1
لو كنتَ قارئًا، فلا بدّ أنّ هذه الفكرة قد خطرت ببالك مرّةً واحدةً على الأقلّ.
لماذا تقدّم بطلتُنا دائمًا “الإحباط” فقط؟
فهي تمتلك، منذ ولادتها، مظهرًا كاملًا كأنّها مختلفة عن مجرّد شخصيّة ثانويّة.
ومع أنّه ليس كلّ البطلات يحظين بعائلة قويّة داعمة، إلّا أنّ حولها دائمًا أبطالًا ذكورًا شبابًا وأثرياء ووسيمين يعوّضون ذلك ويدورون في فلكها.
وفي عالم روايات الرومانس فانتازيا حيث المكانة والسلطة هما كلّ شيء، فإنّ موقع “البطلة” التي تجتمع فيها كلّ هذه العناصر لا يختلف عن موقع الكائن المطلق.
ومع ذلك، لماذا بحقّ السماء لا تستطيع أن تأكل من مائدةٍ أُعدّت لها بالكامل؟
في كلّ يومٍ تتعرّض للخطر على يد الأشرار، أو تُتَّهَم وتُفترى عليها من قِبل شخصيّات ثانويّة من الدرجة الثالثة.
وبعد أن تتأنّق وتأتي بكلّ جمالها، يسكب أحدهم الخمر على فستانها.
نعم، تمامًا مثل الآن.
تشاااخ—!
انسكب النبيذ الذي كان يُملأ في الكأس، وصبغ الفستان.
وفوق البقع الحمراء التي لوّثت الدانتيل المزيَّن بإتقان، أخذ سائلٌ شفّاف يقطر قطرةً قطرة.
‘نعم، كنتُ أعلم أنّ هذا سيحدث. ترى كيف عليّ أن أواسيها اليوم…….’
هاه؟ ما هذا الموقف بالضبط……؟
“كياااه! ليلى! ما الذي تفعلينه بحقّ السماء؟!”
“أوه، خطأ.”
شَعرٌ ورديّ لطيف، وعيونٌ بلون السماء الصافية.
ليلى، البطلة الرقيقة الضعيفة التي يراها الجميع كذلك، هزّت كأس النبيذ الفارغ في يدها وتكلّمت.
لم يبقَ من مظهرها البائس المرتعش، مع رموشها الطويلة التي كانت ترتجف، أيّ أثر.
كانت عيناها السماويّتان تحدّقان بالطرف الآخر ببرودٍ غائر.
“أنا آسفة حقًّا، شَارفيل. يدي انزلقت دون قصد.”
لقد رأى الجميع في المكان بوضوحٍ أنّها سكبت النبيذ عمدًا.
ومع ذلك، لم ترمش ليلى بعينها وهي تكذب بكلّ وقاحة.
هاه……؟
على اعتذارها الوقح، أفلتت منّي ضحكة سخرية دون قصد.
فسارعتُ إلى تغطية فمي خشية أن يراني أحد.
مع أنّي شككتُ في عينيّ أمام هذا المشهد الذي أراه للمرّة الأولى، إلّا أنّه كان واقعًا لا يمكن إنكاره.
الشخص الذي سكب النبيذ كان ليلى، لا من انسكب عليه.
أليس من المفترض في مثل هذه الحفلات أن تكون البطلة هي من تنسحب بعد أن يتّسخ ثوبها؟
لكن الآن، تلك الكليشه قد تحطّمت تمامًا.
ما هذا بحقّ الجحيم؟
هل هذه فعلًا ليلى التي أعرفها، البطلة الرقيقة الخانقة التي لا تقدّم سوى الإحباطِ؟
لم أكن وحدي من صُدمت.
كلّ أنظار النبلاء في قاعة الحفل تَركّزت على ليلى وشارفيل.
فعلى وجوه الفتيات اللواتي كنّ دائمًا يضايقن ليلى مستنداتٍ إلى شارفيل، ارتسم الذهول، بينما ظهر الارتياح على وجوه بعض السيّدات اللواتي كنّ يختنقن قهرًا من مشاهدتها تُهان دون ردّ.
“تأنّقتِ وجئتِ، لكن ثوبكِ اتّسخ، ماذا أفعل. أظنّ أنّ عليّكِ العودة إلى القصر الآن.”
قالت ليلى ذلك وهي تمسح فستان شارفيل بمنديلها وتُظهر تعبيرًا معتذرًا.
رغم أنّها تعلم جيّدًا أنّ البقع لن تزول بعد أن تشبّع القماش، إلّا أنّها لم تتوقّف.
