها وليّ العهد العرش، يجب أن تكوني صادقة أمامه دائمًا. إن لم تفعلي، ستدفعين ثمنًا باهظًا. لا تطمعي في العرش أبدًا. إن فعلتِ، فستعيشين حياتك كلها بسعادة بصفتك الأميرة التي نالت محبتي.”
“سأحفظ كلامك في قلبي.”
أجابت ماري وهي تنحني بعمق.
كان لديها شعور قوي بأن كلمات والدها هذه ستحدّد مصير حياتها وموتها.
بعد ذلك، بدأت تستضيف ممثلين مشهورين من المسارح داخل القصر.
أقامت معهم علاقات، وقلّدت أساليبهم في الكلام وتعابير وجوههم.
وكان والدها يستدعيها كلما سنحت له الفرصة، ويسألها السؤال ذاته.
بعد أن تعلّمت التمثيل، تحسّنت تعابيرها شيئًا فشيئًا، لكن رغم أن إجاباتها لم تتغير، كان وجه والدها يزداد قتامة.
“كفى!”
صرخ وهو يضرب العرش بقبضته.
“ماري، ألم أقل لكِ؟ أمام الإمبراطور يجب أن تكوني صادقة!”
كانت هي أيضًا تحترق من الداخل.
كيف يمكنه أن يكون واثقًا إلى هذا الحد بأنها تكذب؟
كان الأمر وكأنه يقرأ أفكارها.
وفي تلك اللحظة، برق خاطر في ذهنها.
أيعقل أن الإمبراطور يمتلك قدرة على قراءة القلوب؟
كان والدها قد أفشى يومًا وهو ثمل أحد أسرار العائلة الإمبراطورية.
سرًّا أقرب إلى اللعنة.
فإن كانت هناك لعنة، أفلا يمكن أن تكون هناك نعمة أيضًا؟
ماذا لو كان الإمبراطور قادرًا فعلًا على قراءة نوايا الآخرين؟
شحبت ملامح ماري.
كان والدها ينظر إليها بعينين مشفقتين.
بهذا الشكل ستموت. وعلى يد أخيها.
“يا والدي… أرجوك، اسألني مرة أخرى فقط. هذه المرة سأجيب إجابة صحيحة حقًا.”
“تعالي غدًا.”
غدًا؟
هل لتلك القدرة حدّ زمني؟
“نعم.”
لم تنم ماري لحظة واحدة حتى اليوم التالي.
إن كان قلبها مكشوفًا، فلن يفيد أي كذب مهما تجمّل.
كانت خائفة.
لم تكن تريد أن تموت.
فالحياة كانت أهم من العرش.
وحين وقفت أمام والدها من جديد، نظر إليها بعينين جادّتين.
“هل ترغبين في أن تصبحي إمبراطورة؟“
“لا. لا أريد ذلك أبدًا.”
عندها فقط ارتفعت زاوية فمه بابتسامة رضا.
“هذه هي الحقيقة.”
“شكرًا لك يا والدي.”
حين سُئلت، كانت تفكر بصدق أنها لا تريد أن تصبح إمبراطورة.
لم تغيّر سوى فكرة واحدة، فصدّقها.
“يا والدي، هل يمكن أن تسألني مرة أخرى؟“
“هذا يكفي. فقط تذكّري: أمام الإمبراطور، كوني صادقة دائمًا.”
“نعم. سأحفظ ذلك جيدًا.”
منذ ذلك اليوم، بدأت ماري تلجأ إلى التنويم الذاتي للتحكم في أفكارها.
وحين سمعت أن بعض الأعشاب تساعد على التنويم، درست علم الأعشاب بجد ونجحت في صنع أوراق شاي تمزج بين الأعشاب والزهور لتحفيز حالة التنويم.
العرش…
مكانٌ تريده بشدة، لكنه مستحيل المنال.
إن لم تستطع أن تحصل عليه، أفلا يستطيع طفلها أن يناله؟
ومن أجل ذلك اليوم، كان عليها أن تتحمّل زمنًا طويلًا من الصبر.
* * *
ومضى الزمن واعتلى أخوها العرش.
“لقد أصبحتِ أكثر إشراقًا بعد أن صرتِ ماركيزة.”
“شكرًا لك جلالتك.”
“كنتِ ذكية منذ صغرك يا ماري. أذكى مني حتى.”
“هذا غير صحيح جلالتك.”
هزّت رأسها بملامح تنفي ذلك تمامًا.
“ماري، هل خطر ببالك يومًا أن تصبحي إمبراطورة؟“
سألها الإمبراطور بابتسامة ودودة.
أجابت بوجهٍ متفاجئ:
“لم أفكر في ذلك قط.”
“همم… حسنًا. سأثق بك.”
أومأ الإمبراطور برأسه مبتسمًا برضا.
“شكرًا لثقتك.”
انحنت ماري بعمق وقد ارتسم التأثر على وجهها.
* * *
بعد أن غادرت القصر واستقلّت العربة، حدّقت ماري من النافذة واستعادت في ذهنها الحوار الذي دار بينها وبين الإمبراطور.
‘يا ماركيزة، هل تعرفين سيلفيا التي كانت مرضعة فيفيانا؟‘
‘نعم بالطبع. لم أكن لأتخيل في أسوأ أحلامي أنها قد تفعل أمرًا كهذا. لا بد أن صدمة صاحبة السمو عظيمة… وقلبي يتألم لذلك أيضًا.’
كانت تفكر بذلك بصدق.
لم تتوقع أن تكون سيلفيا عديمة الكفاءة إلى هذا الحد.
“هل كنتِ قريبة من سيلفيا؟“
“نعم. هل يُعدّ كوننا كنّا مقرّبتين أمرًا إشكاليًا؟“
لم يكن قربها منها مشكلة فعلًا.
“كم أداة تواصل تملكين؟“
“واحدة.”
كانت تستخدم فعليًا أداة واحدة فقط.
“هل أعطيتِ أداة تواصل لسيلفيا؟“
“لا.”
التي أعطت سيلفيا الأداة كانت إحدى تابعاتها. هي نفسها لم تسلّمها لها مباشرة.
“هل أعطيتِ أداة تواصل لآنسة يوفْرون؟“
“لا.”
وكذلك الحال مع آنسة يوفْرون.
كانت قد أرتها الأداة أثناء شرب الشاي، ثم سلّمتها إلى أحد مرؤوسيها.
لم تعطها لها بيدها مباشرة.
حين تريد خداع الآخرين، عليك أن تخدع نفسك أولًا.
وبفضل هذا التدريب الطويل، استطاعت أن تخدع والدها وأخاها وحتى الإمبراطور الحالي. [ تقصد اخاها قبل لا يصير امبراطور حالي ]
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 103"