احمرّ وجه شارفييل وهي تنظر إليها، وبدأ جسدها يرتجف كأنّها تعرّضت لإهانةٍ شديدة.
ولعلّها رأت أنّه لا يمكنها البقاء في قاعة الحفل على تلك الحال، فعضّت شفتها وغادرت المكان.
حدّقت ليلى بلا مبالاة في المنديل الذي كانت تمسح به، ثمّ رمته أرضًا بعنف.
وبعدها، نظرت إليّ مباشرةً.
كانت ليلى، التي بدت كأنّ شخصيّة أخرى قد حلّت محلّها، تبتسم إشراقةً وتستعرض جمالها.
“تينا!”
جاءت ليلى راكضةً بابتسامةٍ عريضة، تشبّثت بذراعي وأسندت رأسها عليّ.
انحنت عيناها بنعومة، ثمّ رفعت بصرها إليّ بنظرةٍ مليئةٍ بالتوقّع وسألت.
“رأيتَ ما حدث قبل قليل؟”
“……رأيتُ. ولم أكن الوحيد، الجميع هنا رأى.”
وعندما أجبته بأنّي رأيت، ازداد بريق عيني ليلى لمعانًا.
كانت نظرتها كأنّها تسأل: ‘ألا يوجد شيءٌ تقولينهُ؟’، تشبه كلبًا صغيرًا يستعرض حركاته منتظرًا المديح.
وبالطبع لم يكن لليلى ذيل، لكنّي خُيّل إليّ أنّ خلفها كتلةً من الفرو تهتزّ يمينًا ويسارًا.
ومن دون وعي، خرجت من فمي الإجابة التي كانت ليلى تنتظرها.
“أحسنتِ.”
عندها ارتفعت زاوية فمها إلى أقصاها.
وأمام ابتسامتها السعيدة، أدركتُ أخيرًا الواقع الذي كنتُ أشكّ فيه طوال هذا الوقت.
أ-أبنتي تغيّرت!
ربّتُّ على شعر ليلى الورديّ، وهي تتدلّل كجروٍ صغير.
ربّما كان ذلك اللمس غير متوقّع، إذ تصلّب تعبيرها لوهلة، ثمّ عادت وابتسمت بنقاء.
مرّ عشرون عامًا منذ أن تناسختُ، لا، بل تجسّدتُ داخل رواية الرومانس فانتازيا الكئيبة <قدّيستي المحبوبة>.
لم يحدث قطّ أن فقدتُ السيطرة على تعابير وجهي كما الآن.
غطّيتُ فمي بيدي وأنا أضحك في سرّي، محاولًا إخفاء ابتسامتي التي لا تكفّ عن الارتفاع.
‘أخيرًا…… انتهت حياتي في مشاهدة الدراما مباشرةً……!’
“مجنون! لماذا هي التي تُداس؟ المفروض أن تُداس الشريرة!”
كنتُ أهوى قراءة روايات الرومانس فانتازيا بعد انتهاء يومي، وفي ذلك اليوم أيضًا كنتُ أقرأ كتابًا وأنا أصرخ غاضبة.
كانت رواية بدأتُها لأنّ البطلة لطيفة ومحبوبة، لكنّ تطوّر الأحداث لاحقًا كان خانقًا إلى حدّ الانفجار.
أين ذهب ذلك البناء الجميل في البداية؟
وبعد أن كتمتُ ضيقي وقرأتُ بصعوبةٍ حتّى النهاية، أغلقتُ الكتاب بقوّة، فلفت انتباهي وجود كلماتٍ لم تكن في الجزء الأوّل.
“فوق الكئيبة……؟”
لأنّي أحببتُ الكلمات المكتوبة على الجزء الأوّل، اشتريتُ السلسلة كاملةً دون تردّد.
لكن ظهور هذا الوسم فجأةً أشعرني بخيانةٍ غير مبرّرة.
لو كان الأمر كذلك، لكان يجب أن يُكتب منذ الجزء الأوّل!
تنفّستُ بعمق وأطفأتُ المصباح، ثمّ غطّيتُ رأسي بالبطّانيّة ونمت.
وعندما فتحتُ عينيّ، وجدتُ نفسي في مكانٍ يلمع على نحوٍ غريب.
‘أين أنا بحقّ السماء.’
لم يستغرق إدراك الواقع وقتًا طويلًا.
هذا العالم هو عالم <قدّيستي المحبوبة> الذي كنتُ أقرأه قبل قليل.
وما هو أسوأ، أنّ الشخصيّة التي تجسّدتُ فيها كانت صديقة طفولة البطلة ليلى.
شخصيّة ثانويّة تُدعى “تينا إلّوبيز”، تُؤخذ رهينةً على يد البطل الذكر الذي يطمع في ليلى، ثمّ تنتهي بالانتحار.
إلى هنا، كان الأمر مقبولًا.
فمع أنّها شخصيّة ثانويّة ذات نهاية موت مؤكّدة، إلّا أنّه كان هناك مخرج.
إن كان سبب موتي هو كوني صديقة طفولتها، فكلّ ما عليّ فعله هو ألّا أكون قريبةً منها.
لكن، وكما هو متوقّع، لم يكن العالم بتلك السهولة.
يدان صغيرتان ممتلئتان بحجم كفّ قطّة.
“أووو……؟”
كنتُ متأكّدة أنّي قلتُ ‘ماذا؟’، لكنّ الصوت خرج مشوّهًا.
نعم، هذا صحيح.
للأسف، كنتُ قد تجسّدتُ في جسد تينا إلّوبيز وهي رضيعة.
وفوق ذلك، وكأنّه يسحق فكرتي الساذجة بعدم الاقتراب من ليلى، كانت ليلى أربيد بجانبي منذ ما قبل أن أزحف أصلًا.
“تينا، هذه ليلى. ستكون صديقتكِ الأولى.”
لقاءٌ أوّل باغتني، لم أتوقّع فيه أنّ والدينا صديقان.
وهكذا، وجدتُ نفسي أسير طريق صداقة الطفولة قسرًا.
وعندما كبرتُ بما يكفي لأتكلّم وأعبّر عن نفسي بوضوح، قلتُ لليلى بحزم.
“لن ألعب معكِ.”
متحجّجةً بأنّي أريد اللعب مع أصدقاء ينسجمون معي.
عزمتُ حينها على قطعها من حياتي، لكنّ ذلك العزم لم يدم طويلًا.
فكما يليق ببطلةٍ تُهان لاحقًا دون أن تنبس ببنت شفة، كانت قدرتها على إثارة الاختناق منذ الصغر في أقصاها.
ومع مرور الوقت، أدركتُ حقيقةً واحدة.
هذا عالم رواية، وليلى هي البطلة.
أي إنّ كلّ الأحداث تدور حولها، وحتى لو ابتعدتُ عنها، سأُجبر حتمًا على مشاهدة تطوّرات الرواية.
قراءة ذلك كانت خانقة، فكيف برؤيته بعينيّ؟
هذا أمرٌ لا يمكن قبوله.
لذا غيّرتُ الخطة.
خطة تُدعى: ‘إن لم يكن هناك فوضى، فاصنع الفوضى بنفسك’.
“……هيك، تينا حقًّا لن تلعب معي……؟”
“سألعب. لكن اتّبعي كلماتي حرفيًّا.”
“حقًّا؟ إن فعلتُ، ستلعبين معي؟”
“بالطبع.”
“ماذا أقول……؟”
لم يكن قد حان وقت بداية القصّة الأصليّة بعد، وكانت ليلى صغيرة.
وإن كانت مشكلتها البراءة المفرطة، فالحلّ أن نجرّدها من تلك البراءة.
“هيا، ردّدي معي. أيّها اللعين.”
“……إيه؟”
“مُت في الطريق، أيّها الوغد الـ XXXX.”
شعرتُ بالذنب وأنا أعلّم ليلى الصغيرة ألفاظًا نابية، لكن لم يكن هناك خيار آخر.
ألم يقولوا إنّ التعليم المبكّر، كلّما كان أبكر كان أفضل؟
حدّقتُ في ليلى المذهولة وعلّمتُها شيئًا آخر.
ويبدو أنّ رفيقة سجليّ المدني في هذه الحياة نقلت الأمر إلى أمّي، لأنّي في ذلك اليوم نلتُ توبيخًا قاسيًا.
لكنّ ذلك لم يكن كافيًا لإيقافي.
كنتُ أتحيّن الفرص حين نكون وحدنا بعيدًا عن الأنظار، وأواصل تعليم ليلى المبكّر.
“أمسكي الشَّعر هكذا، هكذا. أدخلي يدكِ إلى الداخل ولفّي المعصم قليلًا.”
“هـ-هكذا……؟”
……آه.
بالطبع، على عكس تعليمي المثالي، لم تكن لدى ليلى أيّ موهبة تُذكر.
كان يجب أن أتوقّف عند هذا الحدّ.
لكنّي في ذلك الوقت لم أكن أعلم أنّني سأندم على هذا لاحقًا.
التعليقات لهذا الفصل " 1